كان في وسعه أن يصبح من أصحاب الثروات الضخمة كغيره من الحكّام العرب لو صادق كبار الباشوات والتجار بعد أن قام هو ورفاقه بانقلابه، وأن يسكن في القصور الملكية ويحيا حياة البذخ والترف لو أنه أعاد الحياة البرلمانية المزيفة التي كان يسيطر عليها أصحاب الأطيان من رؤساء الأحزاب بينما يعيش الفلاحون حياة الفقر المدقع. بدلاً من ذلك، وبدعم شعبيّ هائل قام بمصادرة الأراضي الزراعية الكبرى التي حصل عليها كبار الملاكين ظلماً وجوراً خلال العهود السابقة، ووزّعها هو ورفاقه على الفلاحين وأقام لهم التعاونيات لمساعدتهم على شراء الآلات الزراعية.

كان في وسعه أن يصادق الإنكليز المستعمرين الموجودين عسكرياً على أرض مصر بعد معركة التل الكبير في 13/09/1882 التي خسرتها القوات المصرية بقيادة أحمد عرابي، ولم تنجح ثورة 1919 المجيدة في إزالتهم من أرض مصر. بدلاً من ذلك تمكّن هو ورفاقه من إلزام الإنكليز بعقد معاهدة الجلاء بعد سنتين ونيف من الثورة أي في 19/10/1954، وتم الجلاء فعلياً في 18/06/1956. ولا تزال مصر تحتفل بهذا التاريخ كعيد رسمي.
كان بإمكانه أن يتغاضى عن الهجوم العسكري لجيش الاحتلال ومقتل عدد من الجنود المصريين والمناضلين الفلسطينيين والمدنيين في قطاع غزة الذي كان بإدارة مصر، وذلك بتاريخ 28/02/1955. بدلاً من ذلك عقد صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفياتي التي تم بيعها تحت اسم تشيكوسلوفاكيا للتخفيف من الصدمة التي أصابت الغرب، وكانت بقيمة 250 مليون دولار، وعُرفت بصفقة كسر احتكار السلاح الغربي الذي كان مسيطراً سيطرةً تامة على الدول العربية. حكام هذه الدول لم يكونوا يحلمون بأن يتمكّن رئيس مصر من استيراد ولو بارودة واحدة من الشرق، ولكنهم طبعاً لم يكونوا يعرفون طينة الرجل الذي لم يكن ليقبل الإهانة وكانت الكرامة الوطنية عنده تتقدّم على ما عداها وهو القائل: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعمار».
كان لهذا الحدث الذي اعتُبِر قلباً للموازين في المنطقة العربية، حيث إن قادتها لم تكن لهم الجرأة لخرق سيطرة الغرب على قطاع الأسلحة محافظين على التفوق العسكري للكيان الصهيوني.
كان في وسعه أن ينضمّ إلى حلف بغداد وبذلك ينال رضى بريطانيا والولايات المتحدة والذي كان هدفه محاربة الشيوعية الذي بدأ بحلف بين تركيا والعراق في شباط 1955 وانضمت إليه بريطانيا في 5 نيسان وباكستان في 23 أيلول وأخيراً إيران في العام نفسه. ولقد رفضت مصر بقيادة عبد الناصر بصورة حاسمة هذا الحلف معلنة أن الخطر الذي يهدّد المنطقة هو الخطر الصهيوني وليس الشيوعي. وأدى ذلك إلى امتناع الدول العربية وعلى رأسها سوريا والسعودية عن الانضمام إلى هذا الحلف الذي ما لبثت العراق بعد ثورتها أن انسحبت منه، فقضت عليه. ولا بدّ هنا من الإشارة هنا إلى أن كميل شمعون الرئيس اللبناني رغب بالانضمام إلى الحلف، فلقي معارضة واسعة أدت إلى أحداث 1958 بعد أن حاول تجديد ولايته وفشل في تحقيق غايتَيه: التجديد والانضمام إلى الحلف.
كان عبد الناصر يحلم كشعب مصر ببناء سدّ يقيها ويلات فيضان نهر النيل، وبعد دراسة مشروع تقدم به مهندس يوناني، كان قد رُفِض قبل الثورة، وتقدّمت مصر بطلب إلى البنك الدولي. وافق هذا الأخير على تقديم قرض يوازي ربع كلفة بناء السد على أن يتحمّل البنك 50% من القرض وتتكفل بالباقي الولايات المتحدة وبريطانيا. أما الشروط فباختصار يمكن القول إنّها تنص على الإشراف المالي الكامل على واردات مصر وتخصيص ثلثها لسداد القرض وتمنع مصر من الاقتراض إلّا بموافقة البنك، ما ينتقص بشكل كامل من سيادة مصر، إلّا أن عبد الناصر الذي كان يتوقّع سحب القرض بعد صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفياتي، أمر بالاستمرار بالمفاوضات إذ كان يعدّ العدّة لأمر آخر.
استمرت المفاوضات إلى أن أعلنت الولايات المتحدة سحب حصتها من القرض في خطاب ملؤه الغطرسة والادّعاءات الكاذبة وذلك بتاريخ 19/07/1956 وتبعتها بريطانيا وكذلك البنك الدولي. كان في وسع عبد الناصر هنا أن يعيد حساباته ويتراجع، فلقد اكتسب عداوة الولايات المتحدة ومن ورائها الغرب بأكمله وهي أقوى دولة في العالم وكذلك الكيان الصهيوني وهو الأقوى في المنطقة، ولكنه لم يفعل، إذ إنه بعد أسبوع من سحب القرض أمّم قناة السويس في خطاب تاريخي في 26/07/1956 وكانت المفاجأة الضخمة التي قلبت المقاييس في العالم أجمع، فلم يكن أحد يتصوّر أنّ بإمكان دولة في العالم الثالث أن تُقدم على تحدّي هذا الغرب بكامله وخاصة مالكي قناة السويس أي فرنسا وبريطانيا المدعومتين من الغرب كله. فعل ذلك عبد الناصر فوحّد الشعب العربي في جميع أقطاره وأعطى دعماً قوياً لحركات التحرر في العالم أجمع وخاصة في أفريقيا.
أكتفي بهذا القدر في هذه المقالة على أن تتبعها أخرى في وقت قريب، وأنا أنتمي إلى الجيل الذي رافق هذه الأحداث جميعاً، وأوجز بتجربتين شخصيتين عشتهما في تلك الفترة:
الأولى: كنت جالساً مع صديقين أحدهما شيوعي والآخر إسلامي، وأنا قومي عربي وثلاثتنا في العشرينات من العمر. كنا بانتظار خطاب عبد الناصر في 26/07/1956، وكعادتنا كنا على خلاف في الرأي إلى أن أعلن المذيع في القاهرة (التلفزيون لم يكن قد وصل إلى الدول العربية بما فيها مصر) الانتقال إلى ميدان المنشية في الاسكندرية حيث سيلقي عبد الناصر خطابه. أصغينا إلى الخطاب حتى وصل إلى إعلانه تأميم قناة السويس. ساد صمت الذهول بيننا لفترة وجيزة ثم قفزنا من مقاعدنا لنتعانق ودموع الفرح تسيل من أعيننا وتوحّدنا في هذه اللحظة التاريخية متناسين خلافاتنا.
الثانية: بعد ذلك بسنوات سافرت وزوجتي إلى الولايات المتحدة وخلال تنقلاتنا زرنا عائلة والدة زوجتي المستقرة في ديترويت منذ أوائل القرن العشرين. كانوا مجموعة كبيرة يلتقون مرة في العام وحضرنا تلك المناسبة. اقترب مني أحدهم وقد كان قد أصبح سيناتوراً في مجلس نواب الولاية وفي الحديث قال لي: «أتعرف أننا كنا معروفين هنا بـ«تيركو» Turco. ولم نفصح عن هويتنا العربية إلا بعد أن أمم عبد الناصر قناة السويس في مصر».
* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا