تقديم وتعريب سعيد محمد


أندريه فلتشيك (1963 - 2020)، المناضل الأممي والصحافي الاستقصائي والمؤرّخ وصانع الأفلام والروائي، كان دائماً صوتاً عالياً ضدّ الإمبرياليّة الغربية، ووثّق بقلمه وعدسته جرائمها حول العالم من البيرو إلى إندونيسيا وما بينهما، ونشر كتباً مرجعيّة عدّة لا غنى عنها لفهم طرائق عمل الإمبرياليّة الأميركية، ومنها «الكشف عن أكاذيب الإمبراطوريّة» - 2015، «الكفاح ضد الإمبرياليّة الغربية» - 2014، «إندونيسيا: أرخبيل الخوف» - 2012، «أوشينيا: الإمبرياليّة الجديدة والقنابل النووية والعظام» - 2013، إضافة إلى «المنفى» - 2006، وفيه مقابلات مع منفيين سياسيين من بلادهم و«بشأن الإرهاب الغربي من هيروشيما إلى حروب الدرونات» - 2013، وهو مناقشة معمّقة حول الجبروت الغربي والبروباغاندا مع نعوم تشومسكي. كما أنتج وثائقيّات عدّة عن مذابح إندونيسيا 1965- 1966، و«تشيلي بين زلزالين»، ومأساة اللاجئين الصوماليين المستمرّة منذ عقدين في أكبر مخيّم لهم شمال كينيا، وكذلك فيلماً عن مذابح رواندا يناقض الرواية الرسميّة عن مجريات الأحداث هناك. وقد توفي الشهر الماضي، في ظروف مريبة وغامضة، بينما كان في تركيا يجمع مادة لكتاب يعدّه عن قضيّة «الأيغور» في الصين. ولم تعلن السلطات هناك، حتى الآن، أيّة نتائج رسميّة للتحقيق الجنائي الذي تجريه. نُشرت هذه المقالة بالإنكليزيّة على موقع globalreserch.ca، وتنشرها «الأخبار» معرَّبة بإذنٍ خاص من الموقع المذكور.

منذ بعض الوقت، كنت أحذّر العالم من أنّ الغرب - والولايات المتحدة على وجه الخصوص - يساعد في دفع أقليّة الأيغور في مقاطعة شينجيانغ الصينيّة وخارجها إلى درب التطرّف. وقد رسمت بوضوح خريطة لحركة المتطرّفين الأيغور، عبر بعض البلدان مثل إندونيسيا نحو تركيا، حيث يتمّ شحنهم بعد ذلك إلى مناطق الحرب في شمالي سوريا. وقد ذهبت إلى منطقة إدلب، والتقيت مع القادة المحليين هناك، وتحدثت مطوّلاً مع النازحين السوريين ضحايا هجمات الإبادة الجماعية التي ينفذها الأيغور ضدّهم.
غالبية الأيغور هم من المسلمين، موطنهم إقليم شينجيانغ شمال غرب الصين، ولديهم ثقافتهم المتميّزة والعريقة، ومعظمهم - بالطبع - بشر لطيفون ومحترمون جداً. «مسألة الإيغور»، ببساطة، هي أنّ أورومتشي عاصمة شينجيانغ، تقع على الفرع الرئيسي لمبادرة الحزام وطريق الحرير الجديد - وهو مشروع بنية تحتية عملاق لتواصل اقتصادي وثقافي دولي متفائل للغاية يمكّن من ربط مليارات الناس من جميع القارّات على نحو سيكون من شأنه أن يُخرج مئات ملايين البشر من الفقر والتخلّف.
تشعر واشنطن بقلق شديد من أن تأخذ الصين زمام المبادرة في بناء مستقبل أكثر إشراقاً للبشرية، لأنّ نجاح مشروع طريق الحرير قد يكون بداية النهاية للإمبريالية الغربية والاستعمار الجديد، الأمر الذي سيؤدي إلى تحسين شروط الحرية والاستقلال الحقيقيين لدول عديدة، تنوء تحت جبروت الإمبراطوريّة الأميركية.
لذلك، كان لا بدّ للإمبراطورية من أن تتحرّك للحفاظ على الوضع الراهن، وتمديد هيمنتها على العالم بتبنّي سياسات استعداء وتهديد واستفزاز للصين، وتشويه سمعتها بكل الوسائل، وإثارة المصاعب السياسية والأمنيّة لها في أماكن عدّة في وقت واحد: هونغ كونغ، تايوان، بحر الصين الجنوبي، وبالطبع «مسألة الإيغور» أيضاً، حيث تعمل الولايات المتحدة باجتهاد على تحويل جزء من الأقلية القومية الصينية المعترف بها دستورياً - الأيغور - إلى «مجموعة أشقياء»، أو بعبارة أدق، إلى إرهابيين إسلاميين متطرّفين.
وقد قدمت تركيا، الدولة العضو في «حلف شمال الأطلسي»، يد العون الأكبر للولايات المتحدة في هذا الاتجاه. إذ يتمّ نقل الأيغور مع عائلاتهم إلى اسطنبول بجوازات سفر تركية من خلال مراكز تجنيد واستقطاب عدّة في جنوب شرق آسيا. ولدى وصولهم إلى إسطنبول، تسحب منهم تلك الجوازات، ويتم تجنيد عديدين ممّن هم في سنّ القتال وإخضاعهم لتدريب عسكري وعقائدي، ومن ثمّ نقلهم جنوباً إلى سوريا التي مزّقتها الحرب، فيما تبقى مجموعات أصغر منهم في أماكن مثل إندونيسيا وغيرها لتنضمّ إلى التنظيمات الجهادية هناك. وعندما هُزمت الجماعات الإرهابية في سوريا بشكل كامل تقريباً، تمّ نقل بعض هؤلاء الأيغور إلى أفغانستان، وفق تحقيقات أجريتُها بنفسي هناك حيث أعدّ لكتاب عن قضيّة الإيغور. وغنيّ عن القول إنّ أفغانستان لديها حدود قصيرة، ولكنّها مهمّة مع الصين.
ولكن لماذا كلّ هذه العملية المعقّدة؟ الجواب بسيط: يأمل «حلف شمال الأطلسي» / واشنطن / الغرب، في أن يعود المقاتلون الجهاديون الأيغور المدرّبون تدريباً عسكريّاً متقدّماً، إلى ديارهم شينجيانغ في نهاية المطاف. وهناك، سوف يبدأون في الكفاح من أجل «الاستقلال»، وبينما يفعلون ذلك، فإنهم ضمنيّاً سيخرّبون مشروع طريق الحرير. وبهذه الطريقة، تُصاب الصين في مقتل، وتتعطّل أقوى مبادراتها الاقتصادية - الثقافيّة.

إنّ الغرض الحقيقي من العبث بموضوع الإيغور هو سعي الولايات المتحدة الشرس للاستفراد بالهيمنة


وبطبيعة الحال، تشعر الحكومة الصينية بالقلق الشديد، إذ من الواضح أنّ الغرب قد أعدّ لها فخّاً محكماً: فإذا لم تفعل الصين شيئاً، ستنتهي إلى مواجهة تهديد إرهابي عسكريّ خطير للغاية داخل حدودها - تذكّروا أنّ الاتحاد السوفياتي جُرّ إلى أفغانستان، وتعرّض لخسائر فادحة على يد «المجاهدين» المدرّبين والممولين والمسلّحين والمدعومين من الغرب، الذي له تاريخ طويل عريض في توظيف الإسلام لتصاميمه المكيافيلية. في المقابل، إذا قامت الصين بشيء وقائيّ لحماية نفسها، فستتعرّض للهجوم من قبل الدول الغربيّة ومنظومة البروبوغاندا الهائلة التي تملكها. وهذا بالضبط ما يحدث الآن. كلّ شيء جاهز، ومعدّ بعناية.
في 12 أيلول/ سبتمبر 2019، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي قانون سياسة حقوق الإيغور الذي يدعو إلى فرض عقوبات على المسؤولين الصينيين بشأن معسكرات شينجيانغ، إضافة إلى طرح مشروع قانون يحثّ إدارة الرئيس ترامب على حظر تصدير السلع والخدمات لوكلاء الدولة الصينيّة في مناطق الإيغور، فيما وصفته بكين بـ«تدخّل متمادٍ في الشؤون الداخلية للصين». ولعلّ أقلّ ما يقال في ما يسمى بقانون الحقوق هذا، إنّه ممارسة مخجلة في النفاق والترهيب.
دعونا لا ننسى أنّ الولايات المتحدة تعامل المسلمين بضغينة مطلقة. بل وتمنعهم من دخول البلاد إذا تصادف أنهم ينحدرون من دول معيّنة، وهي تقصفهم بصورة تعسفية في باكستان وأفغانستان وأماكن أخرى، وتنفّذ عمليات القتل المستهدف ضدّهم، من دون أن تقلق بشأن الخسائر في أرواح المدنيين، وتقوم بتعذيب المعتقلين المسلمين وتذلّهم حتى في بلدانهم.
والحقيقة أنّ واشنطن، ومن خلال محاولة تفجير تمرّد أقليّة الأيغور في الصين، فإنّها تُلحق ضرراً كبيراً بالأيغوريين أنفسهم قبل غيرهم، ولجميع سكان شمال غرب الصين. تلك ليست خطيئة سياسيّة فحسب، بل إنّ الولايات المتحدة ترتكب جريمة تامّة ضد الإنسانية.
الصين بلد متعدّد الأعراق والثقافات، والثقافة الإسلامية هي جزء من هوية جمهورية الصين الشعبية. وأقترح دائماً على من يحاججني في ذلك، أن يقصد شيان (مدينة السلام الأبديّ)، إحدى العواصم الثلاث القديمة في الصين. شيان كانت المنطقة التي انطلق منها طريق الحرير العظيم القديم، وهي حتى الآن تفخر بآثارها الإسلامية الهائلة، وكذلك بالأطعمة والموسيقى الإسلامية الرائعة، وفي كلّ عام، يزورها عشرات الملايين من الزوّار الصينيين لفهم إرثها العبقري، والتمتّع بثقافتها. المدينة محبوبة ومُقدّرة بين جميع الصينيين، وذلك أساساً بسبب هويتها الإسلامية النابضة بالحياة.
ولذا فإنه هراء شامل وصف الصين بأنّها «معادية للمسلمين». وللمفارقة، فإنّ الصين (وروسيا) أكثر تسامحاً بما لا يقاس تجاه الإسلام من الغرب تاريخياً، وحالياً.
وأفظع من ذلك الهراء، الادعاء بأنّ الصين تبني «معسكرات اعتقال» في شينجيانغ. وموقف الصين واضح لتلك الناحية: ما يصفه الغرب بالمخيّمات، هو «مراكز للإعداد المهني» حيث يمكن لـ«المتدرّبين» تعلّم اللغة الصينية، واكتساب مهارات العمل للانخراط في الاقتصاد الصيني وتجنيبهم الوقوع ضحايا لدعوات «الإرهاب والتطرّف الديني». وأخيراً، قابل زميل لي مجموعة من القادة الإندونيسيين المسلمين الذين تمكّنوا من الوصول إلى ما يسمى بـ«المخيّمات» في شينجيانغ، وأخبروه أنّ الأشخاص الذين يقضون بعض الوقت في هذه المؤسّسات يمكنهم فعلاً النوم في منازلهم ليلاً. أي بالكاد خليج غوانتانامو، بصراحة.
و«القاضي» الذي نصّب نفسه بنفسه ليحاكم الصين - أي الولايات المتحدة - لديه المئات من السجون ذات أبراج الحراسة العالية، المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. ومن المعروف جيّداً أنّ إلقاء الناس في السجون هي صناعة مكتملة الأركان ومربحة للقطاع الخاص هناك، منذ عقود طويلة. الملايين من الأميركيين - وغيرهم - معتقلون بتهم تافهة. كيف يمكن لبلد لديه أكبر عدد من السجناء في العالم مقارنة بعدد السكّان أن يجرؤ على وعظ الآخرين بشأن العدالة؟ يا له من لغز عظيم.
إنّ الغرض الحقيقي من العبث بموضوع الإيغور هو سعي الولايات المتحدة الشرس للاستفراد بالهيمنة، وتجنّب تقاسم النفوذ في العالم مع بلدان أخرى أكثر إنسانية مثل الصين، وانعدام رغبتها في خوض مواجهة التنافس السلمي على أساس الأفكار العظيمة وحسن النية تجاه البشر. وكلّما أصبحت السياسة الخارجية الأميركية أكثر عدمية، كلّما اتهمت الآخرين بـ«ارتكاب القتل» عبر ابتداع نزاع دموي في البلد المستهدف، وفور شروع حكومة ذلك البلد بحلّ النزاع و«إطفاء النار» الأميركية لاستعادة الأمن، تكون الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان معدّة، وما تلبث تلحقها العقوبات.
إنّ سياسات واشنطن تفضي بملايين الأرواح البشرية إلى العذاب والألم، وكلّ هذا يجب أن يتوقّف بشكل ما، وعاجلاً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا