ليس جديداً علينا الاحتفال بالهزائم وذكراها. إنّ أكبر صفقة تزييف في الثقافة العربية المعاصرة، هي الاحتفال السنوي بـ«حرب أكتوبر»، التي ــــــ وإن بدأت أيّامها الأولى بانتصارات عربية ــــــ انتهت بهزيمة للجيشَين (النظامَين، بالأحرى) المصري والسوري. وفكرة أنّ تلك الحرب كانت انتصاراً للعرب، بالرغم من وجود خرائط ومعلومات عن خواتيم تلك الحرب في الكتب وعلى المواقع، متأصّلة في الوعي العربي المعاصر، ولسبب خبيث: لتسويغ التحوّل نحو الصلح المنفرد، ومن أجل منح النظامَين شرعيّة سياسية. وهذه السنة، رأينا في لبنان احتفالات صاخبة وغنائيّة بذكرى فشل الانتفاضة اللبنانية (تبادل بعض الشباب التهاني بـ١٧ تشرين الأول/ أكتوبر، على طريقة تبادل التهاني هنا بـ٤ تموز/ يوليو في عيد الاستقلال الأميركي). الطريف أنّ الجناح الثاو الثاوي في الحراك، لا يجِد ما يحتفل به أو ينوّه به غير سقوط حكومة سعد الحريري، فيما يرحِّب هؤلاء بعودة الحريري، اليوم، إلى السلطة (قارِن ردّة فعل الشباب الثاو الثاوي على تسمية حسان دياب بردّة فعله على تسمية الحريري). مِن المشكوك فيه أن يكون أيٌّ من الانتفاضات العربية قد حقّق نجاحات: من الأكيد أنّ أيّاً منها لم يكن ثورة. لكنّ الحالة اللبنانية من الانتفاضات كانت أضعفها، لأنّ الطبقة الحاكمة بقيَت كما هي ولم تتغيّر، حتى في الوجوه أو الطواقم. في تونس، غيّروا وجوهاً كي يقتنع الناس (زوراً) بأنّ شيئاً ما قد تغيّر. الذي تغيّر في لبنان، هو وجود مجموعات شبابيّة لا تخجل من عقد مقارنات (على شاشة «إل.بي.سي»، لصاحبها بيار الضاهر، الذي يصفه بول عنداري بأنّه كان ضابط الارتباط بين القوات اللبنانية في الجبل، وبين قوّات الاحتلال الإسرائيلي) بين الثورة الفرنسية والروسية وبين «الثورة اللبنانية».

لا يخال المرء أنّ هناك علاقة بين الانتفاضة السودانية والانتفاضة اللبنانية. قد يبدو الشعب السوداني بعيداً عن لبنان، وهو لا يزال (بحكم لون البشرة) هدفاً للعنصرية اللبنانية التقليدية، التي لا تستثني «الفول السوداني» من التسمية العنصرية. لكنّ ما حدث في السودان، هو أبلغ درس للبنان ولكلّ الانتفاضات العربية: الحكومة الأميركية تبتزّ الشعب السوداني في العلن، وتنذره بأنّها ستحاربه وتجوّعه لو أنه لم يرضخ للتطبيع مع العدو، ثمّ منحته مهلة ٢٤ ساعة كي يتسنّى لدونالد ترامب استغلال الحدث، قبل موعد الانتخابات النيابية. ترامب ألزم شعب السودان بدفع مبلغ ٣٣٥ مليون دولار لعائلات ضحايا تفجيرات بن لادن (في الفترة التي كان مقيماً فيها في السودان)، كأنّ الشعب السوداني كان ضالعاً في مؤامرات بن لادن. وتلقّت السودان وعوداً بالمنّ والسلوى (تماماً كما تلقّت تلك الوعود مصر في عهد السادات، وهي لا تزال تعاني من الفقر والعوَز والتخلّف التنموي، وتماماً كما يُسوِّق لنا اليوم دعاة مفاوضات الناقورة، ومن ضمن المخطّط الأميركي نفسه، وعود عن أنهار يجري فيها النفط والغاز). الربط بين لبنان والسودان، هو للتذكير بوقع المؤامرة الأميركية ـــــــ الإسرائيلية ـــــــ الخليجية في كلّ الدول العربية، لفرض التطبيع ولمعاقبة أيّ موقف مناهض لإسرائيل، خصوصاً إذا ترافق مع وجود مقاومة مسلّحة ضدّ العدو الإسرائيلي. وبحسب المحلّل العسكري في «يديعوت أحرنوت»، فإنّ ضبّاطاً إسرائيليّين أجمعوا على أنّ حزب الله يشكّل الخطر الأكبر على إسرائيل. لو كنّا نعيش في زمن سابق، لشهِدَ لبنان تظاهرات احتفالية لأنّ لبنان بات اليوم يُشكِّل أكبر خطر على دولة الاحتلال. من توقّع هذا؟ حتماً ليس شارل حلو وجماعة قوّة لبنان في ضعفه وهوانه. هذا ليس بالأمر العابر. لبنان الذي كان منذ استقلاله (الشكلي) عنصر طمأنة وسندٍ لإسرائيل، والذي جعلته عقيدة فؤاد شهاب العسكرية حليفاً غير مُعلن في الحروب العربية ـــــــ الإسرائيلية المتوالية، بات يقضّ مضاجع العدو المحتمي بترسانة نووية.
لوجود مقاومة مسلّحة وفاعلة في لبنان ثمنٌ وثمارُ. الثمار أنّ إسرائيل، للمرّة الأولى، تتمنّع عن قصف لبنان بالطائرات والمدفعية وعن التوغّل الدوري في أراضيه. والذي يمنعها ليس قائد جيش لبنان، جوزيف عون (وهو مشغول أصلاً برصد شوالات البطاطا على الحدود الشرقية وفق أوامر أميركية وبريطانية صارمة)، وليس قوى صبّ الشاي في الأمن الداخلي. شعب الجنوب لم ينعم من قبل في تاريخه بالهدوء والسكينة التي ينعم بها، منذ عام ٢٠٠٠، بالرغم من حرب تموز، التي طُرِدَ فيها العدو شرّ طردة من لبنان. لكن هناك ثمنٌ باهظٌ: لا تريد الحكومة الأميركية أن تكون هناك أية قوة عسكرية على حدود فلسطين تشكّل تهديداً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكليّة. جرى استبعاد الجيش المصري بالكامل في كامب ديفيد، وتمّ تدمير الجيش العراقي عن بكرة أبيه، والجيش السوري أهمل الجولان من حرب ١٩٧٣، بينما كرّس حافظ الأسد عقيدة «البعث» السوري في أنّ مصلحة بقاء النظام تعلو على السيادة الوطنية، وعلى تحرير الأرض المحتلّة.
أحاول جاهداً، منذ اندلاع الانتفاضة، أن أقنع أصدقاء خلّصاً بأنّ المؤامرة الأميركية تلعب دوراً كبيراً في لبنان، وإن أخفاها الإصرار من كلّ عناصر الحراك ــــــ من دون استثناء ــــــ على تجاهل السياسة الخارجية، باستثناء تلك القوى التي ترى ضرورة ماسّة لطمأنة إسرائيل عبر الإصرار على نزع سلاح المقاومة. الزيارات المتوالية لهيل وشينكر، تترافق مع زيادة واضحة في الإنفاق الأميركي على البروباغندا في لبنان. قد يكون الإنفاق الأميركي في هذا المجال أكبر من إنفاق السنوات التي تلت اغتيال الحريري. في أميركا، يقولون إنّ أصابع البروباغندا السياسية تظهر في إعلانات برامج الحديث السياسي يوم الأحد. وبالفعل، تتزاحم شركات صنع السلاح وشركات الأدوية لشراء مساحة إعلانية، لأنّ تلك البرامج مُشاهَدة من النخبة السياسية في العاصمة. لكن لم تعد محطّة «الحرّة» هي الوحيدة التي تضخّ البروباغندا الحكومية الرسمية في عالمنا العربي. الحكومة الأميركية، تبتاع مساحات في كلّ المحطّات المحلية في العالم العربي، وعليكَ ألّا تلاحظ ذلك لأنّك لو لاحظتَ فإنّك من أنصار نظرية المؤامرة والإيمان بها ليس دليل تطوّر أو رقي ــــــ بحسب معايير ثقافة النفط والغاز. يكفي أن تلاحظ آثار الدفق المالي الأميركي على المحطّات «الثوريّة» الثلاث في لبنان. تكون تشاهد نشرة الأخبار، وإذ يظهر أمامك ديفيد هيل وهو يقرأ بياناً يُذاع بالكامل، من دون مقاطعة أو تعليق. باتت أميركا تحظى في إعلام لبنان، بما كان يحظى به صدّام في إعلامه. لكن الأصرح في ضخّ البروباغندا هو برنامج ألبرت كوستانيان على محطة «إل.بي.سي». هو لا يكتفي بمضمون دعائي أميركي (رسمي؟، ولماذا يقف متأهّباً عندما يقابل مسؤولاً أميركيّاً؟ هل هذه المناقبيّة الكتائبيّة التي سمعنا عنها)، بل إنّ المضمون الإعلاني لبرنامجه يشي برعاية تجاريّة له. في الأسبوع الماضي، بعد أوّل فقرة، بثّ تقريراً حكوميّاً رسميّاً عن نشاطات وأعمال الخير والإحسان والحنان للوكالة الأميركية للتنمية. وتلاها شريط بروباغندا (محلّي؟) لمجموعة اسمها «أنا القرار» وفيها تقريع وشتائم (من نوع أنتم عملاء) لأعداء إسرائيل في لبنان، ودعوة لتسوية الأمور مع «الجيران»، بالحرف ــــــ وهم طبعاً يستثنون سوريا من الجيرة. كوستانيان قرَّع دولة لبنان، لأنّها «راوغت وماطلت» لعشر سنوات، ولم تقدِّم للعدو الإسرائيلي ما طالبها به. هذه هي أجواء لبنان هذه الأيام. يُضلّل من يرى أنّ لبنان لا يتماشى مع وتيرة التطبيع، وإن على لحن مختلف. تساءل ميشال عون، في يوم خطابه قبل أيام، عن جدوى عزلة لبنان عن التغييرات العربية، كأنّه بذلك يخوِّف اللبنانيّين من عواقب معاندة التطبيع.
عام واحد على انتفاضة تأمّلَ فيها الخير كثيرون وكثيرات. تغيّرت أشياء. نبتت وفرّخت تنظيمات وحركات وفصائل، وكبر حجم فريق ١٤ آذار من دون إعلان ذلك. معظم الحراك ينضوي عقائديّاً في فريق ١٤ آذار، فيما هناك تنظيمات ثاو ثاويّة تختلف مع ١٤ آذار، فقط لأنّه لم يتطرّف يمينيّاً ورجعيّةً بما فيه الكفاية، ولأنّه لم يعادِ حزب الله وسلاح المقاومة، بما فيه الكفاية. أي إنّ الجناح الثاو الثاوي نبتَ على الضفّة اليمينيّة لـ١٤ آذار. ١٤ آذار لم تمت، فيما زحفت قوى في ٨ آذار نحو ١٤ آذار، من دون إعلانٍ أو طنطنة. تشكَّل نسقٌ من اندماج بين قوى الحراك و١٤ آذار، بحيث أصبح حزب «الكتائب» وميشال معوّض وصفّ إعلاميّي بيت الحريري المصروفين، في طليعة قوى الثورة. وسارع حزب «القوات» إلى التكيُّف مع الانتفاضة بذكاء منذ البداية، فيما أصرّ حزب الله على الظهور بمظهر الحامي الوحيد للنظام، مع أنّ النظام محميّ داخليّاً وعالميّاً من قوى متعدّدة أبرزها دول الغرب. وقع حزب الله في الفخّ نفسه، الذي وقع فيه في عام ٢٠٠٥، عندما دخل (أو أُدخلَ بتشجيع من نجيب ميقاتي الذي لم يعُد دوره في تلك المرحلة خافياً وبالاتفاق مع تيري رود لارسن وجيفري فيلتمان) إلى الحكم.
فشلت قوى الحراك في الانصهار أو الاتفاق أو العمل داخل جبهة أو ائتلاف. ولا يمرّ أسبوع من دون الإعلان التحضيري عن قرب ظهور جبهة أو حركة جديدة تجمع الثوار، ثمّ يمرّ الوقت ولا يحدث الإعلان. هناك محاولات للتنسيق لم تنجح. وعندما تقرأ البيانات التي تضم أسماء ومجموعات تظنّ أننا نتحدّث عن جماهير مليونيّة، فيما بعض التنظيمات تضمّ الأخ وفرداً آخر من العائلة، وهناك تنظيمات لا توجد إلّا على الورق، تعبيراً عن رغبات قوى داخلية أو خارجية. وهناك منظّمة جديدة تتحدّث باسم المودعين، وتظهر في صور باسمة مع رياض سلامة، حامي مال المودعين من الأذى. وهناك تنظيمات صغيرة تكاد تصف نفسها بقوى طمأنة الاحتلال الإسرائيلي.
قد تكون «حركة مواطنون ومواطنات في دولة» الوحيدة بين قوى الحراك التي أصدرت تصوّراً واضحاً عن واقع الاقتصاد اللبناني، فيما قصّرت الأحزاب والتنظيمات الشيوعية، على مرّ العقود، في وضع تصوُّر مماثل. أدبيّات الأحزاب الشيوعية اللبنانية في هذا المجال، لم تكن أكثر من نقل شبه كامل لترجمات «دار التقدّم» الرديئة من التراث الماركسي. كتاب شربل نحّاس الأخير، «اقتصاد ودولة للبنان»، يتضمّن شرحاً وافياً للأزمة الاقتصادية الحالية ويقدِّم حلولاً بعيدة المدى لها. وهنا مكمن القصور: الحركة تطلب (هل بالتنسيق مع حليفها الجديد، «الكتلة الوطنيّة» اليمينية التي طالبها رئيسها الجديد، روبير فاضل، بالمزيد من العقوبات الأميركية على لبنان؟) تسلُّم السلطة بصلاحيّة استثنائيّة (المطالبة بتسلُّم السلطة بصلاحيّات استثنائيّة يذكّر بطلب رفيق الحريري من حافظ الأسد في هذا المجال ـــــــ والحريري كان من دعاة سوريا، ثم لبنان أولاً) لكنّها لا تطرح حلولاً أو برنامجاً قصير المدى. المطالبة بجردة لا تكفي. لكنّ الكتاب يطرح، للمرّة الأولى، الأبعاد المختلفة لواقع وجود اللاجئين السوريّين في لبنان ولضرورة التعامل معه بتكامل اقتصادي بين البلدَيْن. قد تنفر قوى في الحراك من ذلك. لكن مثله مثل معظم تنظيمات الحراك، يعاني الكتاب من غياب التعاطي مع السياسة الخارجية، ومع الخطر الإسرائيلي. يمرّ خبر تفجير إسرائيل لطائرات مدنيّة لبنانية، في عام ١٩٦٨، في الكتاب، في قسمٍ عن النقل في لبنان، كأنّ هناك قطاعاً في لبنان لا يتهدّد من قِبل إسرائيل؟ كيف يمكن وضع برنامج اقتصادي من دون إقرانه بتصوُّرٍ عن طريقة التعاطي مع الخطر الإسرائيلي؟ كان لبنان يستعين بالسفير الأميركي في عهد شارل حلو، لاستجداء إسرائيل لعدم قصف منشآت مائيّة في لبنان.

هناك دلائل على أنّ قدرة الحكومة الأميركية على الضغط على لبنان ازدادت كثيراً في السنة الأخيرة


لكن هناك دلائل على أنّ قدرة الحكومة الأميركية على الضغط على لبنان، ازدادت كثيراً في السنة الأخيرة. انسحب النظام السعودي من لبنان (باستثناء استمرار تمويل أعمال التخريب الدعائي والسرّي)، كما انسحبت منه أنظمة الخليج (طبعاً، هذا الانسحاب لم يؤثّر على إغداق كلّ الطاقم السياسي اللبناني ـــــ من ٨ إلى ١٤ آذار ــــــ المدائح على أنظمة الخليج وعلى هذا الأمير عندما يموت، أو ذاك). باتت الحكومة الأميركية تحتكر الوصاية على لبنان، وهي أدخلت ما شاءت من تعديلات على مبادرة إيمانويل ماكرون. في غضون أسبوع، بعد تدخّل ديفيد شينكر، تغيّر مشروع ماكرون من تشكيل حكومة وحدة وطنيّة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط سنيوريّة (والطريف، أن ماكرون طلب من الشعب اللبناني ألا يلاحظ التغيُّر الجذري في هذا الجانب من مشروعه الممدّد للبنان). وحكومة حسان دياب أثبتت أنّ النفوذ الأميركي لم يعُد مرتبطاً بفريق واحد في لبنان. ضغطت أميركا على قوى ٨ آذار من أجل تسهيل عمليّة تهريب المجرم عامر الفاخوري (لا يمكن لقوى ٨ آذار أن ترمي هذه العمليّة المشينة على عتبة ١٤ آذار، لأنّها لم تكن في الحكم). كان واضحاً أنّ تعاوناً من قبل حركة «أمل» و«التيار الوطني الحر»، هو الذي سمح بتهريب المجرم، مع سكوت غير مألوف من قبل الحزب الذي أعلن عجزه عن منع ما حصل. وكان هذا التهريب، من المتوقّع أن يزيد من شهيّة الإدارة الأميركية في تحقيق المزيد من التنازلات اللبنانية قبل الانتخابات.
وإعلان العقوبات على علي حسن خليل وعلى يوسف فنيانوس لم يكن إلّا تكريساً للوصاية الأميركية المباشرة على لبنان، ولرضوخ ٨ آذار لهذه الوصاية. بيان حركة «أمل» (عن العقوبات الأميركية) كان جدّ ضعيف في الدفاع، وتطرّق فجأة إلى اتّفاق الحدود، كأنّ مبادلة كانت تجري من وراء الستار، وردّ المردة لم يتعدّ الجملة الواحدة. وتزامن كلّ ذلك مع سكوت معظم فريق ٨ آذار ــــــ إن لم نقل كلّه باستثناء حزب الله ــــــ عن حملات التطبيع الخليجية الصفيقة. فجأة، تبخّرت المسافة بين ٨ و١٤ آذار، وهذا من نتائج السيطرة الكلّية التي باتت تفرضها الحكومة الأميركية على الواقع السياسي اللبناني. باتت الطبقة الحاكمة تقبض أنفاسها، وهي تتساءل عمّا إذا كان ديفيد شينكر (نسينا أنه خرّيج مؤسّسة واشنطن، أي الذراع الفكرية للوبي الإسرائيلي في واشنطن؟) سيزور هذا الزعيم أم ذاك، وإذا كانت العقوبات ستطال هذا الفاسد وذرّيته أم ذاك (وطبعاً، ليس هناك ما يخشاه فاسدو لبنان لأنّ مصالح الثراء تتماشى مع السياسة الأميركية). وشينكر، يدلي بتصريحٍ ضدّ الفساد في المساء، ثم يتناول طعام الغذاء في اليوم التالي عند وليد جنبلاط، قبل أن يتناول الشاي بعد الظهر مع نبيه برّي. ومحاولة تصوير ترسيم الحدود على أنّه جانب تقنيّ منفصل عن السياق السياسي العام، كانت فاشلة من بيان أمل ــــــ حزب الله، الذي جعل عضويّة الوفد هي المسألة الحساسة لا المسار التفاوضي كلّه. كلّ هذا الجو العام كان من بعض إفرازات الانتفاضة التي تلاقت فيها أجنحة الثاو الثاو مع مصلحة الطبقة الحاكمة، ومع ما يُدار من حربٍ إقليميّة ضد الداخل.
إبرهيم الحميدي، وصحف محمد بن سلمان، تزهو بطوابير الخبز والمحروقات في سوريا بسبب العقوبات الأميركية، ومايك بومبيو هذا الأسبوع، يزهو بأن تجارة النفط الفنزويلي باتت محصورة بالتبادل مع الذهب الإيراني. وهناك مَن يريد أن يصدّق أنّ المعاناة وشحّ الدولار، هما حدثٌ داخلي لا شأن للخارج فيه. وعندما تذكّر بالمؤامرة الأميركية ـــــــ الإسرائيلية ـــــــ الخليجية (والحلف بين الأطراف الثلاثة خرج إلى العلن، بعدما كان هناك من يهزأ بالذي يتحدّث عن هذا الحلف) يتنطّح من يتّهمك بأنّك تنفي مسؤوليّة الفساد اللبناني. لكنّ الفساد اللبناني لم يكن يوماً مقطوع الجذور مع الخارج. لم يُرسِ رفيق الحريري دعائم الاقتصاد الفاسد، من دون رعاية ودعم من دول الغرب والخليج والنظام السوري.
لقد فشلت الانتفاضة اللبنانية فشلاً ذريعاً (ويجب الاعتراف بذلك، وكلّ حديث عن «ثورة» وعن «ثوّار» يمكن أن يفيد في تسالي الهزل على مواقع التواصل). لم يُخدش حكم الطبقة الحاكمة التي تتمتّع برعاية خارجية (وحدها أمينة صندوق بلديّة حمّانا هي التي لا تتمتّع برقابة خارجية، ولهذا لم يجد القاضي علي إبراهيم أيّ حرج في ملاحقتها ومقاضاتها). والتنظيمات العديدة المتشعّبة التي تنطق باسم الحراك (حتى أنّ هناك تنظيمات تنطق باسم ضحايا تفجيرات المرفأ كأنّ التلاعب بمعاناة وآلام الضحايا بات جائزاً في الاستغلال السياسي)، تتجنّب حتميّة الربط بين شعار التغيير والسياسة الخارجية للبنان. هناك سكوت من جميع قوى الحراك (باستثناء تلك التي تجاهر بهدف وحيد هو نزع سلاح مقاومة إسرائيل) عن العلاقة العضويّة بين الإدارة الأميركية والقطاع المالي ــــــ المصرفي، ومعظم الطبقة الحاكمة. وعملُ الحراك كان محكوماً بضوابط ضيّقة من منظمات «إن.جي.أوز» التي باتت تشكِّل ضابط الإيقاع لخطاب النخبة في كلّ العواصم العربيّة. هي التي قرّرت في لبنان أنّ زجاج المصارف ينزف دماً، وأنّ أذيّتها من الموانع، وهي التي قرّرت في تونس أنّ وعود تجريم التطبيع لا ضرورة لها، وهي التي أفتت في السودان بأنّ الرضوخ لإنذارٍ أميركي هو ضرورة حيويّة. وبقيت حركات الحراك استعراضية، لا تشكّل خطراً على سلامة واستقرار النظام الحالي.
لو كانت هناك جدّية في تغيير النظام، لما رأيتَ هذا التراصّ لمنظّماتٍ تتوافق على ضوابط الخطاب الذي لا يُزعج، لا أنظمة الخليج ولا دول الغرب، ولا حتى رياض سلامة. لبنان لم يكن بلداً ذا مزاجٍ ثوري في تاريخه، وإن احتضن، بفضل وجود المقاومة الفلسطينية، حركاتٍ ثوريّة. الأحزاب الشيوعية كانت تاريخيّاً إصلاحيّة في لبنان. وكما أميركا، المزاج العام في لبنان إصلاحي ومحافظ، وما جرى في لبنان، السنة الماضية، يؤكد ذلك. التغيير الثوري ممكن عبر أقليّة، لكن لم تنطلق أقليّة ثورية بعد، ليس من أثرٍ لوجودها. لم يبقَ من علي شعيب، إلّا شعارات على بعض جدران بيروت.

* كاتب عربي
(حسابه على «تويتر» [email protected])

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا