لا يوجد في النصوص الدينية حصراً مفردات رمزية وصور مباشرة عن جهنّم وفي مقابلها الجنان المعلّقة، بل هناك في عالم الدنيا توجد تعابير كثيرة، أيضاً، تشير إلى واقع الحال من خيرٍ وراحةٍ أو شقاء وأذى، كلّ القصّة بين النصوص في لحظة ولادتها سماوياً حاولت مخاطبة من سيوجد على الأرض أن تنبَّهوا إلى ما تنتجونه من مشاعر ومواقف وما تسجّلونه من أحداث تصنع لكم جهنّمكم أو جنّتكم في عالمكم السفلي، ومع كلّ ما تمرّون به من تجارب عليكم التنبّه أكثر ووعي اللحظات الزمانية التي تدخلون بها إلى الحياة الفعلية، حتى تستفيدوا من كلّ ما يمنعكم من الانزلاق إلى جنّهم والتمسّك بشيء من روائح الجنان حتى تضمنوا الاستمرارية المنشودة.

إنها دورة تدريبية شاءها الله أن تكون سوية وصحّية تدفع بالمرء إلى اتّخاذ الخطوات التي تدفع مسيرته وتحقّق كرامته العليا في إعمال العقل وتحكيم الوعي والضمير. ولكن الإنسان أمعن فيها غفلة واستجداءً لأنانياته المريضة حتى درجة التعدي المفرط على كلّ ما حوله وخلق من عالمه مكاناً مظلماً موحِشاً ومجتمعات تحيا الغربة الفعلية حيث انسلخت الروح الصافية وحلّت مكانها أرواح حجبت الأهواء والنزوات عنها كلّ هواء نقي تتنفّسه وحوّلتها إلى مرتع لشياطين المصالح وخدمة من يتسيّدها، ولو كان من خارج حدودها المكانية وسنخها القومي.
الطريق إلى جهنّم واضحة وضوح المسيرة البشرية، منذ بداياتها الأولى، فكم قاست وعانت ويلات الحروب والنزاعات والخصومات حتى بين الأخ وأخيه مع هابيل وقابيل كرمزَين لروحية لخير والشر، الطريق إلى جهنّم نسلكه كلّ يوم ونتحسّس نارها المحرقة في عيشنا الذي يتناتشه تجار السياسة والدين ومحتكرو القلم والحرف ولقمة الخبز أما الموت فنتذوقه جرّاء ذلك مع كل إشراقة صباح.
إنَّ الدينونة معناها يوم الدين أو الحساب، ودينونة الله لمن يأتون أمام عرشه للعرض والحساب ولكم كم من المرات خاطبَنا الله ويخاطبنا في المسيحية والإسلام عن ضرورة التدبّر والتفكّر والتعقّل ومحاسبة الذات. أليس كل ذلك كافٍ ليكون يوم دينونة وحساب أمام محكمة البشر أنفسهم يعرضون خطاياهم ويعترفون بذنوبهم ويقرّون بآثامهم ويقيمون دولة الحق والعدل، ويثبتون روح المساواة ويبثون سيادة الضمير في ربوع مواطنهم؟!
لا يريد الله أن يتلذّذ ــــــ حاشا لله ــــــ بعرضنا عليه ورمينا في جهنّم، يريدنا من خلال وحيه المقدّس أن نكون عباداً عرفوا جهنّم وخبروها وعرفوا الجنة وخبروها في دنياهم وعلى حجم تجاربهم وخبراتهم ووعيهم واندفعوا بمسوؤلية وحكمة فقالوا كلمة الحق وعملوا عمل الحق وأسسوا لمجتمع العدل، فليس في الإسلام ولا المسيحية سوى العدل وصولاً إلى الله موجِد الغايات وهو الغاية النهائية السرمدية.
يوم الدينونة من أكثر القضايا قدسية لازمت وجدان البشر منذ بداية الوجود. ولكنّه تناسى كل التعبيرات والسلوكيات الدينية التي تعزز تفاعله وفهمه ليوم الدين والقيام لله وحلّ أمام عيني الإنسان الأسلوب النفعي والتبريري في أحيان كثيرة، وبدل أن تكون تجربته الدينية التي تحاكي الخلود وتكدح نحو يوم الدين بفاعلية ومسؤولية كانت لغة التثاقل والإحباط والانغماس شيئاً فشيئاً في عالم المظاهر والحسابات، فباتت البشرية في سجن كبير لا خلاص منه وباتت جهنّم ناراً يومية ولحظوية تنخر في جسد العالم المشظَّى.
أضحى الدين ذا بُعد نفسي فقط، كما عند علماء النفس الدينيين، بمعنى أنه يؤمِّن للإنسان الراحة النفسية والطمأنينة فحسب، شأنه شأن أية لعبة أو خدمة نتسلّى بها وتشبع رغباتنا وأحاسيسنا اللحظوية العابرة ولم نطلقه من عقال محدوديتنا وأمعنّا في اعتقاله في كهوف التاريخ، بدل أن نمسك من خلاله ومن خلال فعلنا الإنساني المبدع أطراف الزمن ونثبت أقدامنا فيه بجدارة عبر رفع كل تشتت وضياع وانغماسات قاتلة.
الزمن لا ميزة له بذاته فهو ظاهرة في نظام كوني أُريد لنا اكتشاف لغته والتناغم معها بإبداع وامتياز، من هنا فإنّ المأساة تكمن في عدم التصالح بين الإنسان وفكره الخلّاق وبين الدين الذي يحضّ على صنع دنيونة وقيامة في الدنيا تكون شاهدة حيّة على وعي بشري راقٍ ومميز سمع خطاب الله بشجاعة وتمثّله بشجاعة وتماشى معه وتماهى بشجاعة.
ما نتوخّاه هو ثورة حقيقية على ذهنية عبادة الشخص والحزب وتقديس الشعارات وتمجيد الطائفة والمذهب بلا أدنى تفكير، لا دخول لجنّة الدنيا ولا جنّة الآخرة وفي صدرك شيء من غلّ أو حسد ورد في كتاب الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر: (47).

يصرف تاجر الدين كما تاجر السياسة أنظار تابعيه إلى السماء وحدها ويقول لهم: غضّوا النظر عن الأرض وما فيها من جهنّم متنقلة هنا وهناك، ضارباً بآمالهم وتمنّياتهم ومصالحهم المشتركة عرض الحائط


فالله يقول لنا إذا كنتُ لا أقبل عملاً من حاقد أو فاسد أو جاهل فجنتي لا تليق به فمعناه أيضاً أنّ دنياي التي خلقتها لا تليق لهؤلاء حتى يعيثوا فيها فساداً ولا تليق لمن يشهد على عذابات الناس وظلمهم والتآمر على مصالحهم وعيشهم الكريم ومنعهم من بناء مجتمع صالح متصالح. ولا تليق بهذا النوع من التبادل المصلحي الذي يحدث بين (تجار الدين والسياسة) وبين المجتمع والدولة، وغالباً ما يكون الدين وحقل السياسة هما سوق هذه المنافع وساحة هذا النوع من التبادلات.
إننا بحاجة إلى حركة طليعية مبدعة من الدعاة والساسة والمثقفين والمفكرين الواعين من أجل تجديد الأساليب والوسائل في عملية تأصيل المفاهيم والقيَم الحقّة من أجل إدخالها في وجدان الإنسان المعاصر الذي هو بحاجة ماسّة إلى تغيير روحيته وذهنيته كمقدّمة لا بد منها لإحداث التغيير المطلوب. إنّ عدو الدين والإنسان هو المتديّن أو الناطق باسم الدين والسياسة اللذان يفسّران الدين والسياسة بحسب وهمهما وخيالهما المرضي الجامح محاولَيْن إقناع الناس بأحقية هذا الدين وهذه السياسة وإلّا شقاء الجحيم في الدنيا قبل الآخرة.
يصرف تاجر الدين كما تاجر السياسة أنظار تابعيه إلى السماء وحدها ويقول لهم: غضّوا النظر عن الأرض وما فيها من جهنّم متنقلة هنا وهناك، ضارباً بآمالهم وتمنّياتهم ومصالحهم المشتركة عرض الحائط. يصوّران لهم الدين والسياسة ذلاً وانكساراً وزهداً في الحياة وملذّاتها وخنوعاً وخضوعاً وتبعية عمياء، فيما يوم الدين في دنيانا فعل إيمان وتعبير حرّ عن حب الإنسان للنظام الذي يحقّق الحرية والرخاء، وحب الحياة واحترام الحقوق. إنه تمثّل بسيط عن نوع من اللامحدودية في معايشة الجمال وتذوق الحق والعدل كتعبير عن تمثل بسيط لمعنى كبير كالنعيم مثلاً أو الجنان إذ لا معنى جديراً بهذه الرموز من دون تجارب وتصوّرات وتذوقات فردية وجماعية لمفاتيح هذه الرموز في عالم الأرض أو الدنيا، تمهيداً لخلاص روحيّ وفكّ للوعي من قيود الفردانية والعصبيات ومحدودية النظرة والتفكر.
من الباحثين من قسَّم معاني «الآخرة» إلى ثلاث زمر:
الزّمرة الأولى: تتعلّق بمعنى «الجنّة»: جنّات عدن، جنّات الفردوس، جنّات المأوى، جنّات النّعيم، جنّة الخلد، جنّة عالية روضات الجنّات.
الزّمرة الثّانية تتعلّق بمعنى «الجحيم»: النار، الهاوية، الشّوى، اللّظى، السموم، الحُطَمَة، الجحيم، جهنّم، السقر، السّعير.
الزَمرة الثَالثة تتعلّق بمعنى «الآخرة»: الآخرة، الساعة، المعاد، اليوم الآخر، يوم البعث، يوم التّلاق، يوم الحساب، يوم الخروج، يوم الخلود، يوم الدين، يوم الفتح، يوم الفصل، يوم القيامة، يوم الشهادة، يوم النشور.
عادة التنويعات القرآنية تتبنّى البنى الثلاث للآخرة، كما تبلورت في العصر القديم، لكنّها تُجري عليها تعديلات خطيرة، يمكننا أن نحصرها ـــــ برأيه ــــــ في ثلاثة:
1. المكان: الجنّة والجحيم (في الأصل العبري)، جهنّم من «جي هنّوم»؛ أي من «وادي هنوم»، أو وادي جهنّم؛ حيث كان اليهود يقدّمون أُضحيات بشريّة للآلهة (سفر أخبار الأيّام الثّاني وسفر إرمياء)، مكانان يتعلّقان بنوعين متنافيين من «المستقبل»، وهذا المستقبل اختياريّ بشكل مرعب.
2. الزمان: الآخرة «يوم» من الأيّام، لكنّه يوم فريد من نوعه؛ لأنّه لا يتكرّر، ولا يمكن أن يرد، بالتالي، أنّ الوعي البشري بالزمان، هو إطار مناسب لاختبار القدرة على الآخرة لدى أيّ كان، والآخرة عمل تجريبي، وليست نهاية تقع خارج الزمن البشري.
3. الفعل: إنّ الآخرة نوعٌ من الفعل، وهو فعل إنجازي أو إنشائي، وليس معطى جاهزاً لأحد: الشهادة، البعث، النشور، التلاقي.
يتابع بأنه يجدر بالمتفلسف أن يضع تعبيرات «الآخرة» لدى الوثنيّين والإبراهيميّين على خطّ واحد، فعلينا أن نضع «فردوس زرادشت»، و«حدائق بابل»، و«سهول إليزيا» في أوديسة هوميروس، و«جنّات عدن» العبرانيّة، و«ملكوت» المسيحيّين، و«جنّات النعيم» القرآنيّة؛ إذ إنّ كلّ هذه التعابير الأخرويّة؛ هي ـــــ بحسب قوله ـــــ محاولات القدماء في اختراع مفهوم «المستقبل»، الذي يكون بإمكانه أن يقهر فكرة الموت، ويسيطر عليها سرديّاً.
لكن قوله منتقى وموظّف لخدمة فكرة تحاول تحليل هذه الرموز التي مهما حاولنا ـــــ كبشر ـــــ تبقى عصية نوعاً ما على التفكيك المعنوي الحقيقي الذي يشمل كل مدلولاتها ويحتوش كنهها، خاصة أنها مفردات غيبية لا تخضع للحس ولا قدرة للعقل المحدود على البتّ بها نهائياً، فربما تكون هذه الرموز خلقاً متجدّداً لروح الإنسان في الزمن الحاضر كي يقهر الموت وهو في قلب الحياة وتحدياتها.
لا حاجة لمستقبل يحياه أو يريد أن يصل إليه فقط من أجل إشباع أنانياته، فهو باستطاعته معايشة نوع من الخلود المعنوي والروحي والأخلاقي في حاضره كما أراده الله له، خلود يقتحم به الزمن بجدارة عبر تجارب رائدة وسوية تليق بالإنسان كنوع أراده تعالى أن ينحل من رتابة التصاقه بأزمنة ذواته الداخلية المريضة، وصولاً إلى التفاعل الحق مع الخلود الرباني الذي يجعله يحيا خارج الزمن بكليته ككائن متحرّر بلا مقيّدات، بمعنى تحرّره من ضغوط الوقت وما تفرضه من هروب من لحظات واعية باتجاه فارغة وسخيفة للأسف تسيطر على تفكيرنا وسلوكياتنا اليوم في كلّ شيء في سياستنا واقتصادنا وحياتنا الدينية التقليدية، حتى أضحت فبركة السخافات فنّاً وشطارة عالمياً على حساب الفعل البشري الأصيل والمبدع.
فالسياسة السخيفة التي تسطّح الإنسان وتتاجر به وتعدّه رقماً في قاموسها والتي تعد الطائفة والمذهب والحزب والتنظيم أكبر من الدولة أو من أي إطار قانوني وعقدي آخر، صارت ديناً وديدناً متجذّراً في نفسيات زعاماتها ورجالاتها وما على العامة سوى التصفيق والاحتراق حتى تستمر هذه المسرحية السخيفة. إنه الموت بمعناه العدميّ حيث لا حياة ولا وجود، بل مجموعة من الأشكال الآدمية تشهد على نحر الزمن وتمزيق التاريخ ومحاولة تلوينه وتطويعه كوعاء لشذوذ سلطوي ونزوات عبثية من هنا وهناك.
إن الدين والإيمان، كما السياسة الحقّة، دعوة إلى العمل الدؤوب تمثّلاً لقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة: 105.
بعيداً عن معنى الرؤية من الله ورسوله والمؤمنين للعمل كما حاول البعض التوسع في ذلك، فيما نقل عن محيي الدين ابن العربي في الجزء الرابع من «الفتوحات المكيّة»، فما يهمنا أنَّ الإيمان يستمدّ قوته وحيويته من عمل تطوير الحياة وبنائها بالخير الذي يعمّ الجميع بلا شوائب، ففعل الإيمان كما يقول اللاهوتي البروتستانتي ألبرت شفايتسر، يساوي تطوير الحياة، والمؤمنون حقاً هم من يعملون على تطوير الحياة ونبذ كل أشكال الاستحواذ على المنافع الخاصة وحمايتها إرضاءً للأنانيات التي تنتج المشاكل والأزمات في عالم التعامليات العامة والخاصة مخلّفة الويلات والمعاناة.
أتمنّى، هنا، عدم فهم الكلام بشكل خاطئ، إذ نرى سلوكيات دينية مَرَضية تحيا الوهم الديني أو العصاب الجماعي على حد قول فرويد في ميدان السياسة والممارسات الطقوسية الدينية، فلا ننكر على سبيل المثال لا الحصر أهمية زيارة الأئمة، وبوجه خاص زيارة الأربعين، أخيراً، للإمام الحسين عليه السلام، ولكن ماذا عن عدم الفتوى الصريحة اليوم من تأجيل الزيارات والمسيرات ورحلات المعتمرين ولو مؤقتاً، ريثما تنتهي جائحة «كورونا»؟! والبعض يحضّ على الزيارة والتجمّعات الكثيفة، ولا يؤمن بوجود وباء أصلاً، ويقدّم إجابات غيبية للموضوع لا علاقة لها بالواقع أبداً؟!
تُرى لو كان الحسين بن علي موجوداً اليوم بيننا، أيقبل مثلاً زيارة مقام أبيه علي أو جدّه الرسول، في ظلّ وجود الضرر أو احتماله على الأنفس وهو العالم بدين الله؟! فأنت تستطيع الزيارة في عملك وبيتك ومكانك بقلب نظيف وروح صافية، وأنت تستطيع أن تجتمع في يدك وقلبك وعقلك ومشاعرك مع الآخرين من أجل مواجهة الفاسدين ورفض السيطرة على العقول هنا يصبح للروح الجماعية مذاق آخر وفاعلية أخرى تحقق أهداف ما تعتقد به وما ناضل من أجله المصلحون.
يريد الحسين منا التمسّك بروحية الرفض للانحراف والفساد على أنواعه، وتقوية الروح الدينية الواعية في الأمة والتنفيس عن العاطفة موقفاً حقاً ومشاعر حقة وحركة في درب الاستقامة والعدل، وليس مجرّد هتافات فالذين يسايرون الظلم ويغضّون أبصارهم عن الفاسدين وينافقون ويتاجرون بعيش الناس وأمنهم هم يزيديون بامتياز.
ليس في مضمار مقاربات الأفكار الدينية على اختلافها تعثر على مسعى رمزي يسد الفراغات في فهم العالم المحيط والإنسان لدى المتديّن، بل حتى على مستوى الممارسات السياسية التي لم تستطِع الانعتاق من عقدة مشاعر الذنب تجاه عدم القدرة على إثبات الذات فانطلق كثير من الحركات ذات الطابع الديني في عدة دول وضاعت في التفاصيل والمماحكات وفشلت في تجربة الحكم ولم تتلقّف الفرصة لإحداث التوازن النفسي وإبعاد التوتر والقلق والخوف من نفسانيات الناس، فجاءت تصرفاتهم ومقارباتهم وتفاعلهم مع الأحداث قاصراً ومحدود الفعالية والتأثير لا بل تأثروا وانجرفوا في متاهات كثيرة لم تخدم الواقع ولم تطوره أبداً حتى باتت في مكان ما عبئاً عليه.
نحن لا نتحدث عن الجانب الجهادي لكثير من هذه الجماعات التي قدمت التضحيات وواجهت الاحتلال والظلم، ولكن لا نريد أن نتحوّل إلى مجتمعات مشلولة مشدودة إلى بطولاتها من دون التنبّه والوعي والاستمرار في المراجعة للأخطاء ومحاسبة الذات بغية التصحيح وعدم التقوقع على الذات ومدّها بنفحات من الغيب فقط.
كفى قتلاً للوجدان وتغييباً للضمير وإبعاداً عن حضور أخروي نحياه في دنيانا عدلاً وطمأنينه تعيد تشكيل نفسياتنا وفق روحية نشطة متجددة تثبِّت الزمن من دواخلنا لتخلق حاضراً ومستقبلاً لا ينفصلان عن جدارة وفعالية إنسانية خبيرة تشكِّل الإنسان وتصنعه على صورة الله.
فمتى يقلع كثير من الزعماء والساسة والوجاهات عن جشعهم السلطوي ويتمثلون شيئاً من طاعة الله وعدله ويروحنون الواقع المتعطّش لرأفة بخلوا بها عليه ويتذكرون جوع الناس وعطشهم في الدنيا؟!
إننا أمام لحظات لا بدّ من إبعادها عن التحنيط والانغلاق وعن الأنانيات والعصبيات وإدمان التحيّزات والتأطّرات على اختلافها، فإذا لم يتجسّد الدين كما السياسة دينونة دنيوية رائدة وصالحة سيبقيان ألعباناً ومجرد تصورات وتوهمات لحظوية ننسج حولهما ما نبغي من مصالح آنية وما يشبع رغباتنا، فهل من يوقف زجَّنا في زحمة السير على طريق جهنّم الدنيوي السريع؟!

* أكاديمي وحوزوي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا