بهدوء... فلم تعُدْ القضية في لبنان تتعلّق بالميثاقية والتوافق بين أبناء الطوائف والمذاهب الحاكمة بأحزابها التي شاخت مبكراً، بقدر ما هي متعلِّقة بمعادلة الجائع واللِّص السياسي الذي نَهَبَ وسَرَق حتى الخميرة، كي لا يعجن أحد بها من بعده والتأسيس لبناء وطن. فهذا هو حال القوى السياسية الحاكمة المتسلِّطة على مقدرات الشعب والدولة، تتصرّف وفق معادلات تبادل في الأدوار بإعادة تدوير سياسية، حماية لزعاماتها وأزلامها، وفي إعادة تموضعها الجديد القائم على الهرب من سيف العقوبات المصلت عليها، وعلى أموالها وأبنائها ونسلها السياسي الذي هيأته لاستكمال قيادة المرحلة المقبلة، حتى لو تطلَّب منها القبول باتفاقيات الإطار النفطية والغازية أو التطبيع المقنَّع مع إسرائيل. هذا هو حال دولة الطوائف وأمرائها في لبنان، اليوم، كما كان حال أمراء المسلمين في الأندلس عند بناء محميات طوائفية متنابذة ومتقاتلة، سلّمت مفاتيح الدولة ومقدّراتها، بعدما عجزت عن حماية نفسها وشعبها...

من المؤكّد أننا لسنا في وارد القبول مطلقاً بصيغة هذا النظام الطائفي والمذهبي الظلامي، لكن ومن باب التشريح للوقائع والمعطيات، يتبيَّن بأنّ الكلّ يريد تطويع الرئيس سعد الحريري، ومن خلفه الموقع السُّني إذا كنَّا نتحدّث عن تصارع القوى الطائفية والمذهبية. فهذه القوى السياسية، وكلٌّ من موقعه وحساباته، تريد شيئاً معيّناً. مثلاً، يريد الثنائي الشيعي سعد الحريري رئيساً للحكومة، من أجل تخفيف حدّة الخطاب المذهبي السنّي الشيعي، وبما يُريح الفريقَين آنياً، لاستكمال مشروعهما العابر للحدود (حزب الله في الإقليم ــــــ حركة أمل لحماية واقعها ومكتسباتها الداخلية، ومنع التطويق والعقوبات الخارجية عليها وعلى أموالها).
يريدون الرئيس الحريري مع إطلاق الضوء الأخضر السعودي والأميركي له، لتنطلق صافرة وعجلة المساعدات العربية والخليجية والدولية إلى لبنان، من أجل ملء الصناديق التي تدور في فلك مجلس الوزراء، لممارسة البلطجة المالية والقيام بأخطر أنواع الابتزاز وجرّ الحريري الابن، كما كانوا أيام الحريري الأب، إلى تقاسم الحصص المالية ونهب أموال القروض والخزينة. كلٌّ يريد ذلك، من موقعه الطائفي، الذي كرَّسه له هذا الدستور التوافُقي المسخ، وعند فشل السياسات المالية، وهي حُكماً ستفشل، ينزعون عنها الغَطاء ويتركون رئاسة الحكومة «السنية» في مواجهة جموع اللبنانيين الجائعة، بعدما يكونون هم وجماعاتهم، بمأمن مالي (في بنوك أوروبا) وأمني (عبر ميليشياتهم المدنية المزروعة في وزارات الدولة).
فما جرى، أخيراً، هو محاولة للوزير جبران باسيل لاستخدام سيناريو الثنائي الشيعي، من أجل التطويع السنّي، لإجبار الحريري على تقديم تنازلات سياسية تحاصصية تتعلَّق بمِلَفات التركيبة الحكومية، حماية لبعض الوزارات التي عَبَث بها ولا يزال، واستكمالاً لمشروعه الفئوي على الساحة المسيحية، بعدما نَفَض سمير جعجع يديه من تسمية الحريري، وأعلن موقفه الصريح. وأرادت كتلة الأرمن أخذ الأمر على عاتقها وبصدرها في تحمُّل مسؤولية تأجيل الاستشارات إلى أسبوع إضافي آخر، وكأنّ لبنان واللبنانيين يعيشون في حالة ترف سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، كونه وفي الأصل ليس هناك من مسؤولية حكماً ومحاسبة لقوى رَهَنَت لبنان والشعب وقامرت به ودمرت ركائزه، من دون أن يرفَّ لها جفن... فعن أي سلطة سياسية نتحدث؟ إنه حكم ملوك وأمراء الطوائف.

ما جرى أخيراً هو محاولة الوزير جبران باسيل استخدام سيناريو الثنائي الشيعي من أجل التطويع السنّي


هي لعبة تبادلٍ للأدوار، لا أكثر ولا أقل، بين «التيار الوطني الحر» والثنائي الشيعي، ومحاولة لإظهار التناقض حدّ الخلاف حيال تضمين ورفد الوفد التفاوضي مع إسرائيل لمستشارين مدنيين من قبل دوائر القصر الجمهوري المولجة بهذا الأمر بحسب المادة 52 من الدستور اللبناني. ولهذا سيناريوات عدّة، باتت مكشوفة لهذه السلطة تبدأ:
في محاولة الثنائي الشيعي المزايدة أكثر، وأمام شارعه المتذمّر أصلاً ـــــــ والذي تربّى على أنّ صراعنا مع إسرائيل هو صراع وجود لا حدود ـــــــ من عملية المفاوضات، حتى يقول للُّبنانيين والعالم إنّنا لم نقبل بهذه المفاوضات، إلّا على مضض ومرغمين كي لا تسجَّل في دفاتر الحسابات المقبلة، وهي حتماً ستُسجَّل.
تحسُّس الرئيس نبيه بري من العقوبات الأميركية التي باتت قاب قوسين أو أدنى، وهي جدية وحقيقية، حيث كانت على أقرب المقرّبين منه، ونعني الوزير السابق علي حسن خليل. إنها مجرَّد تجربة لقياس الاختبارات، إلّا أنّ القوى الممانِعة انهارت فوراً، وبدأت بالتسليم.
خوف الوزير جبران باسيل من العقوبات الأميركية التي همس له مقرّبون بأنّها جدية وواقعية وحتمية، أمر جعله يسرع ويهرول إلى فرض أعضاء ومستشارين مدنيين لينضمّوا إلى وفد التفاوض في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وتقديم أوراق اعتماد جديدة للأميركي، حمايةً لنفسه وجماعاته وأزلامه ومحاسيبه.
إنّه حكم الطوائف يا سادة، أفلَسوا البلد وأفرغوا خزائنه بأسلوب ومنطق الإنتاج الريعي، واستباحوا أموال الناس وودائعهم عبر إطلاق اليد لحكم المصارف، وعزَّزوا الانقسامات العامودية الحادّة خدمة لشدّ العصب الطائفي، وزادوا عليها الانقسامات الأفقية الطبقية، حتى صار البلد تجمّعاً لمحميات مذهبية، يجهد فيه اللبنانيون للحصول على قوت يومهم ويصطفّون بالطوابير أمام محطّات الوقود، ويلهثون للاستحصال على الدواء المفقود.
والمهرب؟ فلا حكومة في القريب، إلّا بعد الانتخابات الأميركية وظهور نتائجها. وحتى لو كلِّف سعد الحريري، فَهَمُّه الوحيد هو حصوله على ورقة التكليف ووضعها في جيبه، وإن طال بها زمن التشكيل، بهدف قطع الطريق على أيّ مرشح آخر يمكن أن ينكّد عليه.
هذا هو حال ساسة لبنان: طرف سياسي يرهن البلد لدوره وتوسّعه الإقليمي، عبر مزايداته الدائمة وإمساكه بآلة فحص الدم في الوطنية والعداء لإسرائيل، وكيل التهم والشتائم المستمرّة للعرب وبلدان الخليج، ويريد الحصول منها على مساعدات مالية وخدمات سياحية للبنان، وتغطية سياسية له في صراعه، وتوسيع النفوذ الإيراني في المنطقة. وطرف سياسي ثانٍ، يرهن لبنان لمزاجيّته وتعزيز فئويّته، وتقديم أوراق اعتمادٍ عبر رهن البلد ومقدّراته الموعودة للخارج، حماية لنفسه بعدما تعذَّر تحقيق مشروعه في تولِّي الرئاسة بالتناسل السياسي. أمّا الطرف الثالث، فيريد أن يحتكر دور رئاسة الحكومة بشخصه ومن حوله، بشعارات لن تتحقّق يوماً في ضرب الفساد والبدء في الإصلاح، ولم يعرف حتى اليوم أنه يُنهي حكمه بيديه في لفّ الشرنقة الطائفية حول عنقه التي تضيق شيئاً فشيئاً، حتى أُخرجت الطائفة السنّية من المعادلة السياسية اللبنانية وبتْنا بحاجة ماسة إلى بناء الدولة المدنية وتغيير هذا العقد السياسي والاجتماعي الذي عزَّز منطق الديمقراطية التوافقية المبنية على قوة وحضور الطوائف والمذاهب. وها نحن نعيش آخر أيام ملوكها، فهل بهذا تريدون تحقيق مكتسبات نفطية وغازية وسيادية أمام إسرائيل، وقد نزعتم عنكم كلّ لباس وبطانة وصِرتم عراة أمام العالم؟

* أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا