بعد هزيمة عام 1967، عُقد مؤتمر القمّة العربية، بتاريخ 29/08/1967 في الخرطوم، بحضور جمال عبد الناصر الذي استُقبل من قِبل جماهير الشعب العربي السوداني استقبالاً تاريخياً، بسبب قراره استئناف معركة التحرير ضد العدو الصهيوني. في هذا المؤتمر، اتّخذت القمة القرار الشهير المعروف باللاءات الثلاث: لا صلح، لا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، ما يعني أنّ القضية التي ندعوها بالقضية الفلسطينية هي مسؤولية جميع الدول العربية شعوباً وحكومات. ثمّ، بعد سنوات، أي في عام 1974، وكان عبد الناصر قد توفّي عام 1970، عُقد مؤتمر القمّة العربية في عاصمة المغرب ـــــــ الرباط ــــــ الذي تقرّر فيه أنّ «منظمة التحرير الفلسطينية»، هي الممثل الشرعي والوحيد لفلسطين، ما لقِيَ ترحيباً واسعاً في حينه. إلّا أنّه تبيّن من تطوّر الأحداث، بعدئذ، أنّ حكّام العرب اعتبروا أنّ هذا القرار يرفع مسؤوليّتهم عن قضية فلسطين، بحسب قرار اللاءات الثلاث، ويضع المسؤولية كاملة على عاتق الفلسطينيين، وما يقرّره هؤلاء، أي «منظمة التحرير»، يدعمه الحكّام العرب، وهو ما أوصلَنا إلى أوسلو، وما بعده.

ولا بدّ لي، هنا، من العودة أكثر من مئة عام إلى الوراء، أي إلى «اتفاقية سايكس ـــــــ بيكو»، التي قسَّمت بلاد الشام، وبعدها «وعد بلفور» الذي سلّم فلسطين إلى اليهود. منذ ذلك الحين، والغرب يسعى إلى إلغاء كلمة العروبة من التداول، واستقرّ قراره على استبدال كلمة العروبة، بما سُمي بالشرق الأوسط، الذي ضم في نظر الغرب تركيا وإيران أيضاً. وفي مرحلة حلف بغداد، وردت باكستان كعضو في ما سُمي بالشرق الأوسط الكبير. ونظراً إلى الترويج المستمر والدعاية الضخمة للغرب، حلّ تعبير الشرق الأوسط محلّ الوطن العربي أو المنطقة العربية، حتى ضمن الدول العربية نفسها، ولا غروَ في ذلك فإنّ مصالح جميع الدول الكبرى تتعارض بالمطلق مع إقامة دولة عربية واحدة ولو بعد أجيال. فمثل هذه الدولة الفدرالية، إذا أُنشئت، سوف تمتلك قوى اقتصادية تنافس فيها هذه الدول، والأفضل إذن وأد فكرة العروبة من باب الاحتياط.
أعود إلى أيامنا هذه، لأقول إنّ التخلّي عن فكرة العروبة يتّفق تماماً مع ما جرى ويجري، من اعتبار كلّ قضية تحدث في المنطقة العربية، منفصلة عن غيرها. مثلاً، بدلاً من أن نقول إن هنالك قضية عربية في فلسطين، وكذلك قضية عربية في سوريا واليمن وليبيا والعراق، أصبح السائد القول إنّها كلّها قضايا شرق أوسطية منفصلة الواحدة عن الأخرى. من هنا، أدعو إلى اعتبار هذه القضايا العربية، وعلى رأسها فلسطين طبعاً، مسؤولية العرب جميعاً، شعوباً وحكّاماً، وتحميلهم مسؤولية المشاركة الفاعلة مع الشعب العربي في فلسطين في النضال ضد الكيان اليهودي. فبدلاً من إلقاء العبء كاملاً على الشعب العربي في فلسطين، الذي يبذل جهوداً جبّارة في مقاومة العدو الصهيوني المتمتّع بدعم الدول الكبرى، ونكتفي بإصدار بيانات الاستنكار والاستهجان، ويرفض الحكّام مجرّد استنكار التطبيع مع هذا العدو، يتحتّم على الحكّام المشاركة الفاعلة في الجهود لاسترداد أرض فلسطين كاملة من هذا العدو، مهما كلّف ذلك من تضحيات.
ولا بدّ لي، في النهاية، من تذكير حكّام العرب بأنّ مَن سبقهم طردوا مصر السادات من الجامعة العربية، ونقلوا مقر الجامعة بعد ذلك إلى تونس، لأنّ حاكم مصر بدأ التطبيع مع العدو، عبر «اتفاقية كامب ديفيد». حدث ذلك في القمة العربية، التي عُقدت في بغداد، بتاريخ 02/11/1972.

* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا