ها قد مضى قرنٌ على قيام دولة لبنان الكبير وانتهى عشية ذكرى قيامه مساء الرابع من آب 2020 بتفجير إعصاري لمرفئه التاريخي وواجهة عاصمته. قرن انتهى بعد أن مثّل حكّام الكيان - الجسر ريادات الوساطة بين الأسواق عقوداً عديدة مستثمرين تميُّز موقعه في الجغرافيا الاقتصادية والسياحية على المدخل الغربي للمشرق العربي، وتميّز حكمه بارتهان زعماء مذاهبه الأقلوية الوارثين منهم والمستجدين المنشغلين بإحياء عصبياته وتجديد شرعية تحكُّمها بما «تستحقه» من ريوع ولاءاتها داخل المشرق والخارج. عصبيات تُذكّر بما سبق وأشار إليه ابن خلدون منذ ستة قرون في مقدمته قائلاً: «كلّما كانت العصبية قوية كان المزاج تابعاً وكان أمد العمر طويلاً. والعصبية إنّما هي بكثرة العدد ووفوره» (المكتبة التجارية الكبرى _ مصر، الفصل الثامن، ص. 163).

لقد شرعن الانتداب الفرنسي العصبيّات الطائفية مع قيام دولة لبنان الكبير (1920) ليتشرعن معه تمثيل المذاهب في الوزارات والمناصب العليا في الإدارات العامّة، تمثيل يفرض على الوزراء تبادل التوافقات على توزيع إنفاقات الدولة وخدماتها بين مناطق تمثيلهم. وُيساهم في ترسيخ مبدأ التوافق على تشكيل حكومات تُوافِق المرجعيات الخارجية التي نجحت في نهاية الحرب الأهلية في أواخر الثمانينات بقصر قيادات المذاهب على الزعماء الأكثر قدرة على تعبئتها والأكثر ولاءاً وحنكة في المساومة على تبادل التوافقات وفي غواية مرجعياتهم الخارجية.
هذا ما ظلّ يفرض على زعامات المذاهب رصدَ نزعات والتزامات تفرّعاتها داخل محدودية أحجامها، بما يُمكن من رصد الميول الانتخابية داخل عائلات الفئات المتوسطة خاصة، ومدى ولاءات أتباعها. وذلك بما يُمكّن «مفاتيحهم» المكلفين من رصد صدقية تصويت من سبق ووعدوهم بخدمات زبائنية أو بتحقيق ترقيات إدارية تُوزّع داخل الناخبين «المحسوبين عليهم»، والمتوقّع تأييدهم بين نصف يُعلن ولاءه للزعيم وقائمة مرشحيه. ولاء يتعهد رصد صدقه يوم التصويت ما يقرب من العشرة في المئة من الوجهاء ـــ المفاتيح، وأربعين في المئة من العوام الذين يواصلون الولاء التقليدي لميول وجهاء عائلاتهم.
هكذا استدام ضمان هرم التزعم داخل المذاهب عقوداً بالتوارث المسنود بالاحتضان الإقليمي لزعاماتها. وهكذا تحكّمت الولاءات الخارجية والمذهبية بتصويت المقترعين في قواعد المذاهب، منذ قرن مضى على تشكيل كيان لبنان الكبير وعلى تقاسم التحكم بالإدارة السياسية لدولة الكيان تحكماً يُعطّل بالعصبوية والتنفع فرص الخروج على متزعّمي المذاهب في النظام السياسي الذي تتقاسم الوصاية عليه زعامات سياسية «تحمي» حقوق مذاهبها، فتتملك حق الفيتو على التوافقات المعروضة عليها كما على رفضها. إنه تحكُّم يفرض على الجماعات الوسطية مذهبة مواقعها ومواقفها السياسية فتتمكّن، بحكم قدراتها، من ضبط التنازعات داخل العدد المحدود في كل من المذاهب الستة الأكبر التي تتراوح أحجامها بين 300 ألف ومليون فرد. ضبط يضمن استمرار الكيان بضمانات وتوكيلات خارجية وظائفية. ضمانات ظلّت توفر فرص النمو الاقتصادي والثقافي حتى منتصف السبعينات إلى حين بدأت الأسواق العربية، ولا سيما منها الخليجية، تستغني عن الوساطات اللبنانية وعن ريادات الجامعات والمستشفيات والتوكيلات التجارية في لبنان.
لقد اقترن هذا الاستغناء بتوقّف الحرب الأهلية (1989) وبتراجع تعدد الزعامات السياسية داخل المذاهب الإسلامية خصوصاً، وتعمُّق التديُّن في عصبية تزعمها على جماعات شعبية تميل إلى تغليب التملُّق في موالاتها. عصبية تحرص على مبادلة رسائل «التعايش الطوائفي» بينها، والتعاهد باحترام حدود تمثيلها المذهبي وحقوق تحكّمها بتوزيع ما تحصل عليه من عائدات وخدمات، توزيعاً يضمن تجديد شرعية تمثيلها وتزعمها. ولم يحُل تبادل التعاهدات بين زعامات المذاهب دون تبادل التكايد العائد لمحدودية أحجام المذاهب الثمانية عشر المراوحة بين عشرات ومئات الآلاف لا أكثر، والتي تُعطي كل منها لنفسها حق الفيتو السياسي في إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية لضمان الحصول على ما يدعم ترسيخ تزعُّمها.
في ظل هذا الترسيخ المُحصّن في الداخل والخارج لزعامات المذاهب ولقدراتها الضاربة روحياً وسياسياً يتم رصد معارضيها في مناطق ترشيح قوائمها ويتم التحكّم بتصويت عوامها الإسلامية خاصة، ولا سيما الريفيين النازحين إلى العاصمة خاصة، ومراكز المحافظات، والمقدّرين بحوالى ثلث سكان قراهم تقريباً، إذ تتزايد حاجاتهم إلى خدمات الزعامات، فيُجبروا على التصويت بـ «التقية» في قراهم وتحت الأنظار. يصوتون حيث لا يعيشون، ويعيشون في المدن حيث لا يحق لهم التصويت، فيجدّدون انتخاب كتل الزعامات في ظل ولاءات انتقلت معها ضغوطات عصبية العشيرة والعائلة إلى عصبية المذهب المحصنة مركزياً من خلال ما يوفره ممثلو زعامة المذهب من خدمات في الوزارات. خدمات يتوافقون على تبادلها مع زملائهم المعيّنين من زعماء المذاهب الأُخرى.
في ظل هذا الترسيخ المركزي لزعامات المذاهب تبرز، أكثر فأكثر، خطورة منع تطور آليات التقدم في فهم النظام البرلماني في الحكم الجمهوري القائم نظرياً على «اقتباس» لدور الشعب في اختيار ممثليه عن الدستور الفرنسي والبلجيكي.
وفي بلد هذه التعددية للمذاهب المحدودة الأحجام تراجعت منذ الثمانينات حظوظ الوساطات التجارية والتعليمية والصحية مع بلدان المشرق، وتواصل اغتراب القوى العاملة الفتية والفنية ولا سيما منها المتحدّرة من الفئات المتوسطة التي يتزايد اضطرار شبابها لموالاة الزعامات الطائفية القادرة على فرض تعيينها الزبائني في القطاع العام. وترافقت هذه التراجعات في أسواق العمل الداخلية والخليجية مع الانكفاء عن الانضمام إلى نقابات الموظفين والعمال وتحركاتها المطلبية بعد تمكّن أحزاب المذاهب الحاكمة بعد الحرب الأهلية من التدخّل في التحكم بانتخابات هيئاتها. وزاد ذلك بعد تراجع حضور الأحزاب اليسارية في القواعد الضيقة للمذاهب في لبنان، وما انتهت إليه هذه الحرب في المقابل من توسّع الميول إلى الاندماج المحلي من خلال التدين والتحزب المذهبي.
هذا في وقت لم يتبقَّ أمام نخب من الفئات المتوسطة، واليسارية الميول منها خاصة، سوى العمل على فرض حضور محدود اجتماعياً لها في إطار ما يُسمى «المجتمع المدني» وإعلان تشكيل جمعيات أو منظّمات غير حكومية ترفع أهدافاً ظرفية تحظى بأنواع من الدعم المادي والإعلامي لدى هيئات حكومية أوروبية وغير أوروبية ولا تستثير شكوكاً سياسية تحزبية راديكالية لدى مخابرات أمن الدولة. وهذا ما برز أخيراً على سبيل المثال في التحركات المعارضة لتسريح 850 موظفاً من العاملين في الجامعة الأميركية. حضر منها للتظاهر والاعتصام أمام مستشفى الجامعة 23 هيئة (جريدة الأخبار 20 تموز 2020) معترضة تُبرز تصنيفاتها من بينها:
- 5 تنظيمات نقابية منها اتحادان عامان تَضؤل أحجام تعبئتهما البشرية عادة ويكثر حضور قادتهما ممن يكثر بينهم التعارض التعبوي والسياسي.
- ويحضر بينها 3 تنظيمات لأساتذة مستقلين لا رابط بينهم.
- وتنظيمان حزبيان يساريان لا تنسيق بينهما لجهة أفق الدعم وحدوده.
- وثلاثة عشر تنظيماً شبابياً تتفاوت نضالية وثورية تسمياتها ومتابعات مواقفها.
هذا أقصى ما تسمح به روحانيات زعامات المذاهب ومراجعها المتوافقة داخلياً والمحصّنة خارجياً من تلاقٍ للمعارضات، وأقصى ما تسمح به على الصعيد المدني من تأطير نقابوي ومن تشكيل حزبوي هو تأطير ترعاه الزعامات المحصنة بفعل تزايد إفقار ولاءات عوام مذاهبها لترفع من وجاهتها في التحالف مع زعامات المذاهب الأخرى، وتواصل معها سلب الدولة عن طريق تحاصص منافع الإدارات الحكومية وتوزيعها على متعهّدي موالاتها في تصويتهم وعلى مباركي تزعّمها في صلواتهم.

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا