انحسار الاهتمام بالتسوية السياسية في سوريا، وفي الإقليم عموماً، حصل بالتزامن مع انفجار الوضع الاقتصادي على نحو غير مسبوق. تعجيل نظام العقوبات الأميركي الذي يقوم على فلسفة الحمائية والحرب التجارية بهذا الانفجار، جعل الأمور تبدو مختلفة جذرياً عنها في بداية هذا العقد، حين تهاوَت النُّظم انطلاقاً من تقوُّض شرعيتها السياسية، لجهة التمثيل وخلافه. التصويب سياسياً، حينها، لم يأخذ في الاعتبار طبيعة هذه النُّظم اقتصادياً، واكتفى بشخصنة النقد والاحتجاج، عبر اختزال الأمر إلى مواجهة مع سلالات أو عائلات، أو في أحسن الأحوال مع الهيكل السياسي الحزبي الذي تحتمي هذه النظم به. المسارات السياسية التي نشأت عقب الفوضى التي حصلت برعاية دولية، لم تلحظ بدورها أهمية المسألة الاقتصادية، وما يمكن أن يتسبّب به انفجارها من تعطيل للتسوية، كونها لم تُعتمَد كأساس ممكن للحل، من بين ممكنات أخرى (سياسية ودستورية و..إلخ)، جرى التسويق لها برعونة وخفّة شديدتين. تعطُّل هذه المسارات، بما في ذلك العسكرية والجيوسياسية منها (آستانة مثلاً)، أعاد المسألة الاقتصادية إلى الواجهة مجدداً، ولكن ليس كمحور لتذليل العقبات أمام التسوية أو الحل، بل كأمر واقع جرى تجاهله لفترة طويلة، قبل أن ينفجر على مستوى الإقليم، انطلاقاً من لبنان، ويبدأ في تقويض اقتصادات هذه الدول، الواحدة تلو الأخرى، وبشكل لم يسبق له مثيل، حتى في أسوأ مراحل الحرب.


حالة تركيا
المنظور الجيوسياسي، بهذا المعنى، لم يعد يكفي لمقاربة أزمات الإقليم. حتى الدول التي تبدو وكأنها تتقدّم سياسياً وعسكرياً بما يتناسب مع ثقلها الإقليمي (تركيا مثلاً)، هي فعلياً، «في حالة ترنُّح» على المستوى الاقتصادي، إذ يعاني الاقتصاد التركي من أسوأ مراحله، لجهة انهيار العملة وتباطؤ نسب النمو، في نظام إنتاج لا يقوم إلا على قطاعَي السياحة والخدمات، وبعض الصناعات التحويلية والغذائية. انهيار الليرة التركية إلى مستويات قياسية، أضعَف الثقة بنظام التأمين والادّخار المحلّي، فازداد الطلب بشكل كبير وغير مسبوق على الملاذات الآمنة، وخصوصاً الذهب، حيث شهد هذا القطاع بسبب الأزمة نموّاً لم يعرفه منذ عقود، وبالتالي أرباحاً غير مسبوقة. كلّ ذلك، في دولة غير خاضعة لنظام العقوبات، وحليفة للغرب جيوسياسياً وعسكرياً، فكيف إذا كانت الحال مختلفة، ولم تكن البلاد تتمتّع بمظلة الحماية الغربية على كلّ المستويات. التوسُّع في الإقليم بهذا المعنى باتجاه ليبيا أولاً، ومن ثمَّ اليونان، هو تعبير عن أزمة أكثر منه فائض قوّة، وحتى لو صبّ ذلك في مصلحة تركيا على المدى البعيد، فإنّ الوضع الاقتصادي الآخذ بالتدهور سريعاً لن يسمح للنظام هناك بترجمة «انتصاراته» في الداخل، لأن ليس ثمّة اقتصاد سياسي لهذا التوسّع، بخلاف ما كانت عليه الحال لدى صعود رجب طيب أردوغان إلى السلطة. لم تكن الدولة التركية، حينها، بحاجة إلى البحث عن موارد طبيعَة خارج حدودها، حتى يتأمّن لها استقرار سياسي على مدى عقد أو أكثر، وكان النظام السياسي، حتى في شكله السلطوي مع أردوغان، قادراً على جعل استقرار الليرة التركية وحدها محوراً للتنمية، عبر استقطاب استثمارات من هنا وهناك، وإنتاج «قيمة مضافة» لهذا الاقتصاد الذي يعتمد بالكامل على الاستيراد، ولا يملك قنوات ريعية تُذكَر.

الوضع الاقتصادي السوري ليس أفضلَ حالاً من نظيرَيه الإيراني واللبناني الخاضعَين بالقدر ذاته لنظام العقوبات، ولكنّه مرتبط بتسوية على المدى البعيد


المعرفة بحجم اقتصاد البلاد وطبيعته، هي التي أتاحت لأرودغان وحزبه تحقيق هذا النوع من الهيمنة السياسية المشروطة بفهم مُسبق لكيفية تحقيق الرخاء من نموذج اقتصادي مماثل. وهذا الحجم لم يتغيّر الآن، لا هو، ولا طبيعة النشاط الاقتصادي في تركيا، حتى يُقدِم الرجل على هذه الخطوة التي تتعارض مع طبيعة الاقتصاد السياسي لبلاده. والمقصود هنا، عدم كفاية الموارد اللازمة لصراع مماثل على مستوى الإقليم، إذ يفتقد الاقتصاد التركي إلى قطاعات إنتاجية حقيقية تنتج الثروة والقيمة، وبالتالي تتيح بناء اقتصاد نزاع أو حرب محدودة على الموارد. وهو أصلاً، يفتقر إلى الريوع التي يمكن في حالات مماثلة من الانهيار الاقتصادي أو الانخفاض الكبير في نموّ الناتج المحلّي وتفاقُم الديون، أن تكون هي المخرج ريثما يعود الاقتصاد إلى طبيعته. هذا يتناقض موضوعياً مع افتعال نزاع في الإقليم على الموارد، ولكنّ الحاجة إلى هذه الأخيرة تبدو أكبر في نظر أردوغان، ولذلك نراه يتمدَّد على حساب حليفته الأطلسية، اليونان، مستفيداً من التفوُّق العسكري التركي، ومن «هامشية الحضور اليوناني» في حلف «الناتو» قياساً إلى تركيا، مع «استثناء بسيط» هو موقف فرنسا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي. المغامرة التركية تبدو وفقاً لهذا المعطى «محسوبة»، بسبب اتّكالها على المظلّة الأطلسية في تنظيم الخلاف مع اليونان على ملف التنقيب، ولكنّ حالة الاقتصاد المتهاوية لا تسمح بإطالة أَمَد هذا الاشتباك. وهو ما تعبّر عنه بوضوح، حالة الهلع العامّة، ليس من «الحرب» بحدّ ذاتها، بل من الافتقار إلى اقتصاد سياسي لها، يمكن الاستناد إليه في معركة تنويع الموارد على مستوى الإقليم.

حالتا إيران وسوريا
الدول الأخرى في الإقليم، هي بعكس تركيا، تعيش حالة دفاع عن النفس في مواجهة نظام العقوبات الأميركي الذي يحاول خنقها اقتصادياً. إيران هي أبرز مثال عن ذلك، وهي أيضاً، النموذج الأوضح عن كيفية تأثير الأزمة الاقتصادية الشاملة على حضورها المتعدِّد والمتنوّع في الإقليم. قدرتها على تجاوز العقوبات والالتفاف عليها، تضعها في موقع متقدِّم على تركيا، لجهة المواءمة بين الاقتصاد السياسي للدولة والحرب أو التوسّع الإقليمي، ولكنّ ذلك ينعكس في النهاية من خلال المؤشّرات الاقتصادية التي تزداد سوءاً، حتى لو كانت الدولة هناك تنتج معظم احتياجاتها، بالإضافة إلى النفط. محاولة الخنق تتعدّى منع الدول من استيراد النفط الذي تنتجه البلاد ـــــ وهو يسهم بالنسبة الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي ــــــ إلى التضييق على كلّ الدول التي تتبادل معها تجارياً، حتى في إطار استيراد الغذاء والمواد الأوّلية اللازمة للصناعة. وهو الأمر ذاته الذي يحدث مع السلطة هنا، ولكن في إطار مختلف، كون نظام العقوبات مرتبطاً أكثر بالانقسام السياسي الحاصل على خلفية استمرار الأزمة، حيث تزعم الولايات المتحدة أنّ المستهدف منه هو النظام فحسب، وأنّ العقوبات لا تطاول إلا الدائرة الضيّقة القريبة منه. طبعاً، ما يحدث هو العكس تماماً، إذ صُمِّمت العقوبات كنظام متكامل، أُضيف إليه أخيراً الإطار القانوني الخاص بـ«قانون قيصر»، لجعل العملية الإنتاجية في البلاد مستحيلة تماماً. كلّ عمليات التبادل التي تحصل مع الخارج، تخضع لهذا النظام، ولا يُستثنى من ذلك، حتّى المواد الأولية الخاصّة بصناعة الأدوية وبعض الصناعات الغذائية، وهو ما جعل هذه الصناعات تتعثّر، وأحياناً تخرج من السوق. لا يعوِّض عن فقدان هذا القدر من الناتج المحلّي حصول دولرة بالمقدار عينه أو أكثر حتّى، في الاقتصاد، كنتيجة لتدفُّق الريع الخاص بتحويلات المهاجرين. التعويض يقتصر على ترميم ما فقدناه من الناتج المحلّي، بسبب الحرب والعقوبات، ولكنّه ليس معادلاً بأيّ شكل لمقدار قوّة العمل التي فقدناها لمصلحة دول اللجوء، والتي ستصبّ على المدى البعيد في استمرار التراكم الرأسمالي الذي يغذّي نظام العقوبات. أي أنّ ما نكسبه من ذلك لجهة تدفُّق الريع آنياً، سنعود لنخسره لاحقاً، حين يذهب جلّ ناتج هذه العمالة المهاجرة، وهو بالمعنى الماركسي، حصيلة بيع قوّة العمل، لمصلحة التراكم في دول الشمال الحليفة للولايات المتحدة. ومن الناحية العملية، لا يخدم الريع الاقتصاد على المدى البعيد، فهو ليس نشاطاً إنتاجياً مدرّاً للقيمة. بمعنى أنه يغذّي قنوات التوزيع، سواء في الدولة أم في القطاع الخاص أم على مستوى الأفراد على حساب هياكل الإنتاج التي يتعيّن التركيز عليها أكثر في هذه المرحلة. وهو، أيضاً، يستبدل الدولار بالليرة كمحفظة للادّخار، ما يخلق باستمرار سوقاً سوداء أو موازية للعملة الصعبة، حتى لو كان ثمّة طلب على الليرة، نتيجةً لعمليات شرائها المستمرّة.

خاتمة
الوضع الاقتصادي السوري، ليس أفضلَ حالاً بهذا المعنى من نظيرَيه الإيراني واللبناني، الخاضعَين بالقدر ذاته لنظام العقوبات، ولكنّه مرتبط خلافاً لهما بتسوية على المدى البعيد. وهذه التسوية، فضلاً عن إطارها المعلَّق الإقليمي والدولي، تفتقر لأيّ تصوّر أو رؤية عن حاجات البلاد الفعلية، في مرحلة تشهد ليس فقط أوبئةً وانهيارات اقتصادية وتغيّرات مناخية حادّة مصحوبة بكوراث بيئية، بل أيضاً تحوّلات على مستوى البيئة الاجتماعية الاقتصادية، لم تشهدها، حتى أكثر مراحل الحرب عنفاً ودموية. عدم الإلمام بكلّ ذلك، يضع التسوية بشكلها الحالي، وبأُطرها ومساراتها كافةً خارج حركة الواقع، الذي، وإن لم يفرز قوىً جديدة، بحكم نضوبها نتيجة لحركة الهجرة الكثيفة، إلّا أنّ تطوّراته لم تعد تتناسب مع تصوُّرات قوى التسوية ــــــ بشقّيها الموالي والمعارض ــــــ التي تحصر اهتمامها بتصحيح التمثيل السياسي فحسب. وفي حال ذهبت أبعد وربطت بين منظورها السياسي الضيّق واقتصاد البلاد، فإنّها تتحدّث فقط عن اقتصاد إعادة الإعمار. وهي مقاربة لا تزال قائمة ولكنّها تحتاج إلى تحديث في ضوء ما شهدته البلاد من انهيار اقتصادي واجتماعي، إذ لم يعد الاقتصاد السياسي للتسوية مرتبطاً حصراً بهذه العملية، بل بنطاق أوسع من التفكير في هويّة البلاد الاقتصادية انطلاقاً من الأزمات المتراكبة والمتزامنة التي تسبَّبَ بها نظام العقوبات الأميركي.

* كاتب سوري

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا