تفجّرت الاحتفالات الشعبيّة في سانتياغو، مساء الرابع من أيلول / سبتمبر قبل خمسين عاماً، بعدما انتُخب الطبيب والناشط اليساري سيلفادور ألليندي (من الحزب الاشتراكي) رئيساً لجمهوريّة تشيلي على رأس تحالف ستّ قوى يساريّة وراديكاليّة (الوحدة الشعبيّة)، متفوّقاً بـ2% من الأصوات على منافسه الرئيس السابق خيرخو أليساندري. كان ألليندي يصف نفسه بـ«الماركسي»، ولذا فقد شعرت الطبقة العاملة بأنّ وقتها قد حان لتصحيح الفساد الهيكلي المؤسّس وإنهاء هيمنة النخبة والبرجوازية على موارد البلاد، كما حالة التبعيّة التامّة لواشنطن. لكنّ حلم اليوتوبيا الجميل تحطّم بقسوة دمويّة لافتة في 11 أيلول / سبتمبر 1973، بعدما نفّذ الجيش انقلاباً على السلطة بالتنسيق المباشر مع الاستخبارات المركزية الأميركية، فقُتل الرئيس ألليندي في قصف قصره الجمهوري، وتعرّض عشرات الآلاف من مؤيدي الرئيس وقادة الطبقة العاملة إلى أسوأ مذبحة في تاريخ الانقلابات الأميركية عبر العالم. هزيمة مذلّة للتجربة اليساريّة النبيلة، دفعت بشيوعيي أوروبا إلى التعقّل والتخلّي عن مبدأ الثورة الاشتراكية، رغم أنّها كانت ـــــ وفق التحليل الماركسي ـــــ هزيمة محتّمة منذ اليوم الأوّل، تنتظر نهايتها بالنظر إلى الخلل النظري الرئيس الذي رافق التجربة منذ يومها الأوّل، سواء من طرف الرئيس الشهيد وحزبه الاشتراكي، أم من طرف حلفائه الشيوعيين التشيليين.

الأدوار، التي لعبتها الاستخبارات المركزية الأميركية والنخبة التشيليّة وصبيان شيكاغو (تلاميذ ميلتون فريدمان رائد الفكر الاقتصادي النيوليبرالي) والجيش التشيلي، في تنفيذ الانقلاب الدامي يوم أيلول / 11 سبتمبر 1973، وإسقاط الحكومة التشيليّة الشرعيّة المنتخبة باغتيال رئيسها سيلفادور ألليندي، وذبح رفاقِه، وتالياً انتقال السلطة عنوة إلى الجنرال الفاسد أوغست بينوشيه، كلّها صارت معروفة وموثَّقة ولا طاقة لأحد من المنتصرين أو حتى الخاسرين على إنكارها. لكنّ هناك اتّجاهاً عامّاً عند اليسار العالمي ـــــ المعتاد أبداً على تجرّع الهزائم ـــــ للاكتفاء عند مرور الذكرى الحزينة، بلعن الإمبريالية الأميركية وأذنابها، ومسح التجربة اليسارية القصيرة لحكومة «الوحدة الشعبية» (1970 ـــــ 1973) بلمسة رومانسية الطابع، ورثاء الشعب التشيلي الذي وقع بعدها ضحيّة لواحدة من أقسى تجارب النيوليبرالية، على نحو ما زالت تعاني منه البلاد بنيوياً بعد نصف قرن. هذه النظرة التبسيطية الثنائية الألوان ـــــ أبيض أسود ـــــ تُبقي فكرة العدالة الاشتراكية محتجزة في حيّز اليوتوبيا غير القابلة للتحقّق في هذا العالم، وتضيّع من أيدي الشعوب المضطهدة دروساً حقيقية وثمينة في تأسيس الدول، دفع رفاقنا في تشيلي ثمنها دماءً غزيرة.
الحقيقة بالطبع أعقد من ذلك بكثير. وهناك جانب طبقي مهم لديناميكيّة الثورة والثورة المضادة وأدوار مختلف الطبقات الاجتماعية في الصراع، منذ ما قبل عهد ألليندي وأثناءه وبعده، وتلك أبعاد لا ينبغي إهمالها قط في أيّ محاولة لفهم المناخ الذي أتاح للأميركي ممارسة دوره التقليدي في تنظيف حديقته الخلفية من المشاغبين. والأهم من ذلك، قراءة مواضع الخلل النظري الفادح في منهجيّة الرئيس ألليندي، والرمادية التي حكمت أداء الحزب الشيوعي التشيلي وأحزاب اليسار، عموماً، فكانت في محصّلتها خيانة تامّة لنضالات الطبقة العاملة، والتزاماً ـــــ غير مبرّر ماركسيّاً ـــــ بقواعد لعبة البرلمانات البرجوازية، في الوقت الذي تشحذ الرجعية التشيلية فيه السكاكين للذبح، وتعمل وفق خطة متدحرجة ـــــ بالتنسيق الوثيق مع الأميركي ـــــ لإنهاء التجربة كلّها بمحض العنف المطلق.
انتخاب ألليندي، في أيلول / سبتمبر 1970، كان محصّلة تراكمية لتنامي الغضب والوعي في صفوف السكان الأصليين والفلّاحين والطبقة العاملة التشيلية عموماً، ولا سيّما بعدما لم تفِ حكومة الديمقراطيين المسيحيين اليمينيّة بوعودها إصلاح نظام ملكية الأراضي ـــــ التي تركّزت تاريخيّاً في أيدي حفنة ملّاكٍ كبار. ولذا، شهدت سنتا 1968 و1969 موجة واسعة من الاحتجاجات المطلبيّة (قادها الطلّاب) والإضرابات (العمّال) واحتلالات الأراضي (الفلاحون) تعاظمت بداية عام 1970، الذي شهدت الأشهر الأولى منه قبل فوز ألليندي بالرئاسة أكثر من 5000 إضراب على امتداد تشيلي. هذا الغضب المتراكم والوعي الطبقي المتصاعد، منحا اتحادات العمّال والأحزاب اليسارية شعبيّة متزايدة، سمحت لها بتشكيل كتلة عريضة بقيادة سيلفادور ألليندي تحدّت هيمنة اليمين الرجعي التشيلي على السلطة، على أساس برنامج طموح ــــــ تضمّن تأميم صناعة النحاس أهم صناعات البلاد، وإعادة توزيع ملكيّة الأراضي، وتوسيع القطاع العام وتحسين مستوى المعيشة وإنهاء حالة الخضوع للهيمنة الأميركية ــــــ ودفعت الطبقة العاملة للانخراط بكثافة بالعملية الانتخابية، فكان انتصار 4 أيلول / سبتمبر التاريخي. لكن ما لم تدركه تلك الطبقة حينها، ولا يعرفه الكثيرون اليوم، أنّ الرئيس المنتخب كان وقّع اتفاقاً سرّياً مكتوباً مع الديمقراطيين المسيحيين، يسمحون له فيه بتولّي السلطة شريطة منحهم ضمانات بعدم المساس بأعمدة الدولة البرجوازية: الجيش والشرطة والتعليم والإعلام، فيما كانت خطاباته العلنيّة تقول شيئاً آخر عن بزوغ فجر «قوّة الشعب». وفي الحقيقة، كانت تلك المساحات الأربة تحديداً أدوات النخبة للشروع في خطتها لاستعادة السلطة، فلم تتأخّر عن تهريب رؤوس الأموال من البلاد، والتلاعب بالمواد الأساسية، وحاولت الشركات العابرة الجنسية التي تمتلك مصالح النحاس وقف تصديره، وتم التنسيق مع الجانب الأميركي لوقف كلّ التعاون مع تشيلي، باستثناء المؤسّسة العسكرية والأمنيّة، ومنتجات شركة «ديزني» ــــــ التي أغرقت أطفال البلاد بمواد تزييف الوعي الموجّهة لصغار السن.

ما لا يعرفه الكثيرون أنّ الرئيس المنتخب كان وقّع اتفاقاً سرّياً مكتوباً مع الديمقراطيين المسيحيين منحهم فيه ضمانات


ومع ذلك، فإنّ حكومة ألليندي نفّذت حزمة واسعة من الإصلاحات التي كانت قانونياً ضمن صلاحياتها، لكنّها لم تكن مشروعاً اشتراكياً حقيقياً، فبقِي الاقتصاد مختلط الطابع، ولم تُمس رؤوس الأموال الكبرى، وعمدت إلى محاولة تعديل كفّة التوازن بين الطبقات عبر تقوية مؤسسات القطاع العام والتقليل من الاعتماد على قطاع التعدين، ودعم الزراعة الحديثة والتصنيع. وحتى عندما زار الزعيم الكوبي فيدل كاسترو سانتياغو، وهنّأ ألليندي على نجاحه في تسلّم السلطة ـــــ بوسائل سلميّة عبر صندوق الاقتراع والديمقراطية البرلمانية، فإنّ اليمين الرجعي لم يشعر بالتهديد على الإطلاق وكان مرتاحاً لالتزام حكومة اليسار بشروط اللعبة لدرجة أنّه شرع (نهاية) عام 1971، في إطلاق موجة احتجاجات متتابعة بدأت في تشرين الثاني / نوفمبر بمسيرة لسيدات البيوت البرجوازيّات (وخادماتهن)، وهنّ يقرعن الطناجر والمواعين الفارغة ــــــ على الرغم من أنّ المعاناة الحقيقية من شحّ الأصناف وارتفاع الأسعار، كانت من نصيب الطبقة العاملة وكنتيجة مباشرة لسلوك مصالح التجارة والأعمال التي كانت بيد الطبقة البرجوازيّة. وبدلاً من الضرب بحديد على يد تلك المصالح، اكتفت حكومة ألليندي بتأسيس لجان لتوزيع المواد الأساسية في الأحياء، وتجاهلت كذلك التعاون العسكري المتصاعد بين الجيش التشيلي ونظيره الأميركي، وأعمال التطهير المتلاحقة في المؤسّسات الأمنيّة ضدّ المتعاطفين مع اليسار.
ضعف استجابة الحكومة لاستفزازات اليمين، منح الأخير مزيداً من الثقة لتصعيد المعركة، فحُجبت الثقة في البرلمان عن وزير الداخلية ـــــ اليساري، وعُرقلت مشاريع التأميم، وشنّت وسائل الإعلام حرباً لاذعة ضد ألليندي وفريقه، ودعت علناً لإسقاط نظامه. وقد تعرّضت قيادات الوحدة الشعبية، طوال أشهر، إلى ضغط شديد من قواعدها الشعبيّة لتحجيم اليمين واستكمال التحوّل الجذري نحو الاشتراكية، لكنّ القيادات كانت ملتزمة بتجنّب المواجهة مع اليمين، واستخدام الوسائل السلميّة والديمقراطيّة في إطار القانون. ولذا، عقدت الكوادر العمّالية والشعبية مؤتمراً لها، منتصف عام 1971، واعتبرت إنجازات حكومة «الوحدة الشعبية» شكليّة، ولا تمس بأسس هيكليّة القوة في البلاد، ودعتها إلى تأسيس سلطة جديدة حقيقيّة للعمّال، لكن من دون فائدة. لقد كان ألليندي برلماني الهوى، وقَبِل اللعب داخل الخطوط الحمراء التي وقّع عليها، فيما دفعت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الجماهير إلى الامتناع عن العنف وإدارة الخد الآخر، عند تلقّي صفعة من قبل الطرف الآخر.
نقطة التحوّل حدثت في تشرين الأول / أكتوبر 1972، عندما امتنع مالكو شاحنات النقل عن العمل ــــــ بإيحاء من صقور اليمين ــــــ وأغلقوا بشاحناتهم طرقات رئيسة، ونشروا مسلّحين لمنع مصادرتها. وقتها، كانت استجابة ألليندي محاولة الضغط على هؤلاء من خلال القانون. لكن صبر الطبقة العاملة والفلّاحين كان قد نفِد بالفعل، ولم ينتظروا بهلوانيات ألليندي، فسيطروا على الشاحنات، وحطّموا بوابات محالّ السوبرماركت التي أوقفت أعمالها، وألقوا بأصحاب المصانع التي قرّرت التوقف عن الإنتاج إلى قارعة الطريق، واستأنفوا تشغيل الماكينات. كانت تلك حالة ثوريّة مكتملة وفق المنطق اللينيني: فالطبقة العاملة لم تعد تقبل بعدها بالأوضاع القائمة، أو الخضوع لهيمنة النخبة، وشرعت بتشكيل مجالس ثورية (على نسق سوفيتيات روسيا 1917، سميّت في تشيلي «كوردونز») وأصدرت، لاحقاً، صحيفة «المهمّة العاجلة» للتعبير عن مواقفها. ألليندي وحكومته في مواجهة القوّة الشعبية الصاعدة، اختار مجدداً الحفاظ على تعهّداته للديمقراطيين المسيحيين، والاستمرار في الحكم ضمن أطر الدولة البرجوازية، فاستدعى الجيش لإعادة فرض النظام، ودعم نفوذ الاتحادات العمالية في مواجهة نشطاء الـ«كوردونز».
ومع ذلك، فإنّ الطبقة العاملة كانت لا تزال موهومة بماركسيّة ألليندي المزعومة، وهكذا شهدت انتخابات آذار / مارس 1973 حصول تحالف «الوحدة الشعبيّة» على أكثر من 50% من مجموع الأصوات في البرلمان (مقارنة بـ36% سابقاً)، ما منح حكومة ألليندي تفويضاً شعبياً وبرلمانياً لفرض تغييرات حقيقيّة. لكن تلك الحكومة ــــــ وتحديداً أطرافها الشيوعي والاشتراكي ـــــ كانت مصابة بالشلل الإرادي في مواجهة اليمين، وعملت بلا كلل على تفكيك كوردونات الطبقة العاملة ومكافحة دعواتها للتسلّح والاستعداد للدفاع الذاتي. بل وشرع الحزب الشيوعي في نشر كثيف لبوسترات تحمل نداءات مثل «لا للعنف: لا من اليمين ولا من اليسار». لكن كلّما زاد تردّد ألليندي وحلفائه وضعفهم في مواجهة اليمين، زاد صلف الأخير واستمرّ في التصعيد. لقد كانت الطبقة الوسطى قد أحسّت بالخطر من ملمح القوّة في ثورية الطبقة العاملة وسعيها الصريح لتعديل ميزان القوى، ولذا فقد رفضت غصن الزيتون الذي لوّح به ألليندي من خلال مشروعه لدولة وطنيّة عابرة للطبقات، وانخرطت بقضّها وقضيضها في حرب النخبة المضادة للتجربة المعنونة بالاشتراكية، فسيطرت تظاهراتها الاستفزازية على الشوارع، وتعرّضت لليساريين بالإيذاء، وقدّمت أبناءها جنوداً للخطة التي كانت تحبكها الاستخبارات المركزية الأميركية لإسقاط النظام بالقوّة ومنع تحوّله إلى مصدر إلهام لشعوب أخرى في أميركا اللاتينية والعالم. ولذا، عندما بدأ الجنرال بينوشيه بتنفيذ انقلابه، كان زعران الطبقة الوسطى شركاء العسكر في أعمال العنف الدامي ضد اليساريين وقيادات الطبقة العاملة، فخطفوا وعذّبوا وقتلوا بقسوة وتشفٍّ بلا محاكمات وفق قوائم مُعدّة مسبقاً، ما أسفر خلال أقل من سنة عن سقوط ما بين 30 ـــــ 50 ألف قتيل، عدا عن عشرات آلاف المفقودين والمغيّبين والمنفيّين، ومُسحت طبقة كاملة من الكوادر السياسية والفكرية والثقافية والنقابية المنحازة لليسار.
سقوط التجربة التشيلية، واستشهاد الرئيس ألليندي بعد رفضه تسليم السلطة للانقلابيين واعتصامه بالقصر الجمهوري مع ثلّة صغيرة من رفاقه، كان ذلك حدثاً تراجيدياً ورمزياً من دون شك، ودفع الأحزاب الشيوعية في أوروبا ــــــ إيطاليا وفرنسا مثلاً ــــــ إلى نبذ المشروع الثوري الاشتراكي لمصلحة سياسات واقعية عملية، تسعى إلى استقطاب الطبقة الوسطى البرجوازية، والانخراط في تحالفات مع اليمين للوصول إلى السلطة، عبر صناديق الاقتراع ولعبة البرلمانات، وتجنّب العداء المباشر للإمبراطورية الأميركية.
لكن الحقيقة، أنّ التجربة لم تُقرأ كما يجب، إذ أنّ تجربة تشيلي 1970 ــــ 1973، تشير إلى أنّ الطبقة العاملة يمكنها بالفعل امتلاك أدوات القوة، وأنّها وحدها قادرة على تأسيس ديمقراطية حقيقية إلى أقصى الحدود الممكنة إنسانياً، وأنّ الطبقة الحاكمة لا يمكن أن تتخلّى مُطلقاً عن امتيازاتها بسهولة، وأنّها في لحظة الحقيقة، ليست معنية لا بالديمقراطية ولا بالعدالة، وفي حمايتها لمصالحها مستعدّة للتحالف ضد الوطن والفقراء مع الشيطان نفسه، وأنّ أفضل جنودها دائماً الطبقة الوسطى البرجوازية، التي يَسْهُل استعداؤها ضد الطبقات الشعبيّة، بتصوير المشروع الوطني عبر أدوات السياسة والإعلام والتعليم تهديداً وجودياً لها. وفوق ذلك كلّه عداء الإمبريالية الأميركية السرمدي لكلّ محاولة استقلالية عبر العالم سيّان، إن جاءت بالعنف الثوري أو بالديمقراطية البرلمانية. لقد كان ماركس واضحاً بشأن ذلك قبل مئة عام من انقلاب 1973، فعندما تتعرّض الطبقة المهيمنة للتهديد من قبل وعي ثوري متصاعد، لا يكون على الأجندة التاريخية وقتها سوى طريقين لا ثالث لهما: الاشتراكية ـــــ التامّة الصريحة من دون رماديّات ـــــ أو البربريّة. لقد فشل مشروع رفاقنا لتأسيس اشتراكية حقيقيّة في تشيلي، فكان انتصار البربريّة محتّماً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا