مع كل جَولة «مصالحة فصائليّة» بين حركتَي «فتح» و«حماس»، برعاية أجهزة المخابرات العربيّة، وتحت عباءة النظام العربي الرجعي، منذ مكة المُكرمة أو في الدوحة والقاهرة، يَغتبط المسؤول الفلسطيني التقليدي الذي يبحث عن دور وسوق لبضاعته الفاسدة في مزاد السياسة العربية، ويُداوم على شاشات التلفزة، يقفز بين قنوات المحاور في الإقليم، ويجدها فرصة يَلتقط بعض الصور ويفَقع خطابات وتصريحات مُكررة ويشتري ويبيع المزيد من الوهم والعبث. اليوم، مثل الأمس، صار يُكثر في الحديث عن «الوحدة والمصالحة» و«المرحلة الجديدة» و«النوايا الصادقة»، ومعه يستنفر مثقف مأجور، وظيفته إشاعة الأوهام وهو يرفع «مقام السيّد الرئيس» عرّاب اتفاق أوسلو الخياني إلى مَرتبة الأنبياء والأولياء الصالحين!

ويُصدّق البعض الطيّب من جماهير شعبنا، مثل كل مرّة، كذبة «المصالحة الفلسطينيّة» لأنه يريد أن يُصدق، مع ذلك، علينا دائماً التفريق بين المُضلِّلين والمُضَلَّلين. بين من يستهلك الوهم وبين من يصنعه عن قصد، فلا تلوم من يريد الخلاص من الغرق ولو تعلّق بقشة بائسة. ويظل أصل المشكلة الأكبر في المُضَلِّلين وصنّاع الوهم من جماعة البزنس والسلام الاقتصادي مع العدو وأشباه أبو الخيزران.
لو عُدنا، عزيزي القارئ، إلى جولات المصالحة والمهرجانات الفلسطينية الكثيرة التي عَقدها فريق أوسلو والفصائل الفلسطينية، على مدار الأعوام العشرين الماضية، نجد أن ما جرى في رام الله وبيروت، قبل أيام قليلة، ليس إلّا حفلة ونسخة طبق الأصل عمّا سبقها من مهرجانات الغثاء واللغو والخطابات الزائفة، التي لا تسِرّ صديقاً ولا تغيظ عدواً، وهذا مشهد فلسطيني بائس يفضح أكثر مما يَستر. فلم يتغيّر في الصورة إلا المزيد من الانكشاف وتعرية واقع مهترئ ينخره سوس الفساد وزواحف الهزيمة.

■ ■ ■

غير أنّ حال الثوار والأسرى والأسيرات وكوادر المقاومة، وقبلهم الجماهير الشعبية الفلسطينية المناضِلة، لا يُشبه حال مَن جَمعَهم محمود عبّاس في بيروت ورام الله المُحتلّة. فالجماهير المُعذَّبة داخل وخارج الوطن تتوجّس وتراقب المشهد الفلسطيني وتعرف تناقضاته، لا تصدق ولا تحتفل كما يفعل أبو مازن و«القادة الكبار» من أمثاله. والسبب في ذلك بسيط: لأنّ الطبقات الشعبية الفلسطينية تُدرك في أعماقها، وعبر تجربتها الطويلة والمريرة، أنّ هذه مُجرّد مسرحيّة مُكرّرة من النوع الرخيص جداً، لقد سبق أن شاهدت مثلها، أكثر من مرّة وفي أكثر من عاصمة عربيّة. هذه الجماهير لسان حالها يقول: لم تَشفَع لهم مكّة المُكرّمة (المحتلّة) ولا قبر الرسول، ولن تشفع لهم بيروت المنهكة وهي تمسح عن ثوبها غبار الانفجار!
■ ■ ■

يَبتسم أحمد المجدلاني عضو اللجنة التنفيذية في «منظمة التحرير الفلسطينية»، وهو أحد «الأُمناء العامّين» وزعيم فصيل هُلامي ووهمي لا دور له في مقاومة الاحتلال، يلقي خطاباً هو الآخر عن «الوحدة ومواجهة التطبيع». والمجدلاني هذا هو ذاته الضيف الدائم في مؤتمر هرتسيليا الصهيوني، وأحد المُحرِّضين على المقاومة وفرض العقوبات على شعبنا في قطاع غزّة. صار هو الآخر أحد «صُنّاع اللحظة التاريخية» في مهرجان رام الله المحتلّة؟!

يا للعار!
ويحضر المدعو محمد مدني أيضاً، هذا «الأخ» عضو في اللجنة المركزية لحركة «فتح» ومسؤول لجنة التطبيع مع المجتمع الإسرائيلي في «منظمة التحرير الفلسطينية»، لا شغل له إلا دعوة قادة الأحزاب الصهيونية وعقد الولائم لهم في مقر المقاطعة في رام الله، والتواصل مع أجهزة ومؤسسات وأحزاب العدوّ.
من الطبيعي، إذن، ألا يحضر شباب وصبايا فلسطين، ومن يتصدّون يومياً للاحتلال والمستعمرين ويقاومون مشاريع التطبيع، فالقانون ذاته، واضح لا لبس فيه: حين يغيب الشعب تحضر السلطة، والعكس صحيح. وكيف يمكن لمن يُقدِّمون تقاريرهم الشهريّة إلى وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية (سي آي إيه) من أمثال ماجد فرج وحسين الشيخ، أن يكونوا صُنّاعاً للوحدة الوطنية؟!
إنّ الكُتلة الشعبية الفلسطينيّة الكبيرة في الوطن والشتات مُوحّدة، ولا يمكن لها أن تنقسم أصلاً، وتعرف ماذا تريد. أما قوى السلطة والمنظمة، فهي المنقسمة على نفسها. ولو ذَهبتَ الآن إلى أحد مُخيماتنا وقرانا وسألت الناس عن الطريق إلى التحرير سيقولون لك، في أقل من ساعة واحدة ماهية الاستراتيجية المطلوبة لتحرير فلسطين في لغة بسيطة لن ينقصها العمق ولا الوضوح.
الناس الذن يكتوون على مدار الساعة بنار الاستعمار الصهيوني والمنافي والحصار والاعتقالات والسجون هم الذين يعرفون، هم أصحاب التجربة الكفاحيّة، وأصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير والتحرير، لكن هؤلاء البشر الفقراء في شاتيلا وعين الحلوة وجباليا والبقعة واليرموك والدهيشة والجلزون وغيرها لن يحضروا «المهرجان» لأنّ رأيهم ليس مُهماً، ولا حتى مَطلوباً. ولا أحد من القبائل الفلسطينية يرغب في سماع صوت اللاجئين (هذا شعور متبادل على أيّ حال) المُهم أن يصغي الجمهور عبر شاشة التلفزة إلى ذاك «المناضل» العضو في برلمان العدو الصهيوني، محمد بركة، الذي وصل للتو من مقر «الكنيست» إلى مؤتمر السلطة والفصائل ليخطب فينا هو الآخر عن الوحدة ومقاومة مشاريع التصفية والتطبيع!
العدو الصهيوني لا يخاف من مُصالحة فلسطينية كاذبة ولا تكترث الولايات المتحدة لمجالس «مركزية» و«وطنية» مزوّرة


تناقضات المشهد الفلسطيني لا تنتهي. والهوة آخذة في الاتساع مثل حالة الفُراق بين «فصائل العمل الوطني» وبين الناس، هوة سحيقة صار يصعب ردمها. ويتحدّث مسؤولو الفصائل الفلسطينية، في خطاباتهم، عن الحوار والديموقراطية والمراجعة الشاملة، بينما لا نرى حواراً أو ديموقراطية ومراجعة نصف شاملة داخل أحزابهم. بعضهم يتربّع في موقعه منذ تأسيس حزبه، يجلس في مكانه منذ أكثر من 50 عاماً. وكان الشهيد غسان كنفاني يقول إنّ أحد أسباب هزيمة عام 1967 كان وجود المسؤولين والقيادات العربية في الأحزاب لفترات طويلة، دونما أيّ تجديد أو تبديل قيادي، «بعضهم أقدم من الأرشيف في مكاتبهم»! (انظر ندوة كنفاني، أفكار عن التغيير واللغة العمياء ـــــ دار الندوة بيروت، آذار 1968).
ولو عاد كنفاني، اليوم، وأطلّ على المشهد الفلسطيني الحزين سيُدرك حتماً أنّ الفصائل التي اعتقد يوماً أنها ثورية لا تشبه الأحزاب العربية في عام 1968، وهي قد وصلت اليوم إلى هزيمة وجدار أخير.
أيّ وحدة وطنية هذه التي يمكن إنجازها في لقاءات لا تحضرها وتقرّر فيها المناضلات والمناضلون، ولا يشارك فيها جيل الشباب وطلائع الحركة الطلابية، اجتماعات تُشبه مضافات القرى الفلسطينيّة قبل النكبة! أيّ كذبة عن «حقوق الشعب» يريدنا محمود عبّاس أن نصدّقها، بينما أجهزته الأمنية تعتقل كلّ يوم من يقاوم الاحتلال ويتصدّى للفساد؟
وحين تتحقّق الوحدة الوطنية، فعلاً، وتصبح واقعاً، سوف لن تحتاج إلى دليل ولا آراء واجتهادات حولها، ذلك لأنّ الشعب كلّه سيخرج ويحتفل على طريقته الخاصة، ولم يحدث أن تجسّدت الوحدة الميدانيّة الفلسطينيّة مرّة واحدة في تاريخنا إلا بإرادة وقرار الجماهير الفلسطينية أولاً وعاشراً. فهي وحدها التي تصنع الوحدة الشعبية وتفرضها على الجميع. وهذه هي الحقيقة الباردة التي يجب على قوى المقاومة الفلسطينية استيعابها، لأنّ صوت وقدرة 13 مليوناً تظلّ أهم وأقوى من قدرة 13 فصيلاً أكثرها صارت مكاتب خاوية.

حقيقة ثانية على قوى المقاومة أن تُدركها
لا كثرة السلاح تُخيف العدو الصهيوني، ولا كثرة الكلام وسياسة الحرد تُخيف أميركا. فالصواريخ لا تُحرر الشعوب ولا تُحرر العقول، والسلاح مهما تعاظم شأنه وتراكم لا يُحرر الأرض المحتلة من دون رؤية سياسية فكرية تُرشده إلى الهدف الصحيح، ومن دون جبهة وطنية موحّدة ترى كلّ الشعب وكلّ الحقوق. ونسأل: هل هناك رؤية وطنية فلسطينية تجمع قوى المقاومة الفلسطينية في جبهة هدفها التحرير والعودة؟ أم أنّ ما يجري هو محاولة فاشلة سلفاً للجمع بين نقيضين، بين السلطة والمقاومة، بين الوهم والحقيقة، بين التحرير والدولة، في عملية مستحيلة تُشبه جَمع الماء والنار. وهذه وَصفة للعبث والخراب والتنازلات (لصالح الاحتلال وفريق أوسلو) وتكراراً للتجارب الفاشلة.
قوة الجبهة الداخليّة الفلسطينية أهم وأقوى من كلّ الصواريخ. باكستان يا طويل العمر تملك قنابل نووية، ولكن ما قيمة كل هذا السلاح في معايير القوة الحقيقية ومعنى القرار المستقل والتقدم الحضاري والعلمي ونظام والصحة والتعليم في دولة باكستان النووية؟ صفر كبير. وينسحب الأمر ذاته على غريمتها وجارتها الهند، حيث يعيش 700 مليون فقير وفقيرة تحت خطّ الجوع في أكبر كذبة تُسمى «أكبر ديموقراطيات العالم» تحكمها عصابة صغيرة من اليمين الفاشي المتصهين في نيودلهي!
الشعوب لا تُقاتل من أجل سلطة أو دولة، هل سمِعتُم عن شعب تحرّر من العبودية والاستعمار وقيود الاستغلال، لأنّه صارت لديه حكومة وبرلمان وعلم ونشيد؟
يُكرر رئيس سلطة الحكم الذاتي محمود عبّاس مقولته إنّ «فلسطين هي آخر أرض مُحتلة في العالم»، يقصد الضفة والقطاع بالطبع، وليس فلسطين المحتلّة التي نعرفها. وقد قالها من على منبر الأمم المتحدة، فالجهبذ الفطين، عبّاس، لا يعرف أنّ نصف الكوكب أرضٌ مُحتلّة، وأنّ شعوباً كثيرة سوف تلعنه لأنها لا تزال تقاتل وتموت كلّ يوم من أجل تحرير أرضها والخلاص من الاستعمار والاحتلال والهيمنة الأجنبيّة.
نعم، العدو الصهيوني لا يخاف من مُصالحة فلسطينية كاذبة، ولا تكترث الولايات المتحدة لمجالس «مركزية» و«وطنية» مزوّرة، هندسها فريق أوسلو على مقاس رئيسه، بل إنّ أميركا تتواسط له عند الكيان الصهيوني كي يمنح تصريح انعقاد هذه المجالس أصلاً.
إنّ ما يُرعب الكيان الصهيوني حقاً، هو وجود قيادة فلسطينية تحترم شعبها وتصون كرامته وتقطع تماماً مع قوى سلطة أوسلو العميلة، وتُرعبه قبضات فلسطينيّة قويّة تقف خلف سلاحها، تُخيفه رؤية علمية وثورية تعرف الطريق إلى الهدف، وقيادة شابة موثوقة تعرف مَن ولماذا وكيف ومتى وأين تقاتل، أي إعادة خلق تلك الحالة التي كان يُسميها الشهيد الأديب غسان كنفاني: وحدة البنادق والإرادة الثورية المُقاتلة... أي وحدة الثوار لا وحدة التجّار وسماسرة السياسة، وحدة الحركة الوطنية وكل فئات الشعب لا وحدة القبائل والعشائر التي كلما انقسمت ــــــ أو تصالحت ــــــ أحالت القضيّة العربيّة الكُبرى إلى شظايا وصارت تمشي معاً، مُوحّدة ولكن إلى الخلف دُرّ!

* كاتب فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا