مِن عجائب النظام اللبناني الطائفي الفاسد، أن يطلعَ عليك رؤساء السلطات الدينيّة (الفاسدة بغالبيتها) بآراء في السياسة، الداخليّة والخارجيّة على حدّ سواء. وهذه السمة كانت من احتكار زعماء الطوائف الثلاث «الكبرى»، لكنّ المطران الانعزالي، الياس عودة، انضمّ إلى المجموعة، وباتت عظاته نسخة متكرّرة عن صفحات الرأي في جريدة «الشرق الأوسط» السعودية. لعلّه يظنّ أنّه بذلك يُعلي شأن الطائفة الأرثوذكسيّة. لا تستطيع مثلاً أن تتصوّر رأس السلطة الدينية الدرزية أو العلويّة يُدلي بالآراء السياسيّة المُجاهِرة، في السياسات الداخلية أو الخارجية. هؤلاء يجب أن يكونوا قدوة في النأي عن اقتراح سياسات للدولة، لكنّ صفاقة البطريركية الماورنية لا تعادلها صفاقة بين كلّ المؤسّسات الدينية، على سوئها وفسادها.

البطريركية المارونية عريقة في تبعيّتها للغرب الاستعماري، وفي التحالف مع الصهيونيّة حتى قبل إنشاء الكيان. فالانصياع لمصالح دول الغرب والترويج لسياسات وعقائد معادية لمصالح شعوب المنطقة، ليس جديداً على البطريركية التي كانت عوناً للاستعمار الغربي، والتي نبذت الشجاع أمين الريحاني لأنّه انتقد الاستعمار الفرنسي. نهَرَ البطريرك بطرس عريضة الريحاني في حضرته وقال له: «إنّي فهمتُ ممّا ورد في خطابكم من إشارة إلى الأجنبي أنّكم تقصدون الفرنسيّين، بيدَ أنّ الفرنسيّين كانوا ولا يزالون أصحابنا وقد خدموا لبنان خدمات جليلة ونفعونا نفعاً جزيلاً» («المعرض»، كانون الثاني/ يناير 1932). كذلك، سبق للبطريركية نفسها، أن نبذت جبران خليل جبران، ثمّ محت كلّ تنديدها به بعدما حوّلته إلى طائفي فينيقي، كما أنّ مجلّة الاستشراق اليسوعي، «المشرق»، كانت قد وصفت أمين الريحاني بـ«محمد علي الريحاني»، ومحمد علي إهانة في الاستشراق الكنسي.
إنّ آخر من يحقّ لهم النطق في السيادة وسياسة لبنان الخارجية هم الذين اعتلوا سدّة البطريركية، باستثناء البطريرك خريش الذي نُبذ من قبل الفريق الانعزالي بسبب معاداته لإسرائيل بحكم معايشته لنكبة فلسطين، عندما كان في حيفا. البطريرك الراعي ينهلُ من تراث الارتهان الكنَسي للاستعمار الغربي، وهذا الارتهان مثّله المطران نقولا مراد في رسالة إلى الحكومة الفرنسيّة، في عام 1844، والتي استهلّها بالقول لملك فرنسا: «نحن عبيد جلالتكم» (فيليب وفريد الخازن، «المحررات السياسية»، ج1، ص. 128). يريدنا البطريرك الراعي، من خلال دعوته إلى الحياد المشبوه، أن نكون عبيداً لإسرائيل ويريد، مرة ثانية، أن يجعل جنوب لبنان مرتَعاً لجيش الاحتلال الإسرائيلي، لكن هيهات.
عندما طلَعَ علينا البطريرك الراعي بمشروع «الحياد»، أتى ذلك في سياق حملة بروباغندا أميركية ـــــــ إسرائيلية لا مثيلَ لها، وهي اليوم، تفوق الحملة التي أعقبت اغتيال الحريري. وبراءة مشروع الراعي تنقصُ عندما تتذكّر كيف أنه زارَ دولة الاحتلال، في عام 2014، في ظلّ حملة تطبيع خليجي مع دولة الاحتلال، والراعي وثيق الصلة بالنظام السعودي. ولماذا ينسى الناس أنّه هو أيضاً ــــــــ وليس فقط بولا يعقوبيان ــــــــ غطّى على أسر وضرب وركل سعد الحريري في الرياض؟ ولم يسأل أحد الراعي، ولا هو تطوّع بالتصريح، عن ظروف ترتيب الزيارة والمفاوضات مع حكومة العدو لتنظيم حراسته أثناء الزيارة واستقباله على الحدود؟ إلّا إذا كان يريدنا أن نصدّق رواية جوزيف أبو خليل عن زيارته فلسطين المحتّلة، وعن أنّه استقلّ زورق صيد ووجد إسحاق رابين ينتظره على الشاطئ. الراعي قال في البداية، إنّ مشروع الحياد لا علاقة له بالصراع العربي ـــــــ الإسرائيلي، وصدّقه صغار العقول، مع أنّ صهيونية المرمى كانت واضحة منذ البداية. لكنّ اللغز تبدّدَ عندما نشرَ الراعي مشروعه قبل أيام.
الكذبة الكبيرة في طرح الراعي، أنّه بدأ بالإصرار على أن المشروع لا علاقة له بالصراع العربي ـــــــ الإسرائيلي، إلّا أنّ كلّ ثنايا النص تتحدّث عن الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي. وهو محقّ عندما يقول إنّ الحيادَ كان حاضراً كسياسة دفاعية وخارجية يتبعها الكيان اللبناني المسخ، وهو هنا يتحدّث عن عقيدة فؤاد شهاب العسكرية، التي اعتبرت أن الصراع العربي ــــــــ الإسرائيلي لا يعني لبنان، وأنّ على لبنان أن يرسل تطمينات دائمة إلى إسرائيل بهذا الشأن (ولهذا، فإنّ شهاب خدع الدول العربية في حرب فلسطين، عندما تملّص من كلّ الالتزامات ورفض أن تتقدّم قوّات الجيش بعد الوصول إلى المالكيّة). لا، بل يروي لنا الراعي أنّ المُستعمِر الفرنسي نظرَ في إمكانيّة فرض الحياد على لبنان. أي أنّ الراعي يعترف أنّه يستوحي فكرته من المُستعمِر «الذي وجدَ (الدستور السويسري) مناسباً للتركيبة اللبنانية». والمستعمر الفرنسي يعلم عن لبنان ومصلحته أكثر من شعبه. ويكشف الراعي خداعه للشعب اللبناني، عندما يقول إنّ اختيار لبنان لتصنيف الدولة المساندة وليس دولة المواجهة في الجامعة العربية، هو تثبيتٌ لانتهاج الحياد. أي أنّ الراعي شديد الرضى عن السياسات التي قادت لبنان إلى التهلكة.
لكن من حقّنا أن نسأل الراعي: ألستَ أنتَ الزاعم، قبل أسابيع فقط، بأنّ حيادَك لا علاقة له بالصراع العربي ـــــــ الإسرائيلي؟ لو كان حيادك حياداً حيال الصراعات في المنطقة، فلماذا لم تبحثه إلّا مع مسؤولين فرنسيّين وأميركيّين، وليس مع أي مسؤول من المحور المقابل؟
ويقول الراعي إنّ مصر وسوريا والأردن خسرت أراضي، لكن لبنان لم يخسر أراضي. لا يعتبر الراعي أنّ جنوب لبنان هو أرض لبنانية، وأنّ سيادة لبنان بكامله تتعرّض لخرق إذا كان المعتدي هو إسرائيل. هنا الصهيونيّة الصريحة في مشروع الراعي. لم يتوقّف العدو عن خرق سيادة لبنان، عبر أعمال إرهابيّة واغتيالات وتوغّلات واجتياحات عبر العقود، لكنّ الراعي رأى أنّ لبنان بقِيَ في منأى عن خسارة أراضيه. لا يعلم البطريرك أنّ لبنان الرسمي تخلّى عن جنوب لبنان إلى إسرائيل منذ الستينيّات، وأنّ المقاومة الفلسطينيّة البطلة هي التي دافعت عن لبنان، بدلاً من جيش لبنان الانعزالي الطائفي الذي كان يتعاوَن (كما بتنا نعلم من الوثائق الأميركيّة المُفرج عنها) مع جيش الاحتلال، ويُسهِّل له قتله وقصفه (وكان فؤاد شهاب حتى بعد تركه الرئاسة، يوافق على تهديد إسرائيل للبنان بقصفه، كي يزيد لبنان الضغط على المقاومة).
والتاريخ اللبناني المعاصِر يقدّمه البطريرك من وجهة نظر الصهيونيّة فقط. فـ«ثورة 1958» عنده، لم تكن إلّا محاولة من جمال عبد الناصر لضمّ لبنان إلى الوحدة المصرية ـــــــ السورية، وهذه كذبة أخرى صفيقة للراعي. لا، عبد الناصر لم يكن ينوي أبداً ضمّ لبنان، لا بل هو عارَضَ دعوات لبنانيّة من مناصريه لانضمام لبنان، وكان يقول إنّ للبنان وضعَه الخاص. ويتناسى الراعي أنّ الذي دفع لبنان نحو الحرب الأهليّة، في عام 1958، هو محاولة من كميل شمعون لإلحاق لبنان بحلف يمتدّ من تل أبيب إلى واشنطن. هذا غابَ عن عرض الراعي المزيّف. ويظهر المفهوم الصهيوني (المنحاز، أي غيرَ الحيادي) للبطريرك الراعي، عندما اعتبر أنّ «اتفاق القاهرة» تنازَلَ عن سيادة لبنان، بينما كان انطلاق المقاومة الفلسطينية، وأعوانها من اللبنانية، ردة فعل لبنانية سياديّة على تنازل لبنان ـــــــ ومنذ عام 1948 ـــــــ عن سيادته لصالح إسرائيل. المقاومة الفلسطينية حفظت سيادة لبنان أكثر من جيش لبنان قبل عام 1975، وبعده. وعندما يصف البطريرك المنحاز ــــــــ دائماً لإسرائيل ـــــــ أعمال المقاومة، يقول إنها «أعمال عسكريّة ضد إسرائيل». بقِي أن يصف الفلسطينيّين بالمخرّبين، ومن يدري كيف يصفهم في مجالسه الخاصّة. وعندما يذكر احتلال إسرائيل للبنان، يبدأ بعام 1978، لأنّ معاناة أهل الجنوب في السنوات التي سبقت، مِن توغّلات واجتياحات وقصف واعتداءات، لا تعني له، أو قلْ إنها لا تتفق مع سرديّة حياده (وحياد العدو).
ويعتبر البطريرك أنّ كلّ ما وقع في لبنان من حروب ومآسٍ، كان نتيجة «خروج لبنان عن سياسة الحياد»، أي أنّه يقول بصريح العبارة إن اعتداء إسرائيل مُبَرَّر، لأنّ لبنان تخلّى عن الحياد. لا، لبنان تخلّى عن سيادته منذ عام 1948، وهذا سمح لإسرائيل بالتعامل مع لبنان وساكنيه على أنه بلد مُباح. ألا يخرق حياد لبنان أنّ إسرائيل أبلغته في عهد شارل حلو، أنّها ستقصفه إذا ما ركّب مضخّة مياه على نهر الوزّاني، وبالفعل رضخ لبنان وامتنع عن تركيب المضخّة خوفاً من إسرائيل ـــــــ وهذه مذكورة في الأرشيف الأميركي ــــــــ وظلّ الأمر على هذا النحو حتى تحرير لبنان على يد المقاومة، في عام 2000، عندما تجرّأت الدولة اللبنانية واقتربت من تلك المياه؟ كيف سيفسِّر البطريرك ذلك؟ بحسب رؤيته المهادِنة والوديّة لإسرائيل، فإنّه حتماً سيقول إنّ إسرائيل كانت محقّة لأنّ إباحة لبنان وموارده لها هو من واجبات ومتطلّبات الحياد اللبناني الذي ينشده.
لا يدري البطريرك الراعي كم أنّ أعداء مشروعه سُرّوا بنشره لتفاصيل مشروعه للحياد، لأنّه اضطُرّ مرغماً للخروج من الشعارات العامّة والعبارات المبهمة كي يفصّل لنا بنود المشروع ويفصح عن حقيقة مراميه الخطيرة. هو يرى أنّ الحياد يجب أن يكون أيضاً حياداً إزاء «شعوب» المنطقة، وهنا أيضاً يعني انحياز الشعوب إلى حقّ الشعب الفلسطيني. ويقول إنّ ذلك الانحياز عابَ صيغة الشراكة بين المسيحيّين والمسلمين. ثم، عن أيّة شراكة يتحدّث؟ كان لبنان خاضعاً لإرادة زعماء الموارنة حصراً قبل عام 1989 (وكان زعماء المسلمين يرفعون شعار «المشاركة» اعتراضاً على احتكار سلطة القرار من قبل رئيس الجمهوريّة)، وبعد «الطائف» أصبح لبنان خاضعاً لإرادة زعماء المسلمين، فيما يلعب المسيحيّون دور الطرف الثالث، ينحازون للسنّة حيناً أو للشيعة حيناً آخر. هذا البلد الطائفي لم يكن قائماً يوماً على الشراكة، ولن يقوم عليها في ضوء النظام الطائفي.

يصل البطريركإلى جانب خطير حيث يطرح «لبنان محور الاتحاد المتوسّطي». ما هو هذا الاتحاد الذي نحتاج تعريفاً أوضح له؟


ويُطالب البطريرك بإعلان حياد لبنان «كفعل تأسيسي» يشبه فعل تأسيس الاستعمار الفرنسي للبنان. كيف تحاجِج في السيادة والحياد مَن لا يزال يعتبر الاستعمار الفرنسي للبنان حدَثاً مجيداً وعظيماً؟ هل لأنّ الاستعمار أوهَمَه أنّه أضفى عليه مجداً زائفاً؟ والبطريرك في رؤيته للتاريخ، يعود بلبنان القهقرى ويخالف منطق «الميثاق الوطني»، الذي اعتبر أنّ على المسلمين التخلّي عن الوحدة العربيّة مقابل تخلّي المسيحيّين عن التحالف مع الغرب (وهذا الافتراض بطرفيْه طائفي، لأنّه يفترض نوازع وصفات على كل أبناء وبنات الطوائف). لكنه لا يذكر من الميثاق الوطني إلّا منع لبنان من «الذوَبان في الوحدة العربية والإسلامية». هل كانت وحدة عبد الناصر إسلامية، أم كان هو يطرح مفهوماً لا طائفياً للوحدة، أم أنّ البطريرك لا يرى في العروبة الجامعة إلا مشروعاً طائفيّاً فقط لأنّها تهدِّد مشروع الكيان اللبناني الطائفي، والذي بناه المستعمر وتريد إسرائيل أن تحافظ عليه صنواً لنظامها العنصري الطائفي القهري؟
ويريد البطريرك من لبنان أن يعلن حياده، وأن يترافق ذلك مع امتناع أيّ دولة إقليميّة أو دوليّة عن التدخّل في لبنان. هل لبنان يجاور حمَلاً وديعاً كي تقوم دولة الاحتلال بالامتناع عن الاعتداء عليه، بمجرّد أن يعلن حيادَه؟ هذا يذكّر باتفاقيّة 17 أيّار، ومشروع البطريرك إحياءٌ لها، لأنّها افترضت أنّ استسلام لبنان لإسرائيل وعزله عن قضيّة فلسطين، يكفيان كي تصبح إسرائيل مسالمة ومهادِنة ومحبّة للبنان وبنيه.
الطرفة أنّ البطريرك يزعم أنّه يقول بتعزيز القوة العسكريّة للبنان. حسناً، إذا كان جادّاً في قوله، فلماذا لم يدعم مرّة تسليحاً جديّاً للبنان: لا دعمت البطريركيّة ذلك قبل الحرب، ولا بعدها. والمعروف أنّ أميركا هي التي اليوم (كما الأمس) تمنع لبنان من تعزيز قوّته العسكريّة وتفرض ـــــــ من خلال نفوذها في الجيش ـــــــ فيتو على أي هبات يمكن أن تُزعج إسرائيل، وهي لذلك تعطي مساعدات للجيش على أن تحافظ عليه كقوّة شرطة أو جندرمة، لا جيشاً يدافع عن سيادة البلاد. هل يمكن للبطريرك أن يرفع صوته مرّة للاعتراض على الحظر الأميركي على تسليح جدّي للجيش؟ طبعاً لا. كلامه لا يختلف عن كلام 14 آذار: يريدون تجريد مقاومة إسرائيل من سلاحها، تحت شعار تعزيز قوة الجيش، فيصبح لبنان بلا مقاومة ويُسلّم أمن البلاد إلى قوّة الشرطة المعروفة بالجيش اللبناني. هم لا يريدون جيشاً قويّاً ولا مقاومة قويّة، ولا هم يعترضون على إسرائيل قويّة.
وعندما يعدّد البطريرك أسباب النزاعات في تاريخ لبنان المعاصر، فهو يورد العنصر الإسرائيلي أخيراً، ويصفه بـ«ارتداد نشوء دولة إسرائيل»، أي أنّ النشوء (وهو يقول نشوء لا احتلال، كأنّ إسرائيل نشأت مثل دول أخرى، بناء على إرادة السكّان الأصليّين) لم يكن مشكلة بحد ذاته، بل إنّ الارتداد كان مشكلة لأنه تسبّب «بمجيء الفلسطينيّين إليه». ووصف طرد الشعب الفلسطيني عن أرضه بـ«المجيء»، يعطي صورة رحلة طوعيّة قام بها شعب فلسطين من أجل الترفيه، واستطابت له الإقامة في ربوع لبنان، فبقي فيه لأسباب الراحة والرفاهية. حتى مؤرّخو العدو لم يعودوا يتحدّثون عن «مجيء» الشعب الفلسطيني إلى الدوَل المجاورة لفلسطين، بل يقولون طرد الشعب الفلسطيني.
ولا يمكن للراعي، من خلال السرد الانعزالي، إلّا أن يعبر نحو مقولة «حرب الآخرين». يصعب تطبيق هذه النظريّة على اندلاع الحرب الأهليّة وعلى حرب الجبل وحروب الأخوة والأشقاء في المدن والأحياء والأزقّة، لكنّ المقولة ممتازة للذين يريدون إقناع النفس والغير، بأنّ لبنان مثالٌ يُحتذى بين الدول ولم يشوبه إلّا وجود الآخرين (يُعنى به دائماً «الأغراب» من العرب فقط) الذين لوّثوا صفاءه الفينيقي.
ومحاججة البطريرك لحياده ضعيفة للغاية في المشروع، إذ هو يملأ صفحات الورقة بأقوالٍ تقترب من هذه الحجج: أنّ الحياد مفيد لأنّه مفيد، أو هو مفيد لأنّه يفيد الجميع، من دون إعطاء حجج أو أسانيد، فيأتي على طريقة وفسّر الماء من دون جهد بالماء. ويقول البطريرك، مثلاً، إنّ الحياد يحيي الشراكة الوطنية المسيحيّة ــــــــ الإسلاميّة (وهنا يفصح البطريرك عن مفهومه الطائفي للوطنيّة). ويضيف أنّ الحياد يجعل مشاركة جميع «المكوّنات» (لم يكفِ لبنان مفهوم الطائفة والطوائف، فبتنا نستعير مصطلحات الاحتلال الأميركي التي طبّقها على العراق من خلال مصطلح «المكوّنات» الذي كان غائباً عن مفهوم الوطنيّة الجامع للعراق الحديث، قبل احتلال أميركا).
وينسى البطريرك أنّ الوضع اللبناني هو راهن، ولن يستمرّ على ما هو عليه من فرقة مذهبية سنيّة ــــــــ شيعيّة (مزروعة من الخارج). ماذا سيكون عليه الوضع، لو اتفق السنّة والشيعة (في أكثرهم)، كما اتّفقوا في الزمن الناصري، وقرّروا المضي في مشروع الوحدة العربيّة مرّة أخرى، وفي ظروف مختلفة عن حقبة السيطرة الأميركيّة شبه الكليّة في منطقتنا؟ حاوِل أن تطبّق مفهوم الراعي للحياد عبر العودة نحو الماضي إلى زمن الخمسينيّات أو الستينيّات أو السبعينيّات. يكفي أن تفعل ذلك كي تدرك أنّه مستحيل التطبيق، لا بل هو يزيد في الفرقة. هو تماماً يتمثّل في خط كميل شمعون في عام 1958، وفي خط بيار الجميّل في الستينيّات والسبعينيّات. أي أنّ مشروع الراعي وصفة ممتازة للتحضير لحرب أهليّة جديدة. وماذا لو عاد مفهوم العروبة إلى ما كان عليه في زمن عبد الناصر من قوة جامعة مسنودة من الجماهير ومؤيِّدة لتحرير فلسطين، لا كما هي اليوم، أي سياسة سعوديّة متصالحة مع العدو؟ هل يحافظ عندها الراعي وجعجع على ثنائهما للعروبة؟
ثم يملأ الراعي المشروع بكلام محض شاعري، عن أنّ الحياد سيزيد من عبق الأزهار ويزيد من زرقة السماء ويجعل من مياهنا أكثر عذوبة من قبل، «ويساهم في استقرار المنطقة والسلام في العالم». في العالم؟ يكفي أن يعلن لبنان حياده من عدوان واحتلال إسرائيل، كي يعمّ السلام في العالم أجمع؟ ومتى بادل العدو نيّة سلميّة بغير العدوان؟ متى كانت فائدة استسلام الأردن ومصر والإمارات لإسرائيل؟ ألم يزد ذلك من عدوانية النظام المصري نحو جيرانه باستثناء إسرائيل؟ ألم يزد من تحالف الأردن ضد العرب؟ وهل التحالف بين النظام الإماراتي والعدو، إلا على حساب العرب؟
يقول الراعي إنّ الحياد يعزِّز الاقتصاد، ثم يعرض المشروع وصفة قتاليّة لاقتصاد مبنيٍ على السياحة الطبيّة والمصارف (التي أثبتت فعلها وفائدتها هذه السنة). وكيف يكون ذلك إذا كان التنافس حياديّاً بين لبنان وبين إسرائيل ذات القدرات الأكبر، بحكم رعايتها المالية الدائمة من قبل أميركا وحليفاتها في الغرب؟
ويصل البطريرك إلى جانب خطير في مشروعه، حيث يطرح «لبنان محور الاتحاد المتوسّطي». محور الاتحاد المتوسّطي؟ ما هو هذا الاتحاد الذي نحتاج منك تعريفاً أوضح له؟ أليس هذا نسخة بطريركيّة من مشروع الشرق الأوسط الكبير لشمعون بيريز؟ وكيف تطرح فكرة الحياد، ثمّ تعود لتعريف هويّة لبنان بطريقة ملتوية كي تسمح لإسرائيل بالانضواء في اتحاد تتشارك مع لبنان فيه؟ وأين في دستور «الطائف» الذي مررتَ عليه مرور الكرام، يرد كلام عن هويّة متوسطيّة للبنان؟
ويختم البطريرك دعوته المشبوهة بالطلب من «الأسرة العربيّة والدوليّة» أن تتفهّم مطالب لبنان، كما تفهّمت من قبل اتفاقيّة 17 أيار. ولا ينسى في ختام الدعوة، أن يعيد التذكير بأنّ اللاجئين الفلسطينيّين امتلكوا السلاح الثقيل، وحاربوا إسرائيل الوديعة الهانئة المسالمة من الأراضي اللبنانيّة. هذه هي سيرة عدوان واحتلال إسرائيل بحسب البطريرك (ولا ندري إذا كان هذا اللطف نحو إسرائيل هو واحد من بنود المعاهدة السرّية بين الحركة الصهيونيّة وبين البطريركيّة المارونيّة في عام 1946، والتي لا تزال البطريركيّة ترفض الإفراج عنها، ربما لأنّها تعرّضت للتجديد في اتفاقيّات لاحقة وملزمة: ثم هل هذه الاتفاقيات السرّية جزء من حياد بكركي؟) ويناشد البطريرك العالم كي يطرد عن أرض لبنان اللاجئين الفلسطينيّين والسوريّين على حدّ سواء.
إنّ مشروع الحياد، هو محاولة غير ملتبسة للعودة إلى اتفاق 17 أيّار المشؤوم، وطرحه يتزامن مع هجمة أميركيّة ـــــــ إسرائيلية ـــــــ سعوديّة تستهدف ضمّ لبنان إلى معسكر التطبيع مع العدوّ. لكن على البطريرك أن يتذكّر ــــــــ وإن صمت دعاة الدولة المدنيّة الذين لم ينزعجوا من تدخّلات رأس سلطة دينيّة (تحمي رياض سلامة) في سنّ سياسة لبنان الخارجيّة ــــــــ أنّ قوّة معارضة ومقاومة 17 أيّار، هي اليوم أقوى بكثير ممّا كانت عليه. وإذا ساوره شكّ بذلك، فليجُلْ على مدن وقرى مناطق واسعة من لبنان، ويطرح مشروعه عليهم.

* كاتب عربي
(حسابه على «تويتر» [email protected])

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا