زحمة جيوش وطائرات وبوارج وموفدين. غصّت طرقات بيروت بمواكب عربية وأممية وهي تجوب الشوارع، تعاين الأضرار وتُطلق التصريحات وتعلن المواقف. بين الصلافة والجلافة ودموع التماسيح كانت التصريحات تتوالى؛ ومَن غير الغرب لمثل حالات كهذه؟ لقد جاءنا مبكراً المفوض السامي الفرنسي والذي يشغل اليوم رتبة رئيس في بلاده؛ هو ذلك الذي يعاني ضائقة شعبية حدّ الاختناق، جاء ليخبرنا عن عقد اجتماعي جديد ومقدّماً النصح والأوامر، يوبّخ وينهى ويأمر، ومن على درج قصر الصنوبر المحتل منذ قرن من الزمن، راح يكشف حقيقة ما يريده، وبطريقه أظهر هشاشة منظومة سياسية حاكمة في «بلاد الأرز» وبحماية الغرب المستعمر الذي عمل على صنعها. لقد كشف عورتها وتبعيتها وضعف حيلتها، ولم يكن ينقص ذلك المشهد، إلّا بعض أسئلة من صحافة امتهنت التحريض والتضليل، حتى «الضيف»، المزهو بطاووسية مفتعلة، ضاق ذرعاً بها.

هو مشهد بيروت، «المكسور خاطرها»، كان السبب الذي أتي بكل العالم إليها، لكن ليس حباً بها ولا انتصاراً لها؛ لقد جاؤوها بأساطيلهم مراراً وتكراراً، لتنفيذ مخططات السيطرة الغربية، واستكمالها بنزع صفة عاصمة العروبة عنها أولاً، وعاصمة المقاومة ومطلقتها ثانياً، وفروا منها مهزومين. وهم يعاودون الكرّة اليوم، وفي جعبتهم المزيد من التآمر، لنزع صفة المواجهة عن بلد أثبت نجاعة خيار المقاومة فيه بتحرير الأرض وتثبيت المعادلات وفرض المسارات؛ نعم لم تكن هموم الغرب في منطقتنا المحافظة على الأرض لأصحابها والحقوق لأبنائها، وإلّا لماذا كانت سايكس – بيكو، ولماذا كان كل ذلك الدعم اللامتناهي للعدو الصهيوني؟ لم يأتوا، لا بالأمس ولا اليوم كرمى لدموع أطفال ونساء وشيوخ، وليس من أجل دمٍ غالٍ سقط فوق الأرصفة... هم أنفسهم، لطالما منعوا العقاب عن العدو الصهيوني وهو يقتل ويذبح وينفّذ المجازر بحق الشيوخ والنساء والأطفال، وبسلاح غربي وعلى مرأى من جيوشهم وفي مقارها، وكم من مرة أفلت ذلك العدو «الأزعر» من العقاب بسبب فيتواتهم القاتلة والمنحازة.
لم تأتِ أساطيلهم وجيوشهم وحاشيتهم وقادتهم ومندوبوهم كي يثأروا من قاتل مشتبه به، بل أتوا وعلى رؤوس الأشهاد، لبث الفتنة وتأليب الرأي العام، ولنقل الأزمة من مستوى السمسرة السياسية التي يقومون بها إلى مستوى النفاق السياسي الواضح والمعلن: لا يا سيد ماكرون، لست من يأمر وينهى في لبنان، ولست في موقع فرض الرأي أو الموقف أو حتى إسداء النصح، فيا حبذا لو تستمع لأصحاب السترات الصفر في بلدك، فهذا ربما سيكون أجدى لك ولهم، لقد ولّى زمن الانتداب إلى غير رجعة. لا يا سيد هيل، أنت وسفيرة الفتنة التابعة لكم، نذكّركم بفرار المارينز من بيروت إلى عرض البحر مهزومين مرتين، وهم يجرّون أذنابهم وراءهم، وأنت أيضاً لست في موقع من يسدي النصائح ويعطي الأوامر ويحدد شكل الحكومة اللبنانية؛ فدماء جورج فلويد لم تجف بعد عن أرصفة كل المدن الأميركية، وإمبراطورية الشر التي تمثلها، رفضتها وترفضها أكثرية دول العالم جرّاء سياساتها وسلوكياتها الفوقية والقاتلة، وعنصريتها المتوارثة. وللاثنين معاً نقول: لو أن ثمة جزءاً من منظومة سياسية متوارثة في لبنان تجد فيكم الأمل، فيا ليت تأخذونها معكم وأنتم في طريق عودتكم إلى بلادكم.
هو ذاك المشهد السوريالي الذي اختلط فيه نفاق الغرب وتسلّطه مع سفاهة منظومة فاحت رائحتها حدّ الاختناق. هما وجهان لعملة سبكها السبّاك نفسه؛ فما أمدّ بعمر تلك المنظومة المتوارثة منذ إعلان «لبنان الكبير»، هو تبعيّتها وولاؤها للخارج، والذي كان يمدها بصنوف البقاء ومستلزماته، لِمَ لا والنظام السياسي في لبنان ــــــ المستولد من سايكس بيكو ـــــــ والواقع على تصدعات تقسيم المنطقة القائمة على هجين من طوائف ومذاهب وعائلات وبرجوازيات مرتبطة وموروثة جميعها من هياكل بالية ـــــــ لم يكن بأفضل حال؛ فولادته القيصرية لم تكن سهلة، وجمع الأضداد المرتبطة بالمصالح وشبكات من ولاءات متناقضة جعلته دوماً في غرفة الحضانة السريرية منعاً لاختناقه. لقد ألبسوه أنماطاً بوظائف متعددة، فوقع على خطوط التقاطع المتوترة بين موجبات الداخل والاستجابة للخارج. السمة الغالبة له كانت، ومنذ التأسيس، هي عدم الاستقرار من جهة والحاجة إلى الراعي الخارجي من جهة أخرى.

لقد سقط ذلك «الطائف» بسلطته ومشروعه ومنظومته وما يجري اليوم في السلطة وفي الشارع ما هو إلّا الإعلان الصريح عن ذلك السقوط


لم يمتلك هذا «الوليد» أية شخصية مستقلة واضحة أو مكتملة، وما أزماته المتكررة، منذ الولادة وحتى اليوم حيث بلغ من العمر قرناً من الزمن، إلّا المؤشر على العطب الموجود في التكوين وليس في الممارسة؛ لقد وُلد والأزمة تعيش فيه، وما انفجارها المتكرر وبوجوهها المتعددة إلّا نتيجة لطبيعته القائمة على جبل براكين التناقضات الكامنة، والتي يجري تفعيلها دورياً وعند أي استحقاق. أمّا التسويات المتكررة فلم تؤسس بديلاً مختلفاً عن المنتهية صلاحيتها، بل حافظت على الجوهر الأساسي لكينونة النظام، والقائمة على ركيزتين: التحاصص الداخلي بشكليه، الطائفي ــــــ المذهبي والطبقي من جهة والخارجي القائم على الاستتباع من جهة أخرى.
إن دور لبنان المفترض له اليوم، وهو الواقع على حدود القضية القومية وفي قلبها، كان أكبر بكثير من قدراته الذاتية وأعقد من تركيبته السياسية. ومع ذلك، لقد أنتج هذا «اللبنان» مساراً لفهم الصراع الدائر في المنطقة مختلفاً كلياً عن الذي كان سائداً؛ المقاومة المسلحة لفرض إزالة الاحتلال وتحرير الأرض، مناقضاً بذلك مسار المنطقة، الذاهبة نحو سلام مزعوم ومدعوم بأعتى قوة في التاريخ. على ذلك التأسيس الملتبس بين التكوين والوظيفة بُنيّ النظام الجديد، وبخلطة غريبة التركيب صعبة التفاعل بين مكوناتها؛ قدمٌ في الاقتصاد الوظيفي لمشروع افتراضي في المنطقة، وأخرى في المواجهة المستمرة مع المحتل. لم يكن من السهل قط أن يقف البلد على رجليه ويمشي بشكل طبيعي، فلكل واحدة منهما وظيفة مختلفة في الجوهر والطريقة والمقاربة عن الأخرى، وإن كانا يتشاركان المنزل نفسه. لم يستطع ذلك المنزل وبمنازله الكثيرة، أن يؤمن تلك الديمومة التشاركية المفترضة بين موجبات استكمال التحرير وبناء الدولة المنشودة. فكان منطق تلك القضايا يتناقض جوهرياً بعضه مع بعض؛ إذ لا يمكن أن تقوم بمعركة التحرير الوطني ضد الاحتلال المرتبط بمشروع إمبريالي يتوسع في العالم وفي منطقتنا بالذات، وفي الوقت نفسه أن تعمل في الداخل على مسار اقتصادي وبناء هياكل الدولة وفق متطلبات مشاريع وشروطها تُحضّر للمنطقة وهي مناقضة، لا بل متماهية مع مشاريع العدو الذي تقاتله وتدفع الأثمان الغالية في سبيل ذلك.
لقد عجز «الطائف» بتركيبته السياسية والاقتصادية ورعاته الخارجيين عن إدارة البلد. لقد انفجرت تلك التركيبة وكادت تطيح بالمنظومة وبالبلد مرات عديدة، إلّا أن التدخل الخارجي، المتبدلة طبيعته ودوله، كان يدفع باتجاه إحياء التسويات الموقتة، والتي ما كادت تصمد، أو تقف على رجليها، حتى تترنح من جديد. لقد سقط ذلك «الطائف» بسلطته ومشروعه ومنظومته، وما يجري اليوم، في السلطة وفي الشارع ما هو إلّا الإعلان الصريح عن ذلك السقوط. لقد فشل نظام القرن من الزمن من البناء والمحافظة على الكيان، وهذا طبيعي، فالذي أنتجه الاستعمار كان نمطاً تابعاً وبوظائف محددة، واللاعبون المحليون لم يكونوا إلّا الأدوات فيه. وعليه، لماذا لا نطرح، نحن الذين خارج تلك المنظومة، مسألة تسلّم السلطة والسعي لذلك بكل جدّية؟
إن شروط السلطة وآليات تسلمها منوطة بركائز يُفترض تأمينها. وكي لا نقع في فخ التعميم أو ردة الفعل على فعل قائم يجب تحديد تلك الركائز، والتي بجوهرها يجب أن تكون من الموقع النقيض للسائد:
ــــ فك التبعية وكسر الهيمنة: مصطلحان أساسيان يلخصان مساراً مُؤَسِّساً لبناء ركائز ثابتة لنظام سياسي، لا بدّ منهما لرسم مساره، وببعديه السياسي والاقتصادي. فلا قيام لدولة حقيقية من دون كسر منطق الارتهان، بمفاعليه الخارجية وأدواته الداخلية. فالربط بين الأمرين مسلك إجباري وليس اختيارياً أو وجهة نظر، وأيضاً برفض التدخل الخارجي وكسر مشاريعه. وما تلك الأساطيل والجيوش التي ترابط اليوم في البر والبحر اللبنانيين إلّا الصورة الواضحة لمستوى منسوب هذا الاستجلاب السافر لذلك العامل وجعله لاعباً مؤثراً ويكاد يكون وحيداً، في التركيبة الداخلية، لمصلحة مشاريعه الاستعمارية في المنطقة، ولمصلحة أدواته الداخلية.
ـــــ التموضع السياسي: وهو المرتبط بالخيار الأول والناتج من مفاعيل فك الارتباط والتحرر من شروط الهيمنة ومستلزماتها؛ فبناء المشروع السياسي الواضح الأبعاد والقائم على بناء مواجهة مزدوجة بين تدخلات الخارج وتبعية النظام له تصبح منوطة بقوى ثورية لا تلتبس عليها موجبات ذلك الصراع ولا قواه، والتي تؤمن المظلة الداخلية لحماية الخيارات المتخذة في مختلف القضايا والأمور. وعلى ذلك يُبنى المشروع السياسي الواضح؛ من جهة بوجه التدخل وكسر العدوان ومن جهة أخرى من خلال تأمين مصالح أكثرية شعبية مسحوقة بفضل سياسة الريع والاستلاب والاستعباد، التي تمارسها سلطتا رأس المال والمذاهب. إن تثبيت موازين القوى في ذلك الاتجاه يصبح الضمانة، المتكئة إلى أكثرية شعبية واضحة وقادرة والتي ستؤمن الاستمرارية وتضمن الاستقرار.
ــــ بناء الأسس الضامنة: والتي هي البنيان الذي يضمن إدارة نشطة وحيوية لمرافق أساسية في الدولة تضمن نوعاً من الاستقرار طويل الأمد، يرتبط بصيرورة إدارية مرنة ومتطورة، من خارج المصالح الضيقة والزبائنية. هو ذلك المسار الذي ينتظم حوله الحقل العام بكل شروطه ومتطلباته وإمكانيات تطوره وتحديثه، واقتصاد مرن في طبيعته الإنتاجية القائمة على تأمين مستلزمات الحياة الأساسية ومنفتح على الفضاءات القائمة على التكامل مع الدول العربية والصديقة، وتبادل المنافع المشتركة.
مرحلة الفراغ السياسي التي نعيشها اليوم ستطول، وستطول معها معاناة اللبنانيين؛ فبين الانهيار المالي والاقتصادي، والكورونا والانفجار الأخير، واستقالة الحكومة وانسداد الأفق السياسي، وزحمة الخارج وتدخلاته، وإعادة إحياء التوتر الداخلي والاصطفافات السياسية المستحدثة، والفرز الوقح واستغلال المآسي الإنسانية للاستخدام السياسي والمذهبي المشتبه به... إلى آخر إبداعات أهل النظام، أليس ذلك وحده كفيل بفرز الشارع وبوضوح، بين أصحاب المصلحة الحقيقيين وبين متسلقي القضايا من صبيان المنظومة ورعاتها؟ هو سؤال مفتوح على الجميع: النهار يوضح بشمسه الرؤية ويحدد الاتجاهات، فلماذا الإصرار دوماً على اجترار القواعد ذاتها لبناء حالة الاعتراض كي تقدم نفسها ومن موقعها غير الملتبس باتجاه تسلم السلطة من موقع مختلف في جذريته وبرنامج بديل في طروحاته؟

* افتتاحية العدد الأخير من مجلة «النداء»
* عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا