مع بدء العد التنازلي للانتخابات الأميركية، تتعدّد السيناريوات وتكثر التحليلات والاستنتاجات، لما فيها من تأثير على سير أحداث المنطقة والعالم. وعلى الرغم من أنّ السياسات الأميركية الخارجية عادة ما تُحددها الاستراتيجية العليا ولا تنحصر برئيس أو إدارة، إلّا أنّ التجربة الترامبية برهنت أنّ للرئيس القدرة والصلاحية على قيادة البلد والعالم كيفما يشتهي.

تمايزت إدارة دونالد ترامب عن سابقاتها بيمينية عنصرية متطرّفة تجلّت بقرارات تنفيذية صادمة أطاحت بكلّ الجهود المبذولة سابقاً لتخفيض مستويات التوتر عالمياً. نسف ترامب الاتفاق النووي مع إيران، وأعاد الحرب الباردة بين المحوَرين إلى نقطة الصفر، فارضاً عقوبات اقتصادية خانقة بهدف استعادة المبادرة في المفاوضات وتعويض إخفاقات وتنازلات الاتفاق السابق، بحسب رأيه. وبفعله هذا، تمكّن من دفع دول الخليج الحليفة إلى المواجهة مع إيران، مستنسخاً صورة «البعبع» الفارسي، ما استدعى رفع حالة التأهب والاستعداد العسكري في تلك الدول، والذي تُرجِمَ في عقد صفقات أسلحة باهظة الثمن مع أميركا على قاعدة «ادفعوا لنا كي نحميكم».
جاهَرَ ترامب بدعمه المطلق لإسرائيل، ليصبح الفتى المدلَّل لدى رئيس بنيامين نتنياهو، خصوصاً بعدما أهداه الاعتراف المشؤوم بالقدس عاصمة لإسرائيل بتدشينه السفارة الأميركية هناك، ومن ثم توّج هذه العلاقة بابتكاره «صفقة القرن» الأحادية الجانب.
وبالتالي، فإنّ إعادة إنتخاب ترامب ستشكل امتداداً للنهج الجمهوري المحافظ، وفرصة لحصد نتائج ومغانم سياسات الإدارة الحالية عسكرياً واقتصادياً. ستظهر وتتفاقم مفاعيل إنهاء الاتفاق النووي، فحين كانت المنطقة قد بدأت تشهد نوعاً من الاستقرار الحذِر في عهد باراك أوباما، جاء ترامب ليطيح بهذا المجهود الديبلوماسي، ويستبدله بشتى أنواع الضغوط والعقوبات على إيران وسوريا ووكلائهما في المنطقة، وليس آخرها «قانون قيصر». وبالتالي، فإنّ استكمال هذا النهج الجمهوري العدواني تجاه إيران، الذي توّجه الأميركيون عسكرياً باغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، أوائل العام، معطوفاً على سلسلة متواصلة من الافتراءات الأمنية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، سيولّد مزيداً من التوتّر والتصعيد وصولاً الى انفجار محتمل تقوم طهران بالتخطيط والتجهيز له، فهي تحمل في جعبتها الكثير من الحسابات التي تنوي تصفيتها مع أميركا، وقد يكون رادعها الوحيد وصول رئيس يعمل على إعادة إحياء الاتفاق النووي، ويضمن تنفيس الضغط على إيران والتوقّف عن عزلها واستنزافها عسكرياً واقتصادياً.

تمايزت إدارة دونالد ترامب عن سابقاتها بيمينية عنصرية متطرّفة تجلّت بقرارات تنفيذية صادمة


من تهوّرات ترامب، أيضاً، خلال ولايته الأولى، إبرام ما يُسمّى «صفقة القرن»، بمباركة الحلفاء العرب الرئيسيين كالسعودية والإمارات ومصر. ولحسابات تتعلّق بلوجيستيات معيّنة ونتائج الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، تمّ تعليق عملية الضم مقابل التطبيع الرسمي بين إسرائيل والإمارات، أخيراً. ولكن لا يبدو أنه توجد أي نية بالتراجع عن المضي قدماً في تنفيذها، خصوصاً أنّ التجديد لترامب مرهونٌ بدعم مباشر من اللوبي الصهيوني، الذي سينتظر من الحليف الأميركي ردّ الجميل.
من مخرجات الترصد لنتائج الانتخابات الأميركية، أيضاً، التريّث في إشعال الجبهة مع إسرائيل، من خلال وكلاء إيران في لبنان وسوريا تحديداً. فقد راكمت إسرائيل الكثير من الخروقات والاعتداءات على السيادتين السورية واللبنانية التي جوبهت إلى الآن بعمليات «ناعمة» نسبياً، قد تتوسّع لتصبح أكثر ضرراً على العدو، إلا أنّها وُضِعَت حالياً قيد الانتظار كي لا يتم استغلالها انتخابياً في أميركا وإسرائيل.
أما في لبنان، ستُحدد الانتخابات مدى التمادي في سياسة العزل التي تنتهجها الإدارة الحالية، بحق أفراد ومؤسسات تنتمي إلى محور الممانعة، من خلال تضييق الخناق المالي المجحِف، بالإضافة إلى الديبلوماسية الوقحة النابذة للمقاومة وما تمثله، والتي رسّختها السفيرة الأميركية في تصريحاتها الأخيرة وتداعيات تلك السياسات على أي محاولة إنقاذ دولية للوضع الاقتصادي اللبناني.
لا تظننّ أنّ الترويج المستمر في حملات بايدن وترامب الانتخابية للانسحاب العسكري من صراعات المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى العراق والرغبة المزيّفة بإحلال السلام، يعني بالفعل التخلّي عن مطامع الولايات المتحدة في الاستيلاء على ثروات المنطقة أو التوقف عن دعم سياسات العدو الاستعمارية. بل على العكس، فإنّ الانتقال إلى سياسة الحرب عبر الوكلاء تشكّل خطراً أكبر على المنطقة، إذ تتيح لأميركا تنفيذ خططها عن بعد من دون تعريض وجودها العسكري لأي خطر قد يقلب الرأي العام الداخلي عليها. وبالتالي، فإنّ الفارق الوحيد بين السيناريو الديموقراطي والجمهوري، هو كيفية مقاربة طهران لنتائج الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر: إما الدبلوماسية أو الانتقام.

* باحث لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا