لست أدري ماذا كانت مشاعر الرئيس الفرنسي ماكرون وهو يرى «بعض» اللبنانيين يستقبلونه بالدعوة إلى عودة «الانتداب» إلى بلدهم، ألم يذكّره هؤلاء بأولئك «الفرنسيين» الذين تعاونوا مع الاحتلال النازي لبلادهم في الحرب العالمية الثانية، وتنصيبه «البطل التاريخي» ماريشال فيليب بتان بطل الحرب العالمية الأولى، و«أسد فردان» حاكماً لبلادهم؟

ولست أدري بالضبط ماذا كانت مشاعر ماكرون، وهو يسمع هتافات العديد من شباب لبنان المطالبين بإطلاق سراح المناضل جورج إبراهيم عبد الله، الموجود في السجون الفرنسية منذ 36 سنة، رغم انتهاء مدّة محكوميّته، وذلك بناء على أمر من سلطات «الانتداب» الأميركي على باريس والذي يبقى احتجازه كل هذه السنوات دليلاً صارخاً على حجم الفساد، وعدم احترام القانون في الإدارة الفرنسية الخاضعة لأوامر واشنطن.
ولست أدري بالضبط، ما الذي يقصده الرئيس الفرنسي بالدعوة إلى تغيير النظام، وهو مطلب شعبي ووطني لبناني تاريخي منذ أن رفضت غالبية اللبنانيين نظاماً أورثها إياه «الانتداب الفرنسي» الذي أراد لبنان، منذ تأسيسه، كونفدرالية طوائف ومذاهب تتقاسم في ما بينها المناصب والمكاسب وسط صراع لا ينتهي يصل إلى حدّ الاستقواء بالخارج للتغلّب على الفريق الآخر.
يعرف ماكرون، كما يعرف كلّ اللبنانيين ومعهم كلّ شعوب العالم، أنّه طالما كانت توجد في كلّ البلاد التي عرفت الاستعمار أو الاحتلال أو الانتداب أو الحماية أو الوصاية، نماذج لهؤلاء المتنازلين عن استقلال بلدهم وسيادته. ولعلّ في «الحركيين» الجزائريين، الذين خرجوا مع المستعمرين الفرنسيين في الجزائر بعد الاستقلال، النموذج الأوضح على هذه الجماعات. بل يعرف الجميع أيضاً أنّ في كلّ بلدان العالم كنّا نجد مجموعات تستخدم هذا الشعار «البرّاق»، أو ذاك من أجل الاستقواء بالأجنبي لا سيّما الاستقواء بمن كان يستعمرها لضرب شركائها في الوطن ولحماية عملائه الفاسدين والمفسدين.
واللبنانيون لا ينسون أنهم حين كانوا يودّعون العشرات من أبنائهم في طرابلس وصيدا وبشامون، شهداء ضد الاستعمار الفرنسي، كان البعض يدافع عن بقاء الاستعمار.
وهنا، نستعيد مقولة للمفكِّر الجزائري الكبير مالك بن نبي، وهي نظرية «القابلية للاستعمار»، كما نذكر كلاماً لمجاهد جزائري كبير كالرائد سي لخضر بورقعة، الذي قال لمعارضين سوريين زاروا الجزائر في بدايات الحرب اللعينة على بلادهم من أجل الدعوة لتدخّل خارجي ينتصر لـ«الثورة» على النظام في بلادهم، فقال: «إنها المرة الأولى التي أرى فيها ثورة تستدعي الأجنبي لحمايتها، فيما الثورات كلّها كانت تقوم لإخراج المستعمر الأجنبي من بلادها».
بل هنا، أذكر كلاماً للرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات، في أواسط سبعينات القرن الماضي، وفي عزّ الصدام الشهير بين «منظمة التحرير» والحركة الوطنية اللبنانية من جهة، والقيادة السورية من جهة أخرى، حين عرض البعض استدعاء جيش فرنسي كبديل عن الجيش العربي السوري لوقف الحرب في لبنان، فقال: «بسطال الجندي السوري ولا جنّة الجيش الفرنسي...».
التاريخ مليء بأمثلة من هذا النوع، حيث كان الأحرار في كلّ الشعوب يرون في استقلال بلادهم هدفاً يتقدّم على كلّ هدف آخر، بل يعتبرون تحقيقه وحمايته شغلهم الشاغل، ومن كان له رأي آخر كان يسقط على هامش التاريخ.
بالتأكيد، علينا أن لا ننسى أنّ حال الفساد والتواطؤ ومنطق المحاصصة الطائفية والمذهبية الذي لا يكتفي بتقاسم الغنائم، بل يحرّم أيضاً محاسبة الفاسدين ويعتبرهم «خطاً أحمر» لا يمكن النيل منه، تماماً كحال الاستبداد والقهر الذي تعيشه شعوب عديدة في المنطقة والعالم، يدفعان «ببعض» الناس إلى الاستسلام لفكرة الاستعانة بالخارج للخلاص ممّا يعانونه. لكن المشكلة في هؤلاء لا تكمن في ضعف المناعة الوطنية لديهم فقط، بل أيضاً في ضعف القدرة على القراءة السياسية الصحيحة لتداعيات هذا المنطق ونتائجه الفعلية وعمق تجذّر ثقافة الهزيمة في عقولهم وسلوكهم.
لقد شهد لبنان، كما غيره من بلدان المنطقة، تنازلات كبرى لصالح الأعداء، بذريعة الرغبة في العيش بأمان وسلام وازدهار، فماذا كانت النتيجة؟ وهل جاءت المعاهدات مع العدو الإسرائيلي، التي عقدتها بعض القيادات العربية بالسمن والعسل للشعوب التي فرضت عليه، ألم تكن معاهدات السلام والصلح مع العدو تمهيداً لحروب ودماء غزيرة سالت ولا تزال في المنطقة.
هل أدى الانصياع لمشيئة الدول الاستعمارية، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية، إلا إلى التشتّت والانزلاق في حروب مكلفة على كل صعيد، بل إلى الوقوع في أسر إهانات موصوفة تلقّوها من يفترض بهم أن يكونوا حماة لهم (تصريحات دونالد ترامب لحكّام الخليج والجزيرة العربية).
إنّ المشهدين اللذين شهدتهما شوارع العاصمة، بعد الانفجار المشبوه والمشؤوم وخلال زيارة ماكرون، مشهد المطالبين بعودة «الانتداب» ومشهد المطالبين بحرية المواطن والمناضل اللبناني الكبير جورج إبراهيم عبد الله وعودته إلى وطنه وأهله، يختصران المشهد اللبناني برمّته وهو مشهد صراع طويل بين إرادة الاستقلال والتحرّر ومواجهة الفساد بكلّ تجلّياته، وبين نفسية الإذعان للإرادة الأجنبية بحجّة محاربة الفساد رغم إدراك الجميع أنّ الحماية الحقيقية للنظام الطائفي الذي أنتج الفساد، منذ عشرات السنين، هي في هذه الدول والطبقات الجشعة والموالية للصهيونية التي تحكمها.
في هذا الصراع، يحاول البعض استعادة مشاهد سابقة، لا سيما تلك التي شهدها لبنان والتي دعت إلى تدويل الأزمة اللبنانية وما يرافقها، لكن هذا البعض لا يدرك أنّ الظروف عام 2020 غير ظروف عام 2005، وأنّ ما كان ممكناً تحقيقه بعد احتلال العراق عام 2003، لن يكون سهلاً تحقيقه بعد انتصار تموز 2006، وتصاعد المقاومة في العراق منذ الاحتلال، وصمود سوريا على مدى عشر سنوات، وإخفاق كلّ المحاولات الدامية لإخضاع اليمن، وترنّح كلّ المشاريع و«الصفقات» الهادفة إلى تصفية قضية فلسطين.
بل إنّ موازين القوى تتغير، اليوم بوضوح، لصالح قوى التحرّر من الهيمنة الاستعمارية والصهيونية، لا سيّما في ظلّ انكشاف عمق المأزق البنيوي الكبير الذي يعاني منه النظام الأميركي نفسه، والكيان الصهيوني بالذات.
لقد دعوت قبل 14 عاماً، إلى إقامة دورات في مكافحة الأمّية السياسية، وأدعو اليوم إلى إقامة دورات في تعزيز المناعة الوطنية. فما نحتاج له اليوم، هو تحصين المناعة الوطنية، خصوصاً عبر مكافحة كلّ فساد واحتكار واستبداد وخطاب طائفي ومذهبي من جهة، كما إلى تحصين الوعي الوطني والقراءة الجديّة لما يجري حولنا في المنطقة والعالم.
* كاتب وسياسي لبناني