لا يخلو قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمؤسسة القضائية التركية، تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مجدّداً، من البُعد والدوافع السياسية والطموحات الانتخابية للرئيس الذي أخذت أسهمه في مقاييس الشعبية ـــــــ كما أفادت تقارير صحافية تركية ـــــــ بالتراجع لأسباب كثيرة. قد يحتجّ البعض لتأكيد صحة قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، كونه كان أصلاً كنيسة اشتراها السلطان العثماني محمد الفاتح بعد فتحه القسطنطينية في القرن الخامس عشر الميلادي، ولأنَّ القرار ــــــ في نظر هذا البعض ـــــ شأنٌ تركي داخلي ومن مشمولات السيادة التركية. ولكنّ الرافضين لهذا القرار لم يتوانوا عن الردّ بأنّ دور العبادة لا تُباع ولا تُشترى من حيث المبدأ، وأنّ قرار أردوغان ذو دوافع سياسية انتخابية ودينية طائفية عدوانية.

أعتقد أنّ حجج الجانبين، المؤيّد والرافض للقرار، تتعلق بجزئية صغيرة من الموضوع وليس بجوهره التاريخي والاجتماعي، فسواء صحَّ أم لم يصح مبدأ شراء دور العبادة ـــــــ وللمناسبة، هو مبدأ معمول به في عصرنا، وهناك كنائس عديدة معروضة للبيع وقد اشترت جمعياتٌ وجماعاتٌ مسلمةٌ في أوروبا بعضها وحولتها إلى مساجد أو مصلَّيات ـــــــ وقد شاهدتُ إحدى الكنائس المعروضة للبيع بعيني في مدينة سانت إتيان الفرنسية، وهي لا تزال كذلك، حتى الآن، كما أنّ هناك كنيسة أخرى معروضة للبيع في حي ليزوفيف في مدينة جنيف ـــــ أقول سواء صح أم لم يصح دينياً وأخلاقياً وقانونياً، فهذا لا يغيّر شيئاً من التاريخ الحقيقي لآيا صوفيا ولا من سياقات القرار الحكومي التركي ودلالاته.
بُنيت كاتدرائية آيا صوفيا عام 573م، كدار عبادة كبرى ورمز مهمّ للمسيحيين الأرثوذوكس البيزنطيين، ولكنّها تعرّضت للعبث من قِبل الصليبيين الكاثوليك، خلال حملتهم الصليبية الرابعة عام 1204 بقيادة دوق البندقية أنريكو داندولو، وحوّلوها إلى كنيسة كاثوليكية. وتعرّضت المدينة، آنذاك، للحرق والسلب والتدمير كما تعرّض أهلوها للقتل ونساؤها للاغتصاب. وعندما توفي داندولو دفَنه أصحابه في هذه الكاتدرائية، وبعد نصف قرن تقريباً، وتحديداً في عام 1261 استردّ البيزنطيون الأرثوذوكس عاصمتهم القسطنطينية من الصليبيين، وطردوهم من مدينتهم ونبشوا قبر داندولو ورموا عظامه للكلاب كما كتب المؤرّخون.
بعد سقوط الدولة البيزنطية، ودخول العثمانيين عاصمتهم منتصرين عام 1453م، اشتراها السلطان من رهبانها وقساوستها وحوّلها إلى مسجد. ويبقى الشراء أفضل من الناحية الأخلاقية والمعنوية من اعتبارها غنيمة حرب ومصادرتها وتحويلها إلى مسجد من دون تعويض. ويمكن اعتبار ما فعله الفاتح بشراء كاتدرائية آيا صوفيا، بعد فتحه مدينة القسطنطينية واستباحتها وارتكاب المجازر فيها، هو مجرّد فعل رمزي لتخفيف وطأة هذا الفعل المتكرّر في تاريخ الحروب، وذلك بسبب انتفاء العدالة والحرية من شروط عقد البيع والشراء بين الغازي المنتصر والمغزّوين المهزومين. ففي جميع الأحوال، لم يكن للبائعين وهم رهبان وقساوسة الكاتدرائية حق رفض عرض السلطان المنتصر بالشراء، وهذا بحدّ ذاته مُبطِلٌ لشروط البيع والشراء الحرّ والعادل، ولكن هذه التفاصيل تتعلّق بالماضي وليس لنا منها إلّا العِبر ومحاولة فهم التاريخ بطريقة صحيحة وأقرب إلى الحقيقة.
بعدما تحوّلت آيا صوفيا إلى مسجد، وبقيت كذلك لقرون عدّة ـــــــ وأستدرك هنا فأقول إن هذا بحدّ ذاته يدحض قول القائلين إن «أردوغان قرّر تحويل الكنيسة إلى مسجد»، وهذا خطأ تاريخي ومغالطة للوقائع، فالفاعل الحقيقي ليس أردوغان بل السلطان محمد الفاتح ــــــ وبسبب انهيار السلطنة العثمانية وقيام جمهورية أتاتورك، تقرّر إغلاق المسجد الذي ظلّ مسجداً لأكثر من أربعة قرون ونصف، وذلك عام 1931م، ثم افتُتح ولكن كمتحف بعد أربع سنوات. ولا يمكن استبعاد احتمال أن يكون مصطفى كمال آتاتورك قد قرّر تحويل المسجد إلى متحف، ولا يُستعَبد أنّ ذلك تم بناء على شروط أو ضغوط غربية فُرضت عليه، خلال بناء دولته التركية الجديدة، وبما يتّسق مع نهجه العلماني الذي يُعتبر من النوع العلماني المتطرّف على النمط الفرنسي.

ما فعله أردوغان بقراره تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مجدداً مضرّ جداً بالعلاقات بين شعوبنا وبالسلام وبالصداقة بينها


واليوم، يأتي قرار أردوغان ليعيد المتحف إلى طبيعته السابقة كمسجد. إنّ هذا القرار لا يخلو من الدوافع السياسية والانتخابية، وبما يرسّخ النزعة الإسلامية السلطانية لديه ولدى قيادة حزبه، ولكنّ النزوع أو الدافع السياسي للقرار قد يفسره، ولكنّه لا يحكم عليه بالرفض والقبول. ولو وضعنا القرار في سياقه التاريخي الحقيقي اليوم، لتوصّلنا إلى فهم أعمق للموضوع ولخرَجنا باستنتاجات أكثر معقولية وفائدة: فالعالم، وخصوصاً إقليمنا يعيش حالة من التوتر والاستقطاب الديني والطائفي التي أطلقتها مأساة الشعب الفلسطيني بقيام دولة دينية صهيونية مفتعلة في فلسطين المحتلّة، وانتشار الحركات السلفية الانتحارية التي انطلقت بمساعٍ أميركية في أفغانستان، في الثمانينات من القرن الماضي، وبلغت ذروتها في مجازر «داعش» في العراق وسوريا، والاستقطاب الطائفي «الشيعي السني» الذي تحوّل إلى اقتتال بعد الغزو الأميركي في العراق وإقامة نظام محاصصة بين الطوائف؛ إنّ كلّ هذه الظروف تجعل قرار أردوغان سلبياً في التقييم العام، وليس لمصلحة شعوب المنطقة الطامحة للسلام والخلاص من الهيمنة الغربية الإمبريالية، وسيصبّ القرار زيتاً على نيران الاستقطاب والتوتّر الديني والطائفي من دون أدنى مبرّر سوى الربح الانتخابي والأطماع البونابرتية لأردوغان نفسه.
إنّ أردوغان بتجربته القيادية الداخلية الناجحة تركياً ضمن إطار الاقتصاد الدولاري، يريد أن يدخل التاريخ بحروب الوكالة والتدخّلات المسلّحة في بلدان عدّة كسوريا وليبيا والعراق، والترويج لأحلام العصافير السلطانية البائدة، واستعادة ولايات عثمانية سابقة، كالموصل وكركوك العراقيتين وحلب السورية وغيرها من مدن ومناطق في دول أخرى، مستغلّاً اقتراب مناسبة مرور قرن على اتفاقية لوزان الموقعة عام 1923، أي بعد أقل من ثلاث سنوات، وتحديداً في عام 2023، وهو ما قد يسمح لتركيا بالمطالبة بتعديلها كما أعلن أردوغان، وبتجديد مطالبه في ضمّ وإلحاق مدن وولايات عثمانية سابقة هي اليوم جزء وطيد من أوطان أخرى وجزر يونانية. وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه الوطنيون الاستقلاليون في بلدان المنطقة، بما فيها تركيا، ليشكّلوا جدار صدٍّ أمام أطماع وخطط أردوغان وتفادي الحريق المقبل.
إنّ اتفاقية لوزان 1923 ـــ التي يسمّيها البعض اتفاقية «لوزان الثانية»ـــ هي التي ألغت اتفاقية سيفر 1920، وعلى أساسها تمّ الاعتراف الدولي بالجمهورية التركية. وهي لا تذكر أسماء المدن والمناطق بالأسماء، كالموصل وكركوك وحلب. أمّا بخصوص الموصل، فقد عيّن مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق بخصوص مشكلتها بين تركيا وبريطانيا، فأوصت اللجنة بأن تعود ملكيتها إلى العراق، فأُجبرت تركيا على قبول القرار على مضض، من خلال التوقيع على معاهدة الحدود مع الحكومة العراقية في عام 1926. وقام العراق بمنح إتاوة 10 في المئة من الودائع النفطية في الموصل إلى تركيا لمدة 25 عاماً. وبانتهاء فترة منح الإتاوات المقرّرة لتركيا بموجب اتفاقية أنقرة/ المادة الرابعة عشرة، بين بريطانيا وتركيا والعراق الملكي والتي تقرَّرَ بموجبها أن يدفع العراق 10 في المئة من عائدات نفط الشمال العراقي إلى تركيا لمدة 25 عاماً، أقول: وبانتهاء تنفيذ هذا الشرط عام 1951، تكون اتفاقية أنقرة قد أصبحت واقعاً قانونياً وتاريخياً لا يجوز الخروج عليه. ولكن تركيا الحالية تريد في مناسبة مرور قرن على معاهدة لوزان أن تفتح الملف كلّه، ولا أعتقد أنّ أردوغان سيحصل على شيء من هذا الحمق السياسي البحت، إلّا زرع الكراهية والتوترات بين الشعوب، وقد يتسبّب بحريق جديد بين تركيا والعراق وسوريا.
ولمناسبة هذا الحدث الخطر، وبمراجعة ملفه الأوسع «ملف دور العبادة الدينية في التاريخ»، نجد أنّ السلطان العثماني محمد الفاتح لم يكن هو المخترع الأول لعملية تغيير هوية وديانة دور العبادات الدينية السماوية وغير السماوية «الوثنية»، بل إنّ ما قام به، وهو تفصيل صغير في تقليد بشري حربي وديني مستمر، يعود إلى عصور ما قبل الميلاد.
وربما وجدنا في قصة الجامع الأموي الجميل في دمشق خير مثال يلخّص لنا هذه القصة. فقد كان هذا الجامع، خلال العصر الحديدي، معبداً وثنياً لإله الخصب الجزيري «السامي» حدد بعل في العهد الآرامي 1200 قبل الميلاد. وبقي هذا المعبد حتى العهد الروماني، فحوّله الرومان إلى معبد لإله الرومان جوبيتير، عام 64 ميلادية. وفي نهاية القرن الرابع للميلاد، تحديداً في عام 391، تمّ تحويل معبد جوبيتر إلى كاتدرائية القديس يوحنا، بأمر من الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول. وتشير الأسطورة المحلية إلى أنّ رأس يوحنا المعمدان ـــــــ النبي يحيى عليه السلام ـــــــ دُفِن هناك. وهذه مجرّد أسطورة شعبية بقيت حتى العهد الإسلامي وتشييد الجامع الأموي على أنقاض الكاتدرائية، في عهد الخليفة الأموي المرواني عبد الملك بن مروان. وهناك رواية تقول إنّ رأس الإمام الحسين عليه السلام موجود فيه، وليس هناك ما يؤكّدها. وثمّة من يعتقد أنّ الأمويين استبدلوا قطعة الأرض التي بنوا عليها الجامع بقطعة أرض أخرى بُنيت عليها كنيسة لهم، وهذا المعطى ليس دقيقاً فقد كلّف الخليفة الأموي السادس، الوليد بن عبد الملك (705 ــــــ 715م)، الصناع والمهندسين ببناء المسجد في موقع الكاتدرائية البيزنطية، في عام 706م. قبل هذا، كانت الكاتدرائية لا تزال قيد الاستخدام من طرف المسيحيين المحلّيين، ولكن قد تمّ تشييد غرفة صلاة (المصلّى) للمسلمين في الجزء الجنوبي الشرقي من المبنى. الوليد الذي أشرف شخصياً على المشروع أمر بهدم معظم الكاتدرائية، بما في ذلك المصلّى، وتمّ تغيير تخطيط المبنى تماماً، ليُستخدم كمسجد كبير لصلاة الجماعة لمواطني دمشق، ومعلماً دينياً لمدينة دمشق. وقد احتجّ المسيحيون العرب الشاميون على هذه الخطوة، وردّاً على هذا الاحتجاج أمر الوليد بردِّ جميع الكنائس المصادرة الأخرى في المدينة إلى المسيحيين كتعويض. واكتمل بناء المسجد في عام 715م.
إنّ قصة الجامع الأموي تلخّص لنا قصّة الأديان والمعتقدات البشرية والخلافات بين أهل الأديان والعقائد وتحوّل وانتقال دور وهوية دور العبادات الدينية، وكونها ـــــ بمنظورنا ومصطلحاتنا اليوم ـــــ أشبه ببناء متعدّد الطبقات بُنيَ بمختلف الأساليب المسلّحة وغير المسلّحة. ومن العِبر المهمة في هذا الصدد، هو أنّ قضية التعددية الدينية والطائفية والقومية في المجتمعات الشرقية تسجَّل كدليل باهر على تسامح الشرقيين وإنسانيّتهم واحترامهم لعقائد وأديان وأرواح ودماء البشر الذين يقاسمونهم الأرض والماء والهواء والأمل، على العكس من سردية المجتمعات الغربية الأوروبية الإقصائية والتي مارست إقصاء وإبادة المختلف دينياً وطائفياً، حتى لو كان مسيحياً وآرياً منهم.
إنّ أسماء المجازر لدى الغربيين كثيرة، ولعلّ أشهرها مجزرة «سان بارتيليمي» في فرنسا، في القرن السادس عشر، والتي أباد فيها الكاثوليك مواطنيهم الفرنسيين البروتستانت، فصارت فرنسا منذ ذلك الحين أمّة واحدية المذهب. ويشذّ عن هذا المنهج الدموي الغربي بعض البلدان، ومنها سويسرا التي استقبلت الناجين البروتستانت وقاسمتهم الوطن والمعاناة، وسويسرا اليوم من البلدان القليلة المتعدّدة دينياً وطائفياً. أمّا ما حدث في الأندلس بعد هزيمة العرب المسلمين، وما لحق بهم وباليهود الذين شاركوهم العيش المشترك هناك، فهو ملف ثقيل من التجاوزات والفظاعات!
من الطبيعي أن لا يُحسَب ضمن هذا الواقع ما جدَّ من تعددية بعد الحرب العالمية الثانية وقدوم الملايين من أبناء المستعمرات للمشاركة في بناء أوروبا التي دمرها الأوروبيون أنفسهم، في الحربين العالميتين، فهذا تطوّر آخر خارج بوتقة الصراع الديني.
ولعل العراق ــــــ إلى جانب بلاد الشام ــــــ من أبرز الأمثلة على البلدان القائمة على التنوّع والتعددية والتعايش السلمي في نسيجه المجتمعي، تعدّدية قديمة وتعايش متميّز، حتى وُصف بالحديقة الإنسانية الجميلة التي ظلّت شاخصة بثمارها حتى مجيء حكم المحاصصة الطائفية الأسود، الذي فرضه الاحتلال الأميركي في بدايات القرن الحالي، فبدأ العراق ينزف أقلياته الدينية والقومية ولم يتبقَّ منها الكثير اليوم.
ونحن حين ندرس ونقرأ التاريخ، فليس هدفنا الأول محاكمة الموتى لنعاقبهم على ما ارتكبوه قبل ألف عام، بل هي محاولة لفهم ما ارتكبوه وتوثيقه وتحليله بشكل منهجي وعلمي لأخذ العبرة منه لأجيالنا الحاضرة، وبما يخدم تعزيز السلام والأمن والحرية لشعوب منطقتنا، وأعتقد أنّ ما فعله أردوغان بقراره تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مجدداً، ورغم أنه يقع في مشمولات سيادة الدولة التركية، مضرّ جداً بالعلاقات بين شعوبنا وبالسلام وبالصداقة بينها وسيخلق مزيداً من التوترات والعداوات بين هذه الشعوب، وينكأ جراحات الماضي والهدف من كل ذلك هو الطموحات والأطماع الشخصية الزعاماتية.
*كاتب عراقي