«اذكروا فلسطين والإسكندرونة وكيليكيا وقبرص وسيناء وتيران وصنافر وتبوك والجوف والأحواز!»

سبق أن ذكرنا، في نداءين سابقين نُشرا في جريدة «الأخبار»: الأول، بتاريخ 14 آيار/ مايو والثاني في 28 أيار/ مايو، من السنة الحالية، أننا سنعلن في مؤتمر صحافي أو في بيان يُعمّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن الشروع في خطّة من بندَين:
الأول: برنامج إصلاحي يؤكد على وحدة الحزب، كعنوان رئيسي للحراك القومي في المرحلة المقبلة، تلك الوحدة التي طعنها، في الصميم، مهندسو النزعة الكيانية الانعزالية الذين تحكّموا بالحزب وقادوه، وما زالوا يتحكّمون به ويقودونه، عبر ردفائهم، منذ اغتراب الزعيم القسري عن أرض الوطن، بين عامي 1938 ــــــ 1947. وقد عُرف هؤلاء الانعزاليون، في بعض الأدبيات الحزبية، بـ«الشمالكة» (مفردها «شملوك») ومدرستهم بـ«الشملكة»، وهي مدرسة «متلبننة»، بذر بذورها في الحزب كلّ من شارل مالك (فكرياً) وكميل شمعون (سياسياً) ومجموعة من تلامذتهما «النجباء». وقد شبّه أحد هؤلاء النجباء «الشملكة» بالمثل القائل: «بحبك يا جاري بس مش قدّ سواري!»، ويقصد هذا الشملوك بـ«الجار» الشام، ويرمز بـ«السوار» إلى لبنان. هذا المثل الانحطاطي، الذي استعاره صاحبنا من ثقافته الشعبية القروية ليخدم نزعته الفردية المقيتة، واستخدمه في خطاب تاريخي له بعد إطلاق سراحه من السجن، إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 1962، يشي بنزعة انقلابية واضحة لدى حاملها، تستهدف التشكيك بالعقيدة القومية الاجتماعية ـــــــ جامعة العقائد ـــــــ لصالح العقائد الفئوية المزيّفة، المجزّأة للأمة الواحدة، نزعةٌ فضحت تحيّز هذا الشملوك للبنان وتمييزه له عن سائر الكيانات السورية، وأسّست، لاحقاً، لمقولة «لبنان أولاً» و«الأردن أولاً» و«الكويت أولاً»... إلخ، ووضعت، حديثاً، الأساس النظري لمقولة جديدة ــــــ قديمة، تلقى رواجاً كبيراً عند شريحة واسعة من السوريين (ومن ضمنهم اللبنانيون)، ممّن تعلّموا في مدارس أجنبية وتلقّوا ثقافة أجنبية كولونيالية، في زمن الاحتلالات الخارجية لسوريا، مقولةٌ لا تدعو إلى «حياد» لبنان، وبالتالي حياد كلّ كيان من كيانات الأمة، في سياسته الخارجية (وغيرها)، عن الكيانات الأخرى. كأنّ كل كيان جزيرة قائمة بنفسها، مكتفياً بذاته ولذاته، معزولاً في محيط، لا حدود له. وما زال الشمالكة، الأصيلون والردفاء، ممسكين بالقرار الحزبي ومتحكّمين بالمؤسسات الحزبية، متوسّلين، تارة الإرهاب الداخلي، وطوراً الدعم الخارجي، وغالباً الاثنين معاً، لإحكام سيطرتهم وسطوتهم، الأمر الذي يجعلنا نؤكد في حراكنا، على مطلب استقلالية القرار الحزبي، على الصعد كافة، لا سيّما الفكرية والمادية، كشرط أساسي لبلوغ الاستقلال السياسي، متمّسكين بالقاعدة الذهبية التي أرسى سعاده قواعدها، والتي تنصّ على «أن يبقى الفكر السوري حرّاً مستقلاً!».
الثاني: قيادة مؤقّتة، لمدة سنة من تاريخ إعلانها، يكون من مهامها إجراء تعديل دستوري يعيّن كيفية انبثاق السلطات، لا سيّما طريقة انتخاب المجلس الأعلى ورئيس الحزب... إلخ (راجع نصّ القانون الانتقالي عدد 8 المؤقّت، جريدة «الأخبار»، الخميس 28 أيار/ مايو 2020، ص12و13).
أمّا الغرض المباشر من هذه الخطة، فهو كما تقدّم بيانه، إنقاذ ما تبقى من أعمدة الهيكل المتداعي والآيل إلى السقوط، في أيّة لحظة، إذا لم يتدارك المعنيون بالأمر، من خوارج ومنتظمين، الخطر ويسرعوا إلى تطويق الكارثة قبل أن تأتي على كل شيء، ويبدأوا فوراً، في خطوة ثانية، في «إعادة الهيكلة» أو «إعادة البناء» (البيريسترويكا)، وإعادة الوحدة المكلومة للحزب. هذه الوحدة التي لا معنى ــــــ في حال استمرارها ــــــ لوجود حزبنا بصفته حزباً قومياً وحدوياً يدعو إلى دولة سورية قومية مركزية واحدة، على امتداد الجغرافيا السورية الواحدة. هكذا، إذاً، نتقدّم خطوة إثر خطوة، لتحقيق الغرض من تحرّكنا الذي يهدف، في جملة ما يهدف، إلى استرداد الحزب من مختطفيه، واسترجاع وحدته التي أمعن المجرمون، وما زالوا، في تقطيع أوصالها، من دون أن يخجلوا أو أن يندى لهم جبين!
وفي هذا السياق، وبالنسبة إلينا كحراك قومي ينشد الوحدة الحزبية التامة، نؤكد على وجوب تحقيق الوحدة كخطوة أولى ــــــ كيفما كان شكلها ــــــ على أن تتبعها خطوات تصحيحية أخرى. ما يدفعنا إلى تبنّي هذه التوليفة، هو اعتقادنا أنه أهون لنا ألف مرة، أن يكون حزبنا تنظيماً واحداً تتحكم في إدارته سلطة حزبية واحدة، فاسدة وفاشلة، من أن يكون مجموعة تنظيمات، منشقّة ومتناحرة، تتحكّم بمصائرها مجموعة سلطات فاسدة وفاشلة، كما هو في حالته الحاضرة. ما نريد قوله، هنا، إنّ إعادة التصحيح والبناء على مستوى تنظيم واحد فاسد، تصبح أسهل عملياً وأسرع زمنياً، من التصحيح على مستوى مجموعة تنظيمات، معلَنة أو مستترة. ولذلك، يجب أن يعلم جميع الرفقاء / والرفيقات، أننا في هذا الحراك القومي الوحدوي، لا نطمح أبداً إلى إنشاء تنظيم جديد يشكل، بمجرّد إنشائه، صعوبة جديدة تُضاف إلى مجموعة الصعوبات القائمة. ونأمل أن لا نضطر، مرة ثانية، إلى تأكيد مخاطر التنظيمات التي تنبت كالفطر، على هامش الأزمة الحزبية، فنحن بهذا المعنى، جماعة لا تبغى في الحياة لهواً ولا لعباً!
عاملان أساسيان دفعانا إلى إعادة النظر في النداء وتأجيل إعلانه:
الأول: التطورات الدراماتيكية الكبرى الجارية أمام أبصارنا على المسرح الدولي، والتي تتهدّد كل الأمم والجماعات والدول، ومنها أمّتنا وشعبنا ومجتمعنا السوري، منذرة بانفجار اجتماعي عالمي كبير على مستوى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، في إطار من تنازع الأمم، لا سيّما الكواسر منها، على الثروات والموارد الطبيعية، متسلّحة بمنطق الأقوى وشرعة الغاب، فتتحكم بمصائر الشعوب الضعيفة وثرواتها، الأمر الذي يتطلّب من هذه الشعوب ـــــــ وفي طليعتها شعبنا ـــــــ أن تتنبّه لحيواتها ومواردها ومصائرها، قبل أن تدوسها سنابك الأمم القوية الطامعة بالسيطرة، لوحدها، على «رباعية» التراب والماء والنار والهواء، على امتداد الكرة الأرضية. إننا، كقوميين اجتماعيين، معنيّون بالكوارث التي تنتج عن هذا البركان المدمّر الذي يقذف حممه عشوائياً والذي لن تفلت منه دولة أو شعب، ومدعوون إلى أن نقوم بنصيبنا في إطفاء نيرانه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضحاياه، لا أن نستغرق في صراخ عبثي ــــــ في ما بيننا ــــــــ في ما إذا كانت الملائكة ذكوراً أو إناثاً، خصوصاً أننا نحن كسوريين ــــــ بخلاف غيرنا من الشعوب ـــــــ نواجه، حالياً، جريمة عصر موصوفة (عربية، دولية، صهيونية) هدفها المُعلن، حتى اللحظة، ضمّ الضفة الغربية إلى نهر الأردن، فضلاً عن القدس ومنطقة الأغوار، إلى الدولة اليهودية الغازية، بالإضافة إلى السيطرة، تحت شعار «الوصاية» للوهابيين من آل سعود أو الأتراك من آل عثمان أو للاثنين معاً، على الأماكن الدينية التي تشكّل جزءاً مهمّاً من الأراضي السورية المحتلّة في فلسطين والتي لا يحقّ لأية سلطة غير سورية «الوصاية» عليها. كل ذلك يجري في إطار ما يُسمّى بـ«صفقة القرن»، وفي ظلّ تنازل معيب من العالمَين العربي والإسلامي عن هذه الأراضي، التي يعتبرها كثيرون منهم «مناطق مقدّسة».

التطورات الدراماتيكية الكبرى الجارية على المسرح الدولي والتي تتهدّد كل الأمم والجماعات والدول تنذر بانفجار اجتماعي عالمي كبير


الثاني: يواجه الاجتماع الإنساني من دون تمييز بين شماله وجنوبه، غربه وشرقه، غنيّه وفقيره، حرباً مفتوحة لا هوادة فيها، مع جائحة «كورونا» التي لم تسلم من تداعياتها زاوية واحدة من الكرة الأرضية، والتي تتهدّد النوع الإنساني بعواقب لم يشهد مثيلاً لها من قبل، في حين تتعاظم السرقات وجرائم القتل وعمليات الانتحار على مستوى الأفراد والجماعات، من دون وازع. هذا فضلاً عن التحكُّم الذي تنتجه العقوبات الاقتصادية، التي تفرضها الدول القوية المتجبّرة على الدول الفقيرة المستضعفة. ولا ننسى، في عرضنا لهذه المشهدية الدرامية لأحوال العصر والعالم، ظاهرة التمييز العنصري الذي يضرب بشدّة جماعات الأمة الواحدة، خصوصاً في ما يُعرف بـ«العالم المتحضّر». حرب «كورونا» وكوارثها الظاهرة والكامنة، حربٌ مفتوحة لا هوادة فيها، ضحاياها حتى الساعة، ملايين من الأنفُس بين موتى ومصابين ومفقودين ومعطوبين وعاطلين عن العمل، أو بين مشرّدين على أكوام القمامة، أو هائمين على وجوههم لا يدرون ما يفعلون لتأمين كسرة خبز أو جرعة ماء أو حبة دواء أو كوب حليب أو كيس أحفضة لأطفالهم من رضّع أو قاصرين أو معوّقين أو ضحايا مرض يتهدّدهم. حربٌ قد تؤدّي إلى محاصرة النوع الإنساني، كلياً، كما تحاصره اليوم جزئياً، هذا إذا لم تجهز عليه بالكامل.
بناء على ما تقدّم، وعملاً بوصية سعاده عشية اتّخاذ قراره التاريخي بالعودة إلى الوطن في 19 أيار/ مايو 1929، حيث كتب في مذكراته: «يجب أن أنسى جراح نفسي النازفة لكي أساعد على ضمد جراح أمتي البالغة»، ندعو جميع الرفقاء والأصدقاء إلى أن ينسوا جراحهم وجراح حزبهم النازفة، لكي يساعدوا في تضميد جراح أمّتهم وجراح عالمهم ونوعهم الإنساني البالغة، حتى يبقى الكون أهلاً لإقامتهم، ويبقى للحياة معنى وللأجيال الجديدة محلّ، وتبقى سوريا أمّة هادية!

* أستاذ جامعي