كان معارضو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يتّهمونه بأنّ سياسته الاستقلالية التصادمية مع القوى الاستعمارية والصهيونية وأدواتها، ومساندته للثورات التحرّرية لأبناء أمّته وأحرار العالم، هي سبب ما واجهته مصر من حروب ومؤامرات وحصار على مدى سنوات، بعد انطلاق ثورتها المجيدة في 23 تموز/ يوليو 1952.

وكانت هذه الاتّهامات هي الذريعة التي استخدمها أنور السادات في ثورته المضادة التي أخذت اتجاهاً معاكساً في سياساتها الداخلية والخارجية، حتى وصلت إلى معاهدة كمب دايفيد وما رافقها من تنازلات لصالح السياسات الأميركية والصهيونية على المستوى الدولي، ولصالح سياسات الأنظمة العربية المعروفة بعدائها التاريخي لجمال عبد الناصر. وكانت هذه السياسات ترتكز إلى فكرتين بسيطتين، أولاهما ضرورة انكفاء مصر عن الدوائر الثلاث التي رسمها لها جمال عبد الناصر في كتابه «فلسطين الثورة» الصادر عام 1954، وهي الدائرة العربية والإسلامية والأفريقية، وثانيتهما الانحياز الكامل للمشيئة الأميركية تحت شعار أنّ 99% من أوراق اللعبة بيد واشنطن. والتأكيد على ما يحمله هذا الانحياز من «ثمار» اقتصادية واجتماعية وأمنية لأرض الكنانة وشعبها الرازح تحت ضغط الحاجة.
وتراوحت تلك السياسات الرسمية المعتمدة في مصر، بعد رحيل جمال عبد الناصر، بين تواطؤ علني مكشوف مع السياسات الأميركية والإسرائيلية، وحرص مبالغ فيه على عدم إحراج الكيان الصهيوني، ومراعاة شديدة لحساسيات أنظمة محافظة في المنطقة، وصولاً إلى الحذر من اتّخاذ أي خطوة أو قرار يمكن أن يُغضب الأطراف المهيمنة إقليمياً أو عالمياً. لكن ما تواجهه مصر هذه الأيام، يبدّد تلك الأفكار الخاطئة التي قامت عليها السياسات المصرية في الداخل والخارج معاً، فاستهداف مصر في أمنها المائي عبر «سد النهضة»، وأمنها الوطني في ما يحدث في سيناء (وآخرها المجزرة بحق القوات المسلحة المصرية)، وأمنها القومي في ما يجري في ليبيا المجاورة من احتراب يتّسع مداه منذ أن غزا «حلف شمال الأطلسي» هذا البلد الشقيق، عام 2011، وما زال هذا الحلف يغزو ليبيا بأشكال متعدّدة مهدّداً بنقل الفوضى شرقاً نحو مصر، وغرباً نحو تونس والجزائر وحتى المغرب، وجنوباً نحو دول الساحل والصحراء الأفريقية. واللافت في هذا الاستهداف، أنه يأتي رغم اتّباع القيادة المصرية سياسة مهادنة للغرب الاستعماري وأدواته في المنطقة، لدرجة أنّ هذه السياسات باتت منذ اتفاقية كمب دايفيد قبل 41 عاماً، موضع انتقاد شديد، بل وهجوم قاذع أحياناً، من قِبل العديد من الوطنيين المصريين وحركات التحرّر في الوطن العربي والعالم. وبات واضحاً أن استهداف مصر ومحاصرتها على النحو الذي نراه اليوم، هو استهداف لمصر ذاتها، بوزنها وحجمها ودورها وشعبها وقواتها المسلّحة وأمنها الغذائي والوطني والقومي، ولموقعها التواصلي بين مشرق الوطن العربي ومغربه، ومكانتها القيادية في أمّتها ومحيطها والعالم.
ومن يتابع العديد من الدراسات والأبحاث الإسرائيلية وتصريحات الخبراء والمحلّلين العسكريين الصهاينة، يلاحظ تركيزهم المتكرّر على الخطر الذي تشكّله مصر وجيشها البطل بحد ذاتها، وبغض النظر عن السياسات المتّبعة فيها، على الوجود الصهيوني نفسه، ناهيك بالمصالح الاستعمارية وبالجهات المرتبطة بها.
فالمستهدف، إذن، مصر أياً كان حاكمها، وأياً كانت سياساتها، فكيف إذا بدأت مصر تتبع منذ سنوات سياسات فيها الحدّ الأدنى من الحرص على بناء قوة اقتصادية تعالج الأحوال البائسة للشعب المصري، وبنى تحتية توفّر شروطاً مادية لنهوض متجدّد، وقوة عسكرية تجعلها تمتلك جيشاً من أقوى جيوش المنطقة، واعتماد سياسة عدم الانزلاق في حروب وفتن في الإقليم، لا سيّما في سوريا (الإقليم الشمالي في الجمهورية العربية المتحدة)، وفي اليمن الذي يشكّل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر الذي تشكل قناة السويس بدايته الشمالية.
وتتّضح هذه الأيام، أنّ الدول العربية والإسلامية كافّة والمستهدفة بحروب القوى الاستعمارية والصهيونية وحصاراتها وفتنها من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى ليبيا إلى اليمن، وصولاً في المستقبل إلى دول في المغرب العربي والخليج والجزيرة العربية، بل إلى دول الإقليم كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتركيا نفسها، ودول الجوار الأفريقي، كانت مستهدفة لذاتها، ولدورها، ولموقعها، قبل أن تكون مستهدفة بسبب أنظمة تحكمها أو سياسات تتبعها.
ولعلّ في إدراك أبناء أمّتنا العربية والإسلامية لهذه الحقائق، ما يوفّر علينا الكثير من المتاعب والأوجاع والحروب التي نعاني منها، خصوصاً إذا وجّهنا أنظارنا وجهودنا نحو مقاومة الخطر الرئيسي الذي يتهدّدنا، وهو الخطر الصهيوني الاستعماري، وإفرازاته في الفساد والاستبداد، وتجاوز كلّ الصراعات الأخرى. وبهذا المعنى، يبقى تحدّي استهداف مصر، بأمنها المائي والوطني والقومي، فرصة لانتهاج سياسات جديدة تعيد لها دورها ومكانتها في أمّتها ومحيطها والعالم، وفرصة لأبناء الأمّة كلّها لأن يروا في استهداف مصر جزءاً من استهداف الأمّة كلّها بكل أقطارها، لا سيّما القطر ــــــ القلب الذي هو فلسطين.
لقد نجح جمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو، في أن يحوّل استهداف مصر في أواسط خمسينيات القرن الماضي عبر أزمة السد العالي، وما تلاها من تأميم لقناة السويس وعدوان بريطاني ــــــ فرنسي ـــــــ إسرائيلي عام 1956، إلى فرصة تاريخية جعلت من مصر قائدة لأمّتها ومحيطها ولما كان يُعرف آنذاك بالعالم الثالث.
فهل تنجح مصر اليوم، بقيادتها الرسمية والشعبية، في تحويل الاستهداف الخطير الذي تواجهه إلى فرصة تستعيد معها دورها الريادي ومكانتها القيادية في أمّتها ومحيطها في العالم؟ لقد بقي من إنجازات ثورة يوليو الكثير في أكثر من مجال، لكن أهم ما بقي منها هو تلك الدروس البالغة الأهمية التي استخلصتها عبر تاريخها الطويل والتي يمكن تلخيصها بالشعارات التالية:
1 ـــــ نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا.
2 ـــــ ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة.
3 ـــــ المقاومة وجدت لتبقى وستبقى.
4 ـــــ من يساوم في حق من حقوق أمته يوماً، يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان.
فهل يحق لنا أن نحلم في الذكرى 68 لثورة يوليو، وفي جو احتفالنا بانتصار لبنان المقاوم عام 2006، باستعادة روح تلك الثورة المجيدة وبارتفاع راياتها من جديد؟ إنّ الظروف الموضوعية والمتغيّرات الإقليمية والدولية تسمح لنا بهذا الحلم، فهل تتوفر الإرادة والقيادة والشروط الذاتية للاستفادة من هذه الظروف والمتغيّرات لتحقيقه؟
نحن بانتظار مصر، قلناها في حلكة ظلام «كمب دايفيد»، قبل أربعين عاماً، ونقولها اليوم... فمع مصر، حاملة مبادئ ثورة ٢٣ يوليو وأهداف مشروعها النهضوي، تستعيد الأمة كلّها توازنها، ويتحوّل الإقليم بتنوّعه إلى ساحة تكامل بين أركانه، لا ساحة هيمنة لركن على آخر.
* كاتب وسياسي لبناني