أصدرت السلطة الانتدابية، عام 1925، أول نصّ تنظيميّ لعمل الإدارة العامة، حدّدت فيه مهمّات الموظّفين الحكوميين وصنّفت المنتسبين إلى الإدارة العامة إلى ثلاث فئات، هي موظفو الملاك والمتعاقدون والمياومون، كما حدّدت شروط تنسيبهم وترقيتهم (إنغلز، 1999: 41). وحدّدت في دستور عام 1926 في المادة (95) منه، حصّة الطوائف المختلفة في الإدارة العامة. وكانت النسبة 6 مسيحيين مقابل 5 مسلمين. وأظهر عدد الموظفين المنتدبين من فرنسا للعمل في لبنان والذي بلغ خلال سنوات الانتداب 400 موظف همّ هذه السلطة باعتماد نموذج الإدارة القانونية والعقلانية. وكان ثمة 3700 موظف عام 1927 (إنغلز: 47).

ثمّ عدّل «الميثاق الوطني» الموقّع عام 1943، تمثيل المسيحيين والمسلمين في الإدارة العامّة، وجعله مناصفة. ولم تحمل حقبة الرئيس بشاره الخوري أي جديد، سوى أنها فتحت الإدارة أمام التنفيعات للسياسيين الموالين للعهد. وبلغ عدد الموظفين 8519 فرداً عام 1952 (إنغلز: 59).

أجرى الرئيس شارل حلو في بداية عهده تطهيراً إدارياً أنهى خدمات وقبل استقالة 200 موظف(أرشيف)

وأصدر الرئيس شمعون سلسلة مراسيم اشتراعية لتنظيم الإدارة العامّة، أهمّها الرقم (13) الصادر عام 1953، الذي وزّع الموظفين على خمس مراتب، كما شدّد العقوبات على المخالفين. ومنعت المادة (25) منه الموظفين من الانتساب إلى أحزاب سياسية (إنغلز: 73). واستبدل المرسوم الاشتراعي الرقم (14) لعام 1955 مباراة الدخول إلى الإدارة العامة، بامتحان لموظفي الفئتين الثالثة والرابعة، وبحيث يُتاح الالتزام بما نصّت عليه مقدمة الدستور، وهي المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وأعادت مراسيم 1953 العمل بمجلس شورى الدولة الذي كان قد أزيل عام 1950. وأنشأ المرسوم الاشتراعي (12) لعام 1955 مجلس الخدمة المدنية. وتمّ عام 1954 إنشاء مصلحة الليطاني ومصالح الكهرباء والنقل المشترك والمياه. وعكس اهتمام شمعون بتنظيم الإدارة العامة همّه بكفّ يد الأقطاب الطائفيين أو الزعماء، عن استخدام الإدارة العامة للتنفيعات. لكنّ عهده لم ينتزع من الوزير حقّه في إجراء التنسيبات للموظفين في وزارته (إنغلز: 96). وبيّنت حقبته التناقض بين الرغبة في كفّ يد السياسيين التقليديين والرغبة بالإبقاء على هذا الامتياز لمصلحة الحلفاء السياسيين.
وسوف تكون حقبة الرئيس شهاب الأهم على صعيد تنظيم الإدارة العامة في لبنان، وضمان استقلالية هذه الإدارة عن تدخّلات السياسيين. كان إنجاز عهد شهاب فريداً مقارنة بما قبله وما بعده. تبدّى في ثلاثة مجالات، هي الإنفاق التنموي وتنظيم المؤسسات العامة التي توفر خدمات للمواطنين، وإصدار القوانين التي تنظّم عمل الإدارة العامة. ولم يبدأ الإنفاق التنموي بالمعنى الفعلي للكلمة إلّا في عام 1962 بعد انقلاب القوميين. وظهرت إنجازاته في نهاية عقد الستينيات في أربعة مجالات، هي إنشاء شبكة الطرقات التي وصلت القرى المعزولة بالساحل، وكهربة الريف وإيصال مياه الشفة إلى أغلب القرى، واستكمال مشروع الليطاني للري (داغر، 1995: 73-99).
وكان تنظيم المؤسّسات العامة والإدارات العامة في مجالات الكهرباء ومياه الشفة والتلفون والبريد، قد تمّ بالمراسيم الاشتراعية التي صدرت عام 1959. وأضيف إليها «مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى» و«مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت»، لتطوير شبكة الطرق والكهربة.
وكان قانون الموظفين رقم (112) قد صدر من ضمن الـ162 مرسوماً اشتراعياً التي صدرت عام 1959. وأُعيد تنظيم الإدارات الرقابية بدءاً من مجلس الخدمة المدنية إلى التفتيش المركزي ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة. والأهم في الإصلاح الإداري المعتمد، هو نزع صلاحية الوزير في تنسيب موظفين إلى وزارته ووضع هذه الصلاحية بين يدي مجلس الخدمة المدنية. وقد قطع ذلك الطريق على السياسيين في استخدام الإدارة العامة لتنفيع المستزلَمين. وباتت مباريات مجلس الخدمة المدنية هي الباب الوحيد لولوج الإدارة العامة (إنغلز: 97). وأبقى الإصلاح الشهابي على النصّ الصريح الذي يحظر على الموظفين الانتماء إلى أحزاب سياسية. لكن الرئيس شهاب لم يشأ صون إنجازه الكبير من خلال قبول التجديد له أو من خلال إنشاء حزب سياسي يكافح للدفاع عن تركته.
وقام الرئيس شارل حلو، في بداية عهده، بإجراء تطهير إداري تم بموجبه إنهاء خدمات وقبول استقالة 200 موظف، بحجة خفض كلفة الإدارة العامة. وكان له أثر سلبي شديد على الإدارة العامة لجهة إشعار الموظفين الكبار بأنهم لم يعودوا يستطيعون الاستناد إلى الدعم الذي يوفره لهم شخص رئيس الجمهورية. وهو ما دفع الكثيرين منهم إلى التفتيش عن من يحميهم من الأقطاب السياسيين. لكنّ الضربة الكبيرة التي تعرّضت لها الإدارة العامة لجهة نزع استقلاليتها، حصلت في مطلع عهد الرئيس سليمان فرنجية. وقد تمّت إحالة ضبّاط «المكتب الثاني» على المحاكمة، وأُنزلت عقوبات بهم. وكان المطلوب إظهار أنّ الأمور تغيّرت وأنّ نخبة «الزعماء» استعادت سيطرتها على الإدارة العامة. وسوف يتبدّى ذلك في ارتفاع أعداد الموظفين المؤقّتين عام 1971 إلى 18669، مقارنة بملاك دائم قوامه 10584 موظفاً (إنغلز: 118). وهو ما استدعى إصدار قانون جديد يلزم الوزارات أخذ موافقة مجلس الخدمة المدنية لتنسيب موظفين جدد. وهو آخر نصّ في تاريخ الإدارة العامة يؤكد على صلاحيات المؤسّسات الرقابية.
وعدّل المرسوم 3169 لعام 1972 المرسوم الاشتراعي (112) لعام 1959، لجهة توسيع حصة التعيينات الخاصة للموظفين من الفئة الأولى. وكان «مؤتمر بعبدا» في السنة ذاتها، تظاهرة عبّر فيها السياسيون عن رغبتهم بإلغاء مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي (إنغلز: 119). ومُنح عام 1973 الموظّفون المؤقتون المعيّنون خارج إشراف مجلس الخدمة المدنية الحق بدخول الملاك. وعام 1974، جرت تشكيلات طالت 140 مديراً عاماً من دون العودة إلى مجلس الخدمة المدنية. وصدر في نيسان/ أبريل 1976 مرسوم أنهى حصانة موظّفي مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي. وانطوت المراسيم الاشتراعية التي أصدرها الرئيس الجميل عام 1983 على الحد من سلطة المؤسسات الرقابية (إنغلز: 124).

الإدارة اللاتنموية
لم تلعب الدولة أيّ دور تنموي، لا خلال حقبة الانتداب ولا خلال العقدين الأولين من الاستقلال. احتكرت ثلاثة مرافق كلّ الإنفاق العام بين عامي 1945 و1954، هي المطار ومرفأ بيروت وتوسيع شبكة التلفون. وبقيت الموازنة الحكومية تسجّل فوائض سنوية من أول يوم من الاستقلال حتى عام 1962. ولم تتجاوز حصة الريف برمّته في خطة عام 1958 الخمسية، كما خطة 1965 ــــــ 1969 الخمسية 4% من الإنفاق المُدرج في الخطتَين. ولم ينفّذ من برنامج المشروع الأخضر لاستصلاح الأراضي سوى 10% منه في نهاية الستينيات. وجرى التخلّي عن متابعة الاستثمار في مشروع الليطاني للري.
وتم إفراغ ريف لبنان من أهله خلال عقد الستينيات، بحيث انتقلت حصته من مجموع القوى العاملة من 50% عام 1959 إلى 20% عام 1970. وبلغ عدد «المهاجرين الداخليين» 689 ألف شخص، مثّلوا ثلث الشعب اللبناني، البالغ آنذاك 2.25 مليون شخص (داغر، 2011). لم يتغيّر شيء خلال النصف الأول من السبعينيات، حين سجّلت ثلاث سنوات من أصل خمس فائضاً في الموازنة. كان الحفاظ على توازن الموازنة هو الشرط الذي التزمت به الدولة، لكي يستطيع القطاع المصرفي استقطاب رساميل وودائع من الخارج. وعنى هذا الشرط أن تتخلّى دولة لبنان عن أية مقاربة تدخلية تفترض زيادة الإنفاق العام.
لم تلعب الدولة أيّ دور تنموي خلال حقبة الانتداب ولا خلال العقدين الأولين من الاستقلال


هذا ما كرّسته النصوص القانونية التي تنظّم عمل الوزارات. خلال الستينيات، حدّد القانون أنّ دور وزارة الاقتصاد هو تسجيل الشركات الجديدة لا غير. وحُصر دور «مكتب التنمية الصناعية» في هذه الوزارة الذي أنشأه المرسوم الاشتراعي رقم (30) في صيف 1967 بتلقي طلبات إنشاء المؤسسات الجديدة وتسجيلها (مرسوم، 1967). وأظهرت صلاحياته الالتزام بما ينصّ عليه بروتوكول الـ«غات» لجهة خفض الحماية الجمركية «الزائدة عن المعقول»، وتوفير حماية لخمس سنوات للصناعات الناشئة.
وورثت وزارة الصناعة والنفط التي أُنشئت عام 1973، هذا المكتب بدون أن يطرأ أي تعديل على صلاحياته. بل إنّ محتوى مرسوم عام 1967 بقي يتكرّر بالصيغة ذاتها على مدى الخمسين سنة اللاحقة. وهي شهدت فصل النفط عن الصناعة في عام 1997 (قانون، 1997). وتنحصر مهمّات وزارة الصناعة بالسهر على تطبيق القوانين والأنظمة، وإعطاء التراخيص وتوفير الإحصاءات، والمشاركة في المعارض وتوقيع الاتفاقات الدولية. أي كلّ الأمور التي هي بلا جدوى.
وقد مثّلت الإعفاءات الضريبية الإجراء الأهم لتشجيع القطاعات الإنتاجية. واقتصرت تدخّلات الدولة لمصلحة هذه القطاعات قبل الحرب على فرض رسم جمركي على الواردات من النسيج لتمويل صندوق دعم الصادرات النسيجية. وخلال عهد الرئيس فرنجية، أُقرّت تشريعات أعطت أفضلية للمؤسّسات الوطنية في المشتريات الحكومية عملاً ببروتوكول الـ«غات». وقد انحصر همّ الحكومات المتعاقبة قبل عام 1975 بالتصدي لغلاء المعيشة آنذاك (داغر، 2014).
التمييز بين «الإدارة المعنية بتطبيق القوانين» و«الإدارة التنموية»
أخذاً في الاعتبار المهام المنوطة بالوزارات المختلفة، يمكن تصنيف الإدارة العامة في لبنان في فئة الإدارات «المعنية حصراً بالتأكّد من تطبيق القوانين» (regulatory). وليس لها أيّ دور تدخّلي لدعم القطاعات الإنتاجية (developmental). وقد ميّز الباحث الأميركي الكبير شالمرز جونسون بين شكلَي تعاطي الدولة مع القطاعات الإنتاجية (جونسون، 1982).
حتى التاسع عشر، كان تعاطي الدولة مع الاقتصاد في كلّ البلدان من النوع الأول. وفرض مجيء بلدان عديدة «متأخرة إلى التصنيع»، أن تعتمد الدولة فيها مقاربة تدخلية تقوم على حماية ودعم القطاعات الإنتاجية. ونشأت بالتالي، ومنذ ذلك الوقت، مقاربتان على طرفي نقيض في هذا المجال. وحين تعوّل الدولة حصراً على قوى السوق (market-rational state) تكون الإدارة الحكومية معنية فقط بالتأكد من الالتزام بالقوانين، وينحصر دورها بالتثبّت من الالتزام بالقواعد (جونسون: 19). أما حين تتولى الدولة تعيين الأهداف والتخطيط في مجال الاقتصاد (plan-rational state)، فتتم ترجمة ذلك من خلال سياسة صناعية صريحة. ويكون الهدف إكساب المؤسّسات الوطنية مقدرة تكنولوجية تخوّلها المنافسة في الأسواق الدولية. وتحمي الدولة في هذه الحالة المؤسّسات الإنتاجية وتدعمها. هذا ما فعلته الدولة في اليابان. ثم تبعتها في ذلك بقية بلدان شرقي آسيا التي حققت تصنيعها المتأخّر (داغر، 1999).
ويوضح الباحثان ويستفال وباك أنّ ما ميّز الاستراتيجية الصناعية في هذه التجربة، هو أنها لم تكن محايدة (neutral)، بمعنى عدم التمييز بين القطاعات الإنتاجية المختلفة، بل كانت انتقائية (selective). وأهم ما فيها الحوافز العديدة الموفّرة لبناء ميزات تفاضلية للصناعات الناشئة ولتلك التي تتحضّر لاختراق الأسواق الدولية (ويستفال وباك، 1986). أي كانت هناك نصوص قانونية تحدّد الصلاحيات التدخلية للإدارة العامة، وكذلك الموارد التي ينبغي أن تستخدمها لممارسة مهامها التدخّلية.

ملاحظات ختامية
لم تكن الإدارة الحكومية في لبنان، قبل عام 1975، تنموية بأيّ شكل من الأشكال. وذلك بمعنى توفير دعم وحماية لمؤسّسات وقطاعات إنتاجية بعينها. وقد استطاعت في عصرها الذهبي، أن توفّر خدمات عامة للمواطنين كالكهرباء ومياه الشفة بمستوى لائق. لكنّها بقيت معطّلة في كل ما له علاقة بإطلاق القطاعات الإنتاجية وتعزيز حضورها. وذلك لغياب أيّ تعريف قانوني لها كإدارة تدخّلية. وهذا ما انتقص من قيمتها وجعلها ضعيفة في المواجهة مع السياسيين.
* أستاذ جامعي

المراجع

Albert Dagher, L’Etat et l’Economie au Liban: action gouvernementale et finances publiques de l’Indépendance à 1975, Cahiers du CERMOC, 1995, pp. 73-99.
Chalmers Johnson, MITI and the Japanese Miracle: The Growth of Industrial Policy, 1925-1975, Stanford, Stanford University Press, 1982.
Christophe Ingels, L’Administration libanaise au sortir du conflit civil: permanence de l’enjeu politique partisan et impératifs fonctionnels de la reconstruction à portée nationale, Thèse, I.E.P. d’Aix-en-Provence, 1999.
H. Pack, L. Westphal, “Industrial Strategy and Technological Change: Theory versus Reality”, in Journal of Development Economics, v0l. 22, 1986, pp. 87-128.
ألبر داغر، «التهيئة للحرب الأهلية (1975 ــــ 1990)»، الأخبار، 6 و8/5/2014.
ألبر داغر، «مقاربة بنيوية للسياسة الصناعية في لبنان»، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 30، تشرين الأول 1999، ص. 113 ــــــ 138، أُعيد نشرها في كتاب ألبر داغر، «لبنان وسوريا: التحديات الاقتصادية والسياسات المطلوبة»، 2001، 241 صفحة، ص. 95 ــــــ 125.
ألبر داغر، «كيف أُفرِغ ريف لبنان من أهله»، الأخبار، 5 و6 أيلول 2011.
قانون «إحداث وزارة الصناعة» رقم (642)، تاريخ 2/6/1997؛ تم تعديله بالقانون رقم (20)، تاريخ 5/9/2008.
مرسوم اشتراعي رقم (3)، «تنظيم الصناعة وتنميتها»، تاريخ 5/8/1967.