في مسرحية (الكوميديا الإلهية La Comédie Divine) لـDante قيل:

‏«إنَّ أحلك الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في الأزمات الأخلاقية»!!!
‏فهناك بديهية حضاريةٌ تاريخيةٌ عُقلائيةٌ فلسفيةٌ أن الحياد يكون بين أمرين مُفيدَين, وأما الحيادُ بين الحق والباطل أو بين الظالم والمظلوم أو بين المُعتدي والمعتدى عليه... فهو تصرفٌ أرعن.

لذا:
ليس كل من رَفَعَ شعار السَّلام قَصَدَهُ
وليس كل من رَفَعَ شعار الحب أرادَهُ
وليس كل من رَفَعَ شعار العدل قَبِلَه...
وهكذا ليس كل من رفع شعار الحِياد كان نَزيهاً، وخصوصاً إذا كان كلامه في ضمن سِياقٍ تاريخي وثقافي لا يُسْعِفُه ولا يَشفَع له. تماماً كالظالم عندما يتحدَّث عن الأخلاقٍ والمبادئ! وخاصةً إذا كان تاريخُ صاحب المَشروع لا يُساعد على الوصول إلى تضليلاته:
فصاحبُ المَواقف الرمادية ليس حياديّاً. والخاضعُ دوماً للسياسة «الأميركية والفرنسية» ليس حياديّاً أبداً. والذي ينصرُ جيشَ العُمَلاء ليس حياديّاً. والذي يُبرِّر لعميل ويُنَظِّر لخائن ويَمدح مجرماً ليس حياديّاً. والذي يَتَذَبْذَب في الحروب الداخلية فيكون واقعُه شيئاً وكلامه حَمَّالَ أوْجُه... ليس حياديّاً. والذي يُصرُّ على سَلخ البَلاد عن أصولها وانتمائها ولُغَتها وتاريخها لتُصبح هَجينةً وبِلا هويَّة... ليس حياديّاً. والذي يُجهِدُ آلته الثقافية وإمكانياته ومؤسساته والمُستأكِلين حوله ليلَ نهارَ من أجل تزوير التاريخ بقصص وأساطير ومواقف وهمية وحكايات ومعارك وشخصيات وكلمات لا أساس لها في مُعجَمٍ مُعتبر ثم الترويج لما لا أصلَ له... ليس حيادياً. والذي يُدافع عن رمزِ فسادٍ قَسَمَ ظهر البلد... ليس حياديّاً. والذي يَمِيلُ إلى أهل الصَّفقات ويَتعامل بفوقيَّةٍ ويَدَّعي مُلكية الكيَان ومَجد لبنان... ليس حياديّاً.
والذي يُخاطِبُ مُحيطَهُ وأهل وطنه بِصفَة «الغرباء»، كتصنيفٍ عُنصُريٍّ بَغِيض بهدف شحن النفوس وتأليب الناس على بعضهم البعض... هذا ليس حيادياً. والذي يرعى دائماً تجمّعات عُنصُرية فِئَوية تَبُخُّ سُمّاً... ليس حيادياً.
إذاً: هي عناوين جاهزة تُستَعملُ عند الحاجة، تماماً كدعوة أعدائنا إلى «السلام» و«المحبّة»!

* كاتب وعالم دين