قليلٌ جداً ما يجري الحديث عن القضايا الاقتصادية المفترض بحثها خلال أي عملية تفاوضية مرتقبة، رغم أنّ هذه القضايا باتت تمثل محرّكاً أساسياً لكثير من الأحداث المرتبطة بالشأن السوري ومستقبله، من قبيل الحضور الاقتصادي الشرعي أو غير الشرعي لبعض الدول في البلاد، وتجاوز الأزمة الاقتصادية الحدود الوطنية، وصعوبة معالجتها من دون مساهمة جميع السوريين، والانهيار الحاصل في اقتصادات بعض الدول المجاورة، إذ غالباً ما يُوجّه الاهتمام في الدعوة إلى حوار سوري ــــ سوري نحو أولويتين أساسيتين: الأولى تتعلّق بمسودة الدستور التي سيتم الاتفاق عليها بين جميع الأطراف المعنية بالأزمة السورية، والثانية تتمثل في مشروع قانون الانتخابات، الذي سيُعمل به لتنفيذ مخرجات العملية السياسية. وربما هذا ما يفسر ــــ مثلاً ــــ غياباً شبه كامل للاقتصاديين عن تركيبة الوفود المشاركة في اللقاءات والمفاوضات التي جرت حتى الآن. هذا في وقت يعتبر فيه كثيرون أنّ الأزمة الاقتصادية في البلاد باتت أكبر وأخطر من الأزمة السياسية، ومعالجتها تتطلّب حواراً أو اتفاقاً بين جميع السوريين.

في الداخل والخارج، يربط السوريون بين الملفَّين الاقتصادي والسياسي في أية عملية تفاوضية مستقبلية، انطلاقاً من أنّ نجاح أي حلّ سياسي سيكون مرهوناً بتوفّر مقوّمات أساسية غير قابلة للتأجيل من قبيل عودة سيطرة الدولة الكاملة على جميع مواردها وثرواتها، واستثمارها بما يخدم مصالح السوريين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق معايير تجعل منها مؤسسات تقوم على المشاركة والشفافية والمساءلة. عموماً، يمكن تصنيف المطالب الاقتصادية للسوريين، الواجب حضورها على جدول أعمال الجلسات التفاوضية في أية عملية سياسية تحضّرها الحكومة مع المعارضة السياسية، في مسارين مكمّلين لبعضهما البعض، إلا أنّ الأول سابق للثاني ويتمثّل بما يجب أن يناقشه السوريون ويتفقوا عليه في حوارهم الثنائي، والمسار الثاني ما يُفترض بالمجتمع الدولي القيام به من إجراءات تدعم إعادة بناء الاقتصاد السوري.

إشكالية هوية الاقتصاد السوري
فيما كان دستور البلاد الصادر عام 1973، ينصّ صراحة على اتّباع النهج الاشتراكي في إدارة الاقتصاد، كانت السياسات الاقتصادية المطبّقة خلال سنوات ما قبل الأزمة تقترب أكثر من تطبيق آليات السوق، وهذا استمر حتى بعد إعلان البلاد عزمها على تطبيق ما سمي بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي». لكنّ الأمر تحوّل إلى ما يشبه حالة من الغموض مع العمل بالدستور الحالي، والذي فضّل مشرّعوه ترك مسألة تحديد هوية الاقتصاد إلى مرحلة لاحقة. وتالياً، فإنّ أول مطالب الخانة الأولى، والمعني بتحقيقه السوريون أنفسهم أثناء حوارهم التفاوضي، يتمثل في ضرورة تحديد هوية الاقتصاد السوري مستقبلاً بما ينسجم والخصوصية السورية التي فرضتها سنوات الحرب التسع، والإمكانات والموارد المتاحة، والتجربة التنموية السابقة. وهناك مطلب آخر يتعلق بتضمين «مشروع الدستور» مبادئ اقتصادية واضحة تضمن التوزيع العادل للدخل، وفرض الضرائب وفق أسس ومعايير عادلة وموضوعية، ومسؤولية الدولة واستمرارها في تقديم الدعم والحماية الاجتماعية للطبقات المحرومة والمحتاجة، فضلاً عن تفكيك شبكات الفساد التي نشأت خلال سنوات الحرب أو قبلها، ومحاسبة المسؤولين عنها واسترداد الأموال العامة المنهوبة، الموجودة في الداخل أو التي جرى تهريبها إلى الخارج.

ثمة تقديرات غير رسمية متباينة حول كلفة إعادة الإعمار، لكنها لا تقل عن 200 مليار دولار في أكثر التقديرات تفاؤلاً


في هذا المجال، تحضر المطالب المعني بتحقيقها المجتمع الدولي في إطار مسؤولياته بإنجاح الحل السياسي وضمان تنفيذه واستمراريته. وعدد هذه المطالب ثلاثة: أوّلها، في ضمانة استعادة سوريا لموقعها الجيو ـــــ اقتصادي المهم من دون أي انتقاص أو عوائق، وذلك من خلال سيطرة الدولة على مواردها وثرواتها وحدودها ومعابرها البرية كاملة. فخلال سنوات الأزمة، عُزلت سوريا عن محيطها الجغرافي، وهو ما تسبب بفوات عوائد مالية كبيرة جراء توقف حركة «الترانزيت»، وحدوث انكماش كبير في حجم الصادرات السورية، فضلاً عن خسارة البلاد لمليارات الدولارات جراء عملية الاستثمار غير الشرعي للثروة النفطية والغازية، سواء من قبل تنظيم «داعش» أو القوات الأميركية و«قسد». وبالأهمية نفسها يأتي المطلب الثاني، والذي يتلخّص في العمل على رفع العقوبات الغربية الأحادية الجانب، التي قادت إلى تراجع شديد في الوضع المعيشي والاقتصادي للسكان. وكما حال جميع الدول التي مرّت بحروب داخلية أو خارجية، فإن أحد الأسئلة الرئيسة التي لا يملّ السوريون من طرحها، يتعلق بإمكانية البدء فعلاً بإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وتوفير التمويل اللازم لها. ولهذا، فإن ملف إعادة الإعمار لا بد أن يكون حاضراً في نقاشات السياسيين، نظراً إلى كونه مسؤولية مشتركة بين المجتمع الدولي من جهة والحكومة السورية من جهة ثانية. وثمة تقديرات غير رسمية متباينة حول كلفة إعادة الإعمار، لكنها لا تقل عن 200 مليار دولار في أكثر التقديرات تفاؤلاً. وهناك من ينظر إلى ما سبق بشكل مختلف، إذ بحسب رأيه فإن المطالب الثلاثة السابقة لا يمكن فصلها عن الجانب السياسي، لا بل هي سياسية في الجوهر، مثل العقوبات مثلاً.
ولكنّ سؤالاً هنا لا ينفكّ يطرح نفسه: هل من المناسب أن تكون هذه الملفّات وغيرها حاضرة على أجندة اجتماعات المسار السياسي؟ أم أن الأفضل إحداث مسار اقتصادي تشارك فيه شخصيات اقتصادية مشهود لها بالكفاءة والخبرة، وتمثل مختلف الأطياف السياسية المشاركة في العملية التفاوضية؟ تتباين الإجابة، بين من يعتقد أن ارتباط الملف الاقتصادي بالمسار السياسي هو أمر حتمي، تفرضه حقيقة أن تنفيذ ما يتّفق عليه اقتصادياً سيظل مرهوناً بالتوصل إلى حل سياسي، وبين من يؤمن بأن الملف الاقتصادي يحتوي على نقاط كثيرة تجمع السوريين، وهذا بعكس الملف السياسي، وتالياً فإن فرصة تحقيق اختراق مهم فيه تبدو كبيرة، الأمر الذي يشجّع على دعم فكرة اعتماد مسار تفاوضي خاص بالملف الاقتصادي.