كانت فترة ما بعد الأربعينيات حافلة بمخطّطات ومشاريع استعمارية للمنطقة كلّها، لتكبيلها وربطها بعجلة الاستعمار ومصالحه. بريطانيا سعت إلى جعل العراق قاعدة لتكتّل عربي يأخذ صورة جامعة عربية، وتكتل إسلامي أيضاً، مستهدفة حماية مصالحها في الشرقين العربي والإسلامي، والولايات المتحدة كانت تخطّط لحماية مصالحها المتنامية في المنطقة، فمن مشروع ترومان، إلى النقطة الرابعة، إلى الحزام الشمالي، ومشروع أيزنهاور، وحلف بغداد. بريطانيا «لن تعدل في كلّ حال عن نهب أو إلحاق فلسطين وما بين النهرين...»، كما كتب لينين عام 1917، بينما الولايات المتحدة تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها على حساب شركائها الإمبرياليين، وتعمل على احتلال مواقعهم.

«نصب الحريّة » الحريّة لجواد سليم (1961) يجسّد محطات مهمّة من تاريخ العراق من بابل وآشور وسومر إلى ثورة تموز/ يوليو 1958 - رسول العلي Dreamstime.com

يعني أنّ المنطقة، والعراق منها، كانت موضع اهتمام رئيس، وموضوعة في جدول أعمال القوى الإمبريالية وأهدافها الاستراتيجية. فكانت هذه المخططات والمشاريع محفّزاً، من جهة أخرى، للحركة الوطنية للمواجهة والنضال الموحّد. وبذل «الحزب الشيوعي» بقيادة سكرتيره الجديد حسين أحمد (الموسوي) الرضي ــــــ (سلام عادل)، جهوداً متنوعة للوصول إلى قيام جبهة وطنية موحّدة، ببرنامج محدّد بوضوح، تُجمع عليه القوى الوطنية ويحقّق الأهداف والمطالب الوطنية الديمقراطية، كما يقرّب ساعة الخلاص وإنقاذ الشعب العراقي من الاستعمار والرجعية الحاكمة. في 22 تموز / يوليو 1956، صدرت جريدة الحزب المركزية باسم «اتحاد الشعب» بدلاً من «القاعدة»، رافعة شعاراً رئيساً في صفحتها الأولى يقول: «ناضلي يا جماهير شعبنا في جبهة وطنية موحّدة واسعة، في سبيل الانسحاب من ميثاق بغداد ـــــ وإشاعة الحريات الديمقراطية وضمان حقوق الشعب الدستورية وحماية اقتصادنا وثروتنا الوطنية، في سبيل التحرّر من نفوذ الاستعمار وسيطرة شركاته وعملائه، من أجل التضامن القومي مع الحركة التحررية العربية».
وخصّص «المجلس» الكونفرنس الحزبي الثاني، في أيلول/ سبتمبر 1956، باباً للجبهة الوطنية الموحّدة في تقريره الأساس، الذي أكّد فيه مرارة السيطرة الاستعمارية ومآسيها، وخصوصاً بعد «حلف بغداد»، و«على هذا الأساس تطرح الجبهة الوطنية نفسها باعتبارها ضرورة تاريخية، باعتبارها اتحاداً وطنياً شعبياً شاملاً، ينبغي أن يضمّ في إطاره كل أصحاب المصلحة في تغيير الوضع وإصلاحه، من العمّال والفلاحين وجمهور الكادحين إلى المثقّفين والطلبة والنساء والشباب، إلى أصحاب الصناعات الوطنية والتجّار والمزارعين، إلى العسكريين ورجال الدين، وكلّ الوطنيين من مختلف القوميات والأديان».
وقضت انتفاضة الشعب التضامنية مع الشعب المصري المقاوم للعدوان الاستعماري الثلاثي، البريطاني والفرنسي والإسرائيلي، بتشكيل قيادة ميدان مشتركة من «الحزب الشيوعي العراقي» وحزب «البعث» و«الوطني الديمقراطي والاستقلال»، لقيادة التظاهرات الجماهيرية وإدارتها. وقد شهدت ثلاثون مدينة موجات التظاهرات والإضرابات طوال ثلاثة أشهر بعد العدوان، وخصوصاً في مدن بغداد والنجف والحي والموصل والناصرية.
دفع صمود الشعب المصري وقيادته، والتضامن العربي، والإنذار السوفياتي، إلى وقف العدوان والانسحاب من أرض مصر، وإلى انتصار المقاومة المصرية وتطوّر حركة التحرّر الوطني العربية، التي اعتبرت قضية مصر قضيّتها. وقد انعكست هذه التطوّرات على الشارع العراقي أيضاً، من خلال ردود الأفعال وإجراءات السلطات الحاكمة الاحتياطية والقمعية وحالة الطوارئ، وكذلك من خلال مواصلة لجان العمل المشترك بين الأحزاب الوطنية، العلنية والسرية، والمنظمات الديمقراطية وتطوّرها، في مطلع عام 1957، بعد تقييم انتفاضة تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، والوصول إلى صيغة عمل وطني مشترك تجلّت في «جبهة الاتحاد الوطني»، وإعلان لجنتها الوطنية العليا وبيانها التأسيسي في 9/3/1957. وعزّزت الجبهة اتصالها بالقوى الوطنية العربية من جهة، وبمنظمة الضباط الأحرار، مطلع عام 1958، من جهة أخرى. وكان لهذا التعاون والتحالف دوره الكبير والحاسم في تفجير ثورة 14 تموز / يوليو 1958 ونجاحها.
قضت الانتفاضة التضامنية مع الشعب المصري بتشكيل قيادة مشتركة من «الحزب الشيوعي العراقي» و«البعث» و«الوطني الديمقراطي والاستقلال» لقيادة التظاهرات الجماهيرية


ضمّت جبهة الاتحاد الوطني ممثلي «الحزب الشيوعي»، و«الحزب الوطني الديمقراطي»، و«حزب الاستقلال»، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، وعدداً من المستقلين الديمقراطيين. (تشكّلت لجنتها الوطنية العليا من: جمال الحيدري عن الحزب الشيوعي، محمد حديد عن الحزب الوطني الديمقراطي، صديق شنشل عن حزب الاستقلال، فؤاد الركابي عن حزب البعث)، كما وقّع الحزب الشيوعي اتفاقاً ثنائياً مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني» ـــــ العراق، تضمّن إلى جانب الأسس العامة لميثاق الجبهة، الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي، ومن ضمنها الحكم الذاتي لكردستان ــــــ العراق.
وقد طرحت الجبهة الأهداف الوطنية الكبرى في ميثاق عمل مشترك، ضمّ إلى جانب الأهداف ديباجة أو تعريفاً بها. وكما يبدو أنّ النص أكثر نضجاً وتعبيراً عن الفكر والسياسة وتطلّعات الشعب العراقي، بكلّ مكوّناته وطبقاته الاجتماعية، رغم كلّ الضغوط والتدخّلات والأخطار الخارجية، أيضاً، وقد نشر نص الميثاق الأهداف التالية:
ــــــ تنحية حكومة نوري السعيد وحلّ المجلس النيابي.
ــــــ الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحرّرة.
ــــــ مقاومة التدخّل الاستعماري بشتّى أشكاله ومصادره وانتهاج سياسة عربية مستقلّة أساسها الحياد الإيجابي.
ــــــ إطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية.
ــــــ إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين وإعادة المدرّسين والموظفين والمستخدمين والطلّاب المفصولين لأسباب سياسية.
أما أهم الأسس التنظيمية للجبهة، فهي:
1 ـــــ يجب تمثيل الأحزاب المشتركة في الجبهة في اللجنة الوطنية واللجنة التنفيذية واللجان الرئيسَة، بممثل واحد أو أكثر على أن يكون لكل حزب صوت واحد دائماً.
2 ـــــ يجوز ضمّ عناصر غير حزبيين إلى مختلف لجان الجبهة بما فيها اللجنة الوطنية العليا.
3 ـــــ لا يُتخذ أي قرار ملزم إلا إذا أجمع عليه ممثلو جميع الأحزاب، أما العناصر المستقلّون فالحصول على موافقتهم أمر ضروري. ولكن إذا رفض أحدهم تأييد أحد القرارات لا يؤدي ذلك إلى نقضه.
4 ـــــ لا يشترط تمثيل كل الأحزاب في اللجان الفرعية.
5 ـــــ تظلّ جميع الأحزاب الداخلة في الجبهة مستقلّة عن بعضها البعض سياسياً وكذلك العناصر غير الحزبيين.
6 ـــــ في الأمور المختلف عليها يحقّ لكل حزب من الأحزاب أن يدعو إلى رأيه الخاص إذا كان ذلك الرأي مناقضاً لروح ميثاق الجبهة والقرارات التي تُجمع عليها الأحزاب.
كذلك، شُكلت اللجان المختلفة لقيادة العمل الوطني، (اللجنة التنظيمية العليا، ضمّت حسين جميل عن الوطني الديمقراطي، حمزة سلمان عن الشيوعي وأحياناً عزيز الشيخ، زكي جميل حافظ عن الاستقلال، شمس الدين كاظم عن البعث، وصلاح خالص وطلعت الشيباني عن المستقلين)، ونسّقت بشكل متوازٍ مع منظمة الضباط الأحرار، موفّرة العامل الذاتي للثورة التي نجحت في الرابع عشر من تموز / يوليو 1958. تلك الثورة التي أسدلت الستار على صفحة سياسية من تاريخ العراق، فاتحة أخرى، باعتبارها ثورة وطنية ديمقراطية معادية للاستعمار والرجعية.
في نسخة مؤرّخة في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، معنونة ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، جاء فيها ما يعكس الوعي ووضوح الفكر السياسي لقيادات الأحزاب والمشاركين في قيام وعمل الجبهة، الذي افتقد بعده، ولا سيما بعد الاحتلال الأميركي وحلفائه ومتخادميه عام 2003، فورَد في نص الميثاق:
1 ــــ لما كانت جبهة الاتحاد الوطني تقرّ بأنّ أمة العرب واحدة فرّقها الاستعمار وأعاق توحيدها، وأنّ العراق جزء لا يتجزّأ من الأمة العربية، فإنّها تعمل على إعلاء شأن القومية العربية وتسعى بشكل خاص من أجل تحديد أفضل وأمتن شكل من أشكال الارتباط بالجمهورية العربية المتحدة، على أن يجري ذلك بالوسائل الديمقراطية المألوفة.
2 ــــ تعتبر الجبهة أنّ الكيان العراقي يقوم على أساس من التعاون بين المواطنين كافّة، باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم، وتعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن وتقرّ حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية، وتسعى من أجل تطبيق ذلك.
3 ــــ تعمل الجبهة على صيانة استقلال العراق من كلّ تدخّل أجنبي وتبنّيه سياسة عربية متحرّرة، وانتهاجه سياسة الحياد الإيجابي وإبعاده عن التكتلات والمحالفات العسكرية والأجنبية ومتابعته السير في إقامة وتوسيع علائق التعاون الدولي المتكافئ طبقاً لمبادئ مؤتمر باندونغ والتعايش السلمي على أساس المصالح المتبادلة وحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير والعمل على توطيد السلام في العالم.
4 ــــ تعمل الجبهة على دعم الثورة وتحقيق أهدافها والسير بها لبلوغ حياة ديمقراطية سليمة.
5 ــــ تعمل الجبهة على توجيه الاقتصاد نحو إعمار البلاد وتصنيعها بسرعة بإقامة الصناعات الكبيرة وتشجيع الصناعات الوطنية الأهلية وتوظيف رأس المال الوطني في المشاريع المنتجة والعمل على تطبيق الإصلاح الزراعي وتطوير الزراعة وزيادة الإنتاج القومي ونشر الرخاء العام.
وختمت النص بـ: تعتبر الأطراف المشاركة في جبهة الاتحاد الوطني هذا الميثاق عهداً في ما بينها للعمل باتحاد وتضامن من أجل تحقيق أهدافه. والتوقيع: اللجنة الوطنية العليا لجبهة الاتحاد الوطني.
عموماً، كانت التحالفات السياسية وسيلة لتحقيق أهداف مرحلية، وقد بيّنت التجربة العملية دورها في المنعطفات والأزمات السياسية التي مرّ بها العراق. وكشفت سياسة التحالفات مدى حرص الأحزاب السياسية وقياداتها وثقتهم بالبرامج والشعارات التي كانوا يرفعونها أمام الرأي العام العراقي، والتذبذب والتردّد في تنفيذها. كما بيّنت سياسة التحالفات أنّ بعض الأحزاب السياسية، وخصوصاً السرية منها، كانت قد جعلتها غاية ووسيلة لنشاطاتها في الوقت نفسه، ما أضعف موقفها عند الأحزاب الأخرى العلنية التي كانت تريد منها وسيلة ضغط أو كسبٍ مؤقت على الحكام من طرف، وعلى الحركة الوطنية من طرف آخر. كما أنّ سياسة التحالفات قد عرّضت أحزاباً عديدة، وخصوصاً الجادّة منها، إلى انشقاقات مؤيّدة أو معارضة لها، مثلما حصل لـ«الحزب الشيوعي» عام 1952، بعدما رفع شعارات ووضع برنامجاً جديداً يسارياً «متطرّفاً» في الاتجاهات العامة، وحدث الأمر نفسه لدى «الحزب الوطني الديمقراطي»، ولكن بشكل آخر، إذ انشق الجناح اليساري عنه، وكذلك حصل في حزبَي الأمة والأحرار.
لكن تجربة التحالفات السياسية في العراق أثبتت جدواها، ومسؤوليتها أمام الرأي العام العراقي، وقدرتها على اللحاق بحركة الشارع السياسي، ولا سيما في انتفاضة تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، والإعداد للثورة، وبضغطها السياسي وتأثيرها على الحكم، وخصوصاً في انتخابات 1954.
كانت دروس التحالف غنية للتعاون والتنسيق السياسي، ولدفع عملية التغيير الثوري في العراق، وإنقاذ الشعب من الهيمنة الاستعمارية والإرهاب الرجعي الحاكم. حيث كانت الفترات التي سبقت التحالفات السياسية تبديداً للطاقات الوطنية وهدراً لإمكانات الشعب الثورية ومداً لعمر الظلم والطغيان والاستغلال الاستعماري.
ومن جهة أخرى، أبرزت أهمية دورها في تعاون القوى الوطنية، وكونها حاجة ماسة إلى تصعيد نضال الشعب، وإنجاز أهدافه، وهذا ما أثبتته الأحداث في البلاد. وتجربة جبهة الاتحاد الوطني مثال.

للمصادر يراجع كتاب كاظم الموسوي: «العراق: صفحات من التاريخ السياسي»، ط1، السويد 1992، ط2 دمشق 1998، ط3 القاهرة 2008، والرابعة إلكترونية.
ومدوّنة الأستاذ د. إبراهيم العلاف حول صورة وثيقة الميثاق. وموقع التاريخ الحديث والمعاصر على الفايسبوك.

* كاتب عراقي