ثلاث سنوات من صراع دمرت تداعياته الإنسان الذي كان على الدوام في عين العاصفة. وكذلك البنى الاجتماعية، والقطاعات الخدمية والإنتاجية والاستخراجية. حتى تحوّل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حرب، الأولوية فيه تأمين المواد الأساسية. وقد قدّرت مصادر رسمية، إجمالي الأضرار والخسائر حتى نهاية عام 2013 بأكثر من 4.67 تريليونات ليرة سورية، فيما رأت مصادر بحثية بريطانية أن الناتج المحلي في سوريا انخفض إلى 34 مليار دولار عام 2014، بعدما وصل إلى 60 ملياراً عام 2010.


وبحسب التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، فإن الاقتصاد السوري خسر حتى النصف الثاني من عام 2013، ما مجموعه 103 مليارات دولار، منها 49 ملياراً عام 2012.
أما الاسكوا فإنها قدرت خسارة سوريا على المستوى التنموي بـ37 سنة. إذ إن الصراع دمّر 40% من الأصول الرأسمالية المنتجة. فيما تقديرات تكاليف إعادة الإعمار الأولية تشير إلى مبلغ يقدّر بـ165 مليار دولار. فيما استمرار القتال يزيد من حدّة انخفاض الناتج المحلي، كذلك فإن الاقتصاد السوري انكمش بمعدل يتراوح بين 35 و40 %، ومن الممكن أن يصل إلى 60 %. بينما معدل البطالة تجاوز 48،8%. أما قوة العمل فإنها خسرت حوالى مليوني فرصة عمل عام 2012، وارتفع هذا الرقم إلى أكثر من 2.3 مليون بحلول الربع الأول من عام 2013. أما متوسط الأجر فإنه لم يعد يكفي حاجات المواطن الدنيا من المواد الأساسية. فالاستهلاك الخاص انكمش بنسبة 25.3% مقارنة مع عام 2011، وبنسبة إضافية بلغت 4.8 % في الربع الأول من عام 2013. كذلك انكمش الاستهلاك العام بنسبة 28.4 % عام 2012، وبنسبة إضافية تبلغ 7 % في الربع الأول من عام 2013. وقد ذكر حاكم المصرف المركزي السيد أديب ميالة أنّ معدل التضخم يتراوح بين 47% ــ 51%، وسعر صرف الليرة تراجع إلى 71،29%، بينما حجم السوق الحرة ارتفع إلى 145%. في وقت يلاحظ فيه الجميع أن ارتفاع الأسعار تجاوز الخطوط الحمراء كافة. إن تكاليف المواد الأساسية والغذائية ارتفعت عن أسعارها قبل الأزمة بنسبة تقارب 300%، أي إنّ الأسرة المكونة من خمسة أشخاص تحتاج حالياً لتأمين حاجاتها من المواد الغذائية والأساسية إلى دخل ثابت يتراوح بين 95000 و126000 ليرة سورية شهرياً. في وقت لا يتجاوز فيه الدخل الشهري لـ80% من العاملين في القطاعين العام والخاص 30 ألف ليرة سورية. وفي سياق متصل فقد صرّح الدكتور قدري جميل قبل الأزمة: (حتى يعيش المواطن حياة كريمة) يجب أن يكون الحد الأدنى للأجور بين 30000 ــ 40000 ألف ليرة سورية، والحد الأعلى 120000 ألف ليرة سورية. وفي السياق ذاته، فقد نشرت منظمة الغذاء العالمية في الأمم المتحدة في تقريرها الأخير، أن أربعة ملايين سوري غير قادرين على تأمين حاجاتهم الغذائية، وحوالى 9.6 ملايين يحتاجون إلى مساعدة. إضافة إلى أن 6.7 ملايين شخص انضمّوا إلى قائمة الفقراء في الربع الأول من عام 2013، منهم 3.6 ملايين نسمة من الأشخاص في فقر مدقع. وتقدّر نسبة الفقر وفق الخط الوطني الأعلى قبل الأزمة بـ 33,2%، أي إن 7,6 ملايين من السوريين يقعون بين خطي الفقر الأعلى والأدنى. وتشير تقارير أخرى إلى أن مليون عامل سوري من أصل قوة العمل البالغة نحو 6 ملايين عامل يعملون بأجر لا يزيد عن الحد الأدنى للأجور. أما فيما يخص حجم الدمار الذي طال البنى التحتية. فقد قدّر مسؤول في وزارة الكهرباء السورية، أن القيمة التقديرية للأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء منذ بداية الأزمة وحتى نهاية العام الماضي بنحو 157 مليار ليرة سورية. فيما قدرت الوزارة قيمة الأضرار نتيجة الاعتداءات على الشبكة بنحو 135 مليار ليرة سورية لغاية الربع الأخير من عام 2013.


تزامن التراجع التجاري مع تهريب حوالى 1500 مصنع إلى تركيا

أما قطاع الصناعة الاستخراجية، فقد تكبّد خسائر فادحة. ووفق أرقام وزارة النفط، فإن الأزمة أدت إلى تراجع إنتاج النفط من 385 ألف برميل إلى 13 ألف برميل. إذ بلغت أضرار القطاع النفطي خلال الأعوام الثلاثة الماضية نحو 1600 مليار ليرة. ولمواجهة هذا الأمر فقد وقّعت دمشق مع طهران اتفاقاً لفتح خط ائتماني بقيمة 3 مليارات دولار.
أما الحركة التجاريةـ فقد سجلت آخر التقارير أن الصادرات السورية تراجعت بنحو 97 % بين الربع الأول من 2011 والربع الأول من 2013. وتزامن هذا التراجع مع تهريب حوالى 1500 مصنع إلى تركيا. وقد أشار وزير الصناعة عدنان السخني، إلى أنّ خسارة القطاع الصناعي المباشرة وغير المباشرة بلغت حتى نهاية الشهر السادس من عام 2013 ستين مليار ليرة سورية. أما رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية ورئيس غرفة صناعة حلب فارس الشهابي فقد أشار إلى أنّ «الإرهاب ساهم في تخريب 113 ألف منشأة، حصة حلب منها 35 ألفاً»، مؤكداً «إننا على عتبة كارثة اقتصادية وبشرية» («الثورة»، 23/ 4/ 2013). لكن هذا لا يعني تجاهل سياسات تحرير الاقتصاد التي شكلت وما تزال تهديداً مباشراً للاقتصاد السوري. إن إطلاق حرية التبادل التجاري واشتغال رأس المال وفتح الأسواق المحلية أمام سلع أجنبية تتمتع بكثافة رأس المال وميزات تنافسية عالية من دون وضع أي ضوابط أو ضمانات تُحصّن الصناعات الوطنية من انفتاح الأسواق السورية أمام السلع المستوردة، ساهم في إقفال وإفلاس أكثر من 1350 ورشة ومصنع وحرفة أواسط عام 2011. أما القطاع السياحي الذي كان يعتبر مصدراً لتأمين القطع الأجنبي للاقتصاد السوري، فإنه شبه متوقف وتقدر خسائره في نهاية عام 2013 بما يزيد على 3 مليارات ليرة سورية.
وبخصوص حجم الحكومة في الناتج الإجمالي، فإنه انخفض من 48،2% عام 1980 إلى 41% عام 1984، وإلى 25% بين عامي 1985 و1998. أما الآن فإنّ حجم مشاركة الحكومة في الناتج الإجمالي لا يتجاوز 22%.
أما احتياطيات البنك المركزي من القطع الأجنبي، فإن التقديرات كانت تشير إلى وجود كتلة نقدية تتراوح بين 18 ملياراً و20 مليار دولار، أما الآن فإنها لا تتجاوز وفق بعض التقارير 4 مليار دولار، وهذا ما نفاه حاكم المصرف المركزي أديب ميالة!، لكن في العموم فإن انخفاض احتياطي الدولار في البنك المركزي، ينعكس على حجم الإنفاق العام الجاري والاستثماري، وتمويل حركتي الاستيراد والتصدير.
وما يزيد من الأزمة، هو ارتفاع حجم الواردات وتحكم فئة من التجار بحركة الاستيراد والمال والأسواق، وتوقف عوائد السياحة، وتراجع تحويلات المغتربين من القطع الأجنبي، وانتعاش ظاهرة المضاربة والتجارة المالية من قبل التجار ورجال المال ومكاتب الصرافة. وهؤلاء أول من بادر إلى تهريب ممتلكاتهم من القطع الأجنبي إلى الخارج (ويقدر ما هُرّب إلى لبنان فقط بــ11 مليار دولار)، وحتى اللحظة يجري العمل بالمرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2007 المتعلق بتحفيز الاستثمار، والذي يسمح بخروج رأس المال الأجنبي وأرباحه وفوائده سنوياً. ونظراً إلى حساسية هذه القطاعات. فكان من البديهي خروج الأموال التي دخلت سوريا خلال سنوات الانفتاح مضافاً إليها أرباحها.
أما في ما يخص ضحايا الصراع، تشير بعض الإحصاءات إلى دمار حوالى ثلاثة ملايين منزل وحوالى 1454 مسجداً و36 كنيسة. فيما تقارير أخرى تشير إلى أن 88% من ضحايا الصراع السوري من المدنيين، أما عدد النازحين فقد وصل إلى حدود الـ10 ملايين، منهم 6 ملايين وخمسمئة ألف نازح، و3 ملايين وخمسمئة ألف لاجئ. أما عدد المعتقلين فإن بعض التقديرات تشير إلى أن عددهم بلغ 215 ألفاً، 9000 منهم لم يبلغ عمرهم الثامنة عشرة، أما عدد النساء المعتقلات فقد بلغ تسعة آلاف. في وقت جرى اعتقال 836 إعلامياً، أما عدد القتلى من الإعلاميين فقد بلغ 16، بالنسبة إلى داعش فقد اعتقلت حوالى 42 إعلامياً، فيما باقي الفصائل اختطفت 40 إعلامياً. عدد الشهداء من الجيش السوري لا تقديرات دقيقة عنه، لكن بعضها يشير إلى أنه يقارب الـ33 ألفاً. ويتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الصراع أودى بحياة 146 ألف إنسان، فيما لا يزال مصير 17 ألف مفقود مجهولاً.
في ما يتعلق بالأطفال، فإن استمرار الحرب يهدّد مستقبل 5.5 ملايين طفل سوري، وهؤلاء جميعهم يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. منهم 4.3 ملايين طفل داخل سوريا و1.2 مليون طفل لاجئ. وتشير مصادر أخرى إلى استشهاد قرابة 4300، وتهجير حوالى 2 مليون طفل، وبقاء نحو مليون طفل تحت الحصار. وجميعهم يفتقدون إلى أدنى الخدمات الإنسانية والصحية والطبابة، ومحرومون من التعليم. ويشير أطباء إلى ارتفاع عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية، والالتهاب الرئوي والإسهال. فمعدّلات التلقيح، انخفضت وفق تقرير اليونيسيف من 99 % قبل الأزمة إلى 52 % عام 2012. كذلك ارتفعت عدد الإصابات بالليشمانيا من أقل من ثلاثة آلاف قبل الحرب إلى أكثر من مئة ألف.
وتشير تقارير صادرة عن منظمات الإغاثة الدولية إلى أنّ ثمانية آلاف طفل سوري وصلوا إلى الحدود السورية من دون ذويهم، أما نسبة الطلاب المتسربين من المدارس تقارب 38 % من عدد الطلاب، فيما بلغ عدد المدارس المدمّرة بشكل كامل وجزئي 4072 مدرسة. وجرى تحويل 1500 مدرسة إلى ملاجئ و150 إلى مستشفيات ميدانية. أيضاً يُشرَك الأطفال في عمليات القتال، بينما يعمل آخرون كمخبرين، أو حراساً، أو مهربين للأسلحة. وقد أشار التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة إلى أن الأطفال الذين يجري احتجازهم مع البالغين يعانون من التعذيب والاعتداءات الجنسية. كذلك تحول الزواج المبكّر إلى ظاهرة من أسبابها غياب الأمان والضائقة الاقتصادية. وتقدّر«اليونيسيف» أن حالة واحدة من كلّ خمس حالات زواج بين اللاجئات السوريات في الأردن هي لطفلة دون 18 سنة. فيما تتعرّض النساء في المناطق المحاصرة إلى خطر الموت بسبب مضاعفات الحمل. أما الضحايا من النساء فقد قارب الـ13000.
في وقت يعاني حوالى 7000 مصاب بالسرطان، و5000 مريض بحاجة إلى غسل كلى، من نقص العلاج الضروري. وانخفاض إنتاج الأدوية يقدّر بنسبة تصل إلى 70 %، و دمار حوالى 194 مستشفى، ما يساهم في انخفاض مستوى الخدمات الصحية الأولية. ويهدّد انقطاع الكهرباء ونقص المعدات في المستشفيات حياة المواليد الجدد، وكثير من المرضى والمصابين. في وقت قدرت فيه «منظمة الصحة العالمية» أن نصف الأطباء تقريباً غادر البلاد.
إن العوامل التي حاولنا التركيز عليها، ساهمت بأشكال ومستويات متباينة في تعميق الكارثة الإنسانية، وتعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي والإنساني. حتى أصبح الإنسان عاجزاً عن تأمين بقائه البيولوجي. إن عجز فئات واسعة من المجتمع السوري عن التكيّف الإيجابي مع الأوضاع الجديدة، يتزامن مع تراجع دور المنظومة القيمية والأخلاقية والسلطة القانونية، ونشوء أشكال من وعي جديد يرتبط بمناخ وظروف الصراع . هذه العوامل تحمل خطورة كبيرة على بنية المجتمع السوري المهدّد بالانهيار والسقوط في مستنقعات المجاعة والتخلف والانقسام على الذات. لقد بات واضحاً أن تجّار الأزمات والمتلاعبين بقوت الشعب يغلقون كلّ المخارج الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية أمام المواطن الذي بات يفتقد إلى أدنى مقومات العيش الإنساني الكريم. وهذا يمثّل قمة الكارثة الإنسانية.
* باحث وكاتب سوري