كان التلويح المصري باستخدام السلاح في الأزمة الليبية منضبطاً، بتوقيته وصياغته، على حقائق وموازين القوى المتنازعة ومدى الاستعداد الدولي باختلاف مصالحه لتقبّل دوافعه. بالتوصيف العسكري، لم يكن التلويح بالسلاح «إعلان حرب»، بقدر ما كان «رسالة ردع» لأيّ تمركزات إرهابية محتملة بالقرب من الحدود الغربية، أو لأيّ مشروع استيلاء بالقوة على مدينة سرت الاستراتيجية بالقرب من الهلال النفطي. وبالتوصيف الدبلوماسي، هو رسالة استدعاء للحلول السياسية عبر الأمم المتحدة، وفق «مسار برلين» و«إعلان القاهرة»، حتى لا يكون السلاح بديلاً وحيداً لصراعات القوى والاستراتيجيات والمصالح.

لأول مرة منذ بدء الصراع على ليبيا ومستقبلها، تبدّت استراتيجية مصرية على قدر من التماسك، وتأكدت أهمية المبادرة في اكتساب وزن واعتبار في حسابات القوى الإقليمية والدولية المتنازعة. الاحتكام إلى السلاح لا يجري في فراغ استراتيجيات ومصالح متنازعة، هذه حقيقة أولى. والاحتكام إلى الدبلوماسية، أقرب إلى إقرار شبه جماعي باستحالة الحسم العسكري، وهذه حقيقة ثانية.
باختلاف مواقع المصالح واعتبارات النفوذ، تردّدت العبارات الدبلوماسية نفسها من اللاعبين الكبار بلا استثناء. في ما يشبه الأوركسترا، أخذت كل الأطراف تتحدّث عن وقف إطلاق النار فورياً والعودة بأسرع ما يمكن إلى موائد التفاوض وفق «مسار برلين». لم تكن النغمة المشتركة تعبيراً عن تفاهمات حقيقية، بقدر ما كانت محاولة لالتقاط الأنفاس استبياناً لما قد يحدث تالياً على مسرح مشتعل بالنيران، خشية صدام مسلّح مصري ـــــ تركي تفضي تبعاته إلى حرب إقليمية واسعة يصعب تحمّل تداعياتها. كما كانت تعبيراً عن قلق معلن ومكتوم، من أن تمتد شرارات النيران إلى الصراع على الغاز في شرق المتوسط، حيث تتنازع تركيا مع اليونان وقبرص وفرنسا ودول أخرى، مصر في مقدمتها.
كان تحرّش ثلاث فرقاطات تركية بفرقاطة فرنسية في شرق المتوسط، داعياً للتساؤل عمّا إذا كانت ألعاب السلاح قد تفلت لتتحوّل إلى صدامات يتّسع نطاقها بين دول تنتسب إلى «حلف شمال الأطلسي». وفق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإنّ تركيا تلعب ألعاباً خطرة في ليبيا لا يمكن التساهل معها، مبدياً تفهّمه للموقف المصري، في ما يشبه الدعم المعلن، وذلك بينما تردّ تركيا بتجاوزات لفظية بحق ماكرون كرجل يعاني اضطرابات ذهنية. هذه أوضاع تدهور داخل «حلف الأطلسي»، الذي يضم البلدَين المتنازعَين، كأنه مات سريرياً ـــــــ بتعبير ماكرون.
بين الدبلوماسية والسلاح في أوضاع مضطربة ومصالح متضاربة، تنشأ قواعد اشتباك يفضي الخروج عنها، مباشرة إلى كتل نيران متدافعة لا يعرف أحد أين تتوقف ولا قدر الخسائر المترتبة عليها. قواعد الاشتباك تصنعها التوازنات والمصالح المتضاربة، كما لو كانت حركة بيادق على لوحة شطرنج، كل خطوة بحساب وأيّ سوء تقدير، تكون وراءه الخسارة محتّمة. هكذا بدأت كلّ الأطراف المتداخلة تطلق العبارات الدبلوماسية كسحب دخان لمواقفها الحقيقية، أو كغطاء لأية إعادة تمركز على خرائط النفوذ والمصالح في ليبيا. بالنسبة إلى مصر، فإن أمنها القومي عند سرت ــــــ الجفرة، خطٌّ أحمر. وبالنسبة إلى تركيا، فإنّ النفط والغاز هدفها الرئيسي من التواجد على الساحة الليبية، وأيّ تراجع محتمل أقرب إلى الخسارة الاستراتيجية في طلب التمدّد الإقليمي، كما أنّه يهزّ ثقة أنصارها في التيار الإسلامي، باختلاف درجات تشدّده في قدرتها على قيادته وتزعّمه.
هل يعني ذلك أنّ الصدام العسكري محتّم؟ لا مصر سوف تبادر إلى إطلاق النار قبل أن تتهدّد سرت بالسقوط، ولا تركيا سوف تتوقّف عن التلويح بالسيطرة عليها. عند الخطوط الفاصلة تتداخل أطراف دولية نافذة، لكلّ طرف مطالبه وضغوطاته. بقدر الضغوطات لوقف فوري لإطلاق النار عند خطوط القتال الحالية تتحدّد موازين القوى الفعلية، وما يمكن أن تندفع إليه الحوادث. كان لافتاً الاجتماع، المثير في توقيته وطبيعته في مدينة زواره غرب ليبيا، والذي ضمّ رئيس «حكومة الوفاق» فايز السراج، ووزير داخليته فتحي باشاغا، إضافة إلى الجنرال ستيفن تاونسند قائد القوات الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، مصحوباً بالسفير الأميركي. بطبيعة اللقاء، هو في المقام الأول «عسكري»، يناقش حسابات الميدان واحتمالاتها، ويزكّي سيناريو على آخر. وبالتصريحات الأميركية، فقد استهدف التأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار والتوصّل إلى حلّ سياسي برعاية أممية. أما بتصريحات «الوفاق»، فقد استهدف «دعم سيادة ليبيا ووحدة أراضيها من أي تهديدات خارجية»، في إشارة إلى التلويح المصري، و«العمل على تفكيك الميليشيات الخارجة عن القانون»، في إشارة أيضاً إلى الجيش الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر، لا ميليشيات طرابلس التي تضمّ أعداداً كبيرة من المرتزقة السوريين، وعناصر ينتمون إلى تنظيم «جبهة النصرة» و«داعش».
أين تقف أميركا بالضبط؟ بالنظر إلى طبيعة علاقاتها بتركيا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهي لا يمكن أن تتخلّى عنها مهما بلغ ضيقها من بعض تصرّفات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في فترة الحرب الباردة، لعب الحليف التركي دوراً وظيفياً بالقرب من الحدود السوفياتية، وكانت قاعدة «أنجرليك» بالغة الأهمية في الاستراتيجية العسكرية الأميركية، تعبيراً عن قوة ردع تحتوي على نحو 50 قنبلة نووية. كذلك، فقد لعبت تركيا دوراً وظيفياً آخر في معادلات الشرق الأوسط المناوئ لحركات التحرّر الوطني، ودعوات الوحدة العربية التي تبنّتها مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحت قيادة جمال عبد الناصر. في الحقبة الأخيرة، اضطلعت بدور وظيفي جديد في سوريا، احتذت بالاستراتيجيات الغربية، قاتلت باسمها وفاوضت باسمها عبر «مسار آستانا»، وعملت على تمكين واشنطن من النفط السوري مقابل غضّ الطرف عمّا ترتكبه من انتهاكات بحق الأكراد، الذين يفترض تحالفهم مع الولايات المتحدة.
وتحت ستار الدعم الأميركي، معلَناً أو ضمنياً، تغوّل الدور التركي في سوريا وليبيا وشرق المتوسط والعراق، وهو ما يستحيل تصوّره إذا لم يكن هناك ضوء أخضر يسمح ويجيز ويشجع. بالتداعيات، تبدّى قدر التدهور في «تحالف الضرورة» في الأزمة السورية، والذي جمع موسكو وأنقرة وطهران، من دون قطيعة لأسباب براغماتية. مالت موسكو إلى القاهرة، وأيّدت عملياً ما اتّخذته من مبادرات بالدبلوماسية والسلاح، كما نفت أن تكون لها قوات في ليبيا، واعتبرت التقارير الأميركية محض مزاعم. هذه حسابات مصالح واستراتيجيات. أمّا دمشق، فقد أيّدت الموقف المصري في ما يتّخذه من إجراءات للدفاع عن أمنه القومي، ومضت إلى إعلان تأييدها للجيش الوطني الليبي والبرلمان المنتخب من دون لبس. كانت تلك رسالة لها مغزاها من توقيتها: «نحن معكم فكونوا معنا». وفي الرسالة، تأكيد على أهمية عودة سوريا إلى الجامعة العربية ورفع مستوى العلاقات الدبلوماسية معها.
إنّ التواجد المصري على الحدود التركية ممكن وضروري، بدعم الجيش السوري كردّ استراتيجي على المسعى التركي للتمركز بقرب الحدود المصرية تهديداً لأمنها القومي. وبغضّ النظر عن مدى الضعف الفادح في النظام الإقليمي العربي، إلّا أنّ القرارات التي صدرت عن اجتماع وزراء الخارجية العرب اكتسبت قيمتها من اتساقها ــــــ أولاً ـــــــ مع المقرّرات الدولية ودعوات وقف إطلاق النار وإدانة التدخّلات الأجنبية والتأكيد على حلّ الميليشيات، وما وفّرته القاهرة ــــــ ثانياً ــــــ من رسالة ردع أضفت شيئاً من الجدية على ما يجري تبنّيه من قرارات.
جرت في الاجتماع الوزاري العربي تحفّظات على قراراته التي بدت متوازنة، بعضها لا يلتفت إليه مثل موقف حكومة «الوفاق»، مدافعاً عن التواجد العسكري التركي، وبعضها متوقّع مثل الموقف القطري المؤيّد للاستراتيجية التركية بالنكاية في الدول الخليجية الأخرى، وبعضها يستحق المراجعة لضبط الصلات والعلاقات مع دولتَي الجوار العربيتين الأخريَين مع ليبيا، الجزائر وتونس، ولا سيما الأخيرة في ظلّ مواقفها المتناقضة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان.
بقدر إدراك الحقائق في قواعد الاشتباك الجديدة، تكتسب المواقف والمبادرات قدرتها على الإقناع والتأثير والردع، من دون إطلاق رصاصة واحدة، إلّا إذا كان الضغط على الزناد إجبارياً.
* كاتب وصحافي مصري