إن سياسة التجويع والحصار الاقتصادي ليست من الأساليب الجديدة في حياة الشعوب وسياسات الدول. فهذه الأساليب الشنيعة مُتداولة منذ زمن بعيد مع الحروب ومن دونها. لكنّ الاستكبار يحاول، لإضفاء مسحة حضارية على هذه السياسات. فَيَتَذرَّع الطاغوت بأسباب سامية وحضارية لمحاصرة الشعوب وقهرها وتَجوِيعِها!

لكن هل هذا الأسلوب نجحَ حيثُما حلَّ؟ أم أنّ النزوع الفطري للكائنات الحية، ومنها نزوع الإنسان إلى البقاء، استطاع أن يُفْشِل هذه المخططات فتتغلَّب عليه، أو تتفلَّت من سلطانه ولو نسبياً وبأساليب مختلفة؟
وهذا الذي حصل بالفعل: فآلاف الإجراءات الاقتصادية الجائرة عبر القرون السالفة لم تصل بمُجْمَلِها إلى أهداف الذين فرضوها أو خطّطوا لها. إن نزعة حُبِّ البقاء للنفسِ وللأحباب مُنْضمَّة للطرق الشعبية والوقائع الجغرافية والمسارب الطبيعية وأبناء الأرض، جعلت الإنسان يُبْدع في خرق هذه الحصارات ويتخلَّص منها بطرق شتَّى تجعله يستمر حياً ولو بغير النَّمط الذي كان يعيشه. وأمامنا في العقود السابقة عشرات الأمثلة الحيَّة لشعوب تفوقنا عدداً، ويُمكن لنا أن نستشهد بها ونتعلم.

إن كِلفة الصمود أقلُّ بكثير من كلفة الاستسلام


إن أقصى ما تصل إليه الأساليب التجويعية الوحشية التي لا تُقيم وزناً لِحَدٍّ أدنى من التعامل الأخلاقي، أن يُخَفّض من مستوى المعيشة أو الرفاهية أو تُقتصر الحياة على الضرورات. هكذا، يتم إفشال السياسات التي ترقى إلى الضغط النفسي والإزعاج، لتحفيز الشعوب على الانتفاض أو الانقلاب أو الفوضى.
ونحن، اليوم، أمام نموذج يتطلّب منّا رجالاً أقوياء، أصحاب قرار مُتَيَقِّنين أن الاستسلام يَجُرُّ الاستسلام، وأن الذُّلّ يَجُرُّ مثله، وأن كِلفة الصمود أقلُّ بكثير من كلفة الاستسلام.
فيا أحبائي، فَلْنَنْظُر إلى «قانون قيصر» وأضرابه، بأنّه نموذجٌ أو حَقَبة مرَّ مثلها المئات والآلاف وكانت عاقبَتها أن يَرِث أهل الأرض كرامة يُورِّثونها إلى أحفادهم من بعدهم. إنّ دولاً مؤثرة وقوية لها مصلحةٌ في تأييد كلّ شعبٍ في نضاله وصموده. وفي حالتنا اليوم، هناك مصلحة لقوى كُبرى عدّة، كالصين مثلاً، في مشروع «عقد اللؤلؤ» الذي يُؤدِّي إلى تعزيز نفوذها في شرق المتوسط. كما نرى أنّ مثل ذلك للروس في اللاذقية وطرطوس، وفي العديد من بلدان العالم. وهذا يُعزِّز الصمود وكَسر الحصار ويُدْني موعد الانتصار.

*كاتب وعالم دين