تردّدتُ في الردّ على أحمد بدران (يُعرِّف نفسَه على أنه «قيادي سابق في الحزب الشيوعي اللبناني») لا للسبب، بل لأنّ الكاتب أثبت فقراً في الأمانة الأدبيّة والنقل في الردّ على كلامي. وعندما يفتقر كاتبٌ ما إلى المصداقيّة، يعطيك سبباً لتجاهله. سأبدأ من الأوّل، أي بما هو شخصي وشخصاني (من قِبله). في معرض ردِّه عليّ، قال بدران ما يلي: «حين يكتب كاتبنا في مقالته هذه، بأنه كان من أوائل من كُلِّف في المقاومة الشعبيّة، وحتى قبل انطلاق جمّول. وهنا لن أعلّق، وسأترك المهمّة للقارئ».

شيجو فوكودا ــ اليابان

قد تكون هذه الجملة محاولة للهزل أو الفكاهة من قِبل القيادي، وذلك محبّبٌ عندي، لأنّ في زماني في لبنان كنّا نسخر من نزعة ومسحة الوقار والجديّة المفرطة التي كان قياديّو الحزب الشيوعي يرسمونها على محيّاهم، وإذا كانت هذه الجملة هي في معرض التنكيت، نكون قد اكتشفنا أن ليس كلّ قياديّي الحزب كانوا يفتقرون إلى روح المرح والنكتة والدعابة. لكن يجب التعامل مع النصوص كما هي، خصوصاً إذا كان الموضوع جديّاً، بالغ الجديّة، مثل موضوع مقاومة إسرائيل. طبعاً، إن مقالتي لا تزال منشورة على الموقع، وسيُبحث في كلماتها التي تنيف على الـ2400، ولن تجد فيها ما ينسبه الكاتب لي. أنا قلتُ إنني قمتُ بأوّل عمليّة مقاومة ضد إسرائيل؟ صاحبنا اختلق من عنده رواية، وصدّقها وطلبَ من القرّاء أن يصدّقوها. كلّ ما قلتُه في هذا الشأن إن رفيقي، أياد نور الدين المدوَّر، كان (مع الشهيد «راجي») أوّل شهيد لـ«جبهة المقاومة الشعبيّة لتحرير الجنوب من الاحتلال والفاشيّة» في أيّار/ مايو 1978. وكان ذلك، طبعاً، قبل إطلاق «جمّول» في صيف 1982. كيف استقى بدران من كلامي أنني أتحدّث عن نفسي في هذا الكلام؟ ليس في كلامي إلا إشارة إلى أنه كان رفيقي. هل كان عليَّ أن أُنكرَ أنه كان رفيقي كي لا يفهم صاحبكم أنني أنسبُ عمليّة مقاومة لنفسي؟ لا بل إنني انتقدتُ غياب التخطيط في تلك العمليّة، التي أودت بحياة «إيهاب» و«راجي». لا، ووضع بدران اختلاقه للفرية هذه (ما يعطينا فكرة عن مصداقيّة خبيرنا) في سياق سخريته من فكرة أنه كانت هناك مقاومة شعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل إطلاق «جمّول» في أيلول/ سبتمبر 1982.
هذه حقيقة، وإن غابت عن علم القيادي الشيوعي السابق. في عام 1978، ومباشرة بعد غزو لبنان، تقدّمَ «حزب العمل الاشتراكي العربي ـــ لبنان» بمشروع خطة قتاليّة لـ«المجلس السياسي للحركة الوطنيّة». (ودور «حزب العمل» في إطلاق «جمّول» لا يزال مغيّباً مع أن ممثّل «حزب العمل»، حسين حمدان، كان من المؤسّسين). وبدران هنا يذكر فقط الحزب الشيوعي و«قوى يساريّة لبنانيّة» ـــ (أي أنّها لا تستحق الذكر والتنويه). وكلّف «المجلس السياسي»، يومها، بتكليف من جورج حاوي، «حزب العمل» بإعداد خطة قتاليّة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، ورفضِ مترتّباته (بما فيها نشر قوّات الـ«يونيفيل» التي لم تأتِ إلا لحماية الاحتلال الإسرائيلي). ودعا «حزب العمل» الحزب الشيوعي و«منظمّة العمل الشيوعي» للانضمام إلى جبهة مقاومة، لكنّه لم يلقَ تجاوباً ونشرَ خطته مع عتبه في مجلة «الثوري» الناطقة باسمه في كانون الأول/ ديسمبر من عام 1978. وذكرت المقدّمة أنّ جورج حاوي كان قد علّقَ على مداخلة ممثّل «حزب العمل» في «المجلس السياسي» للحركة الوطنية، بأنهم «في الحزب الشيوعي اللبناني أمضوا شهريْن يبحثون بشكل متواصل، من أجل إيجاد خطة قتالية للحركة الوطنيّة، ولكنّهم لم يفلحوا» (راجع «الخطة القتالية لقوات الحركة الوطنيّة في الجنوب»، وهي منشورة في كرّاس صادر عن «حزب العمل» في عام 1980، ص. 5). ولمّا لم يلقَ الحزب تجاوباً من قِبل الحركة الوطنيّة، خصوصاً الشيوعيّين فيها، أطلقَ منفرداً (ومتعاوناً أحياناً مع فصائل يسارية صغيرة أخرى، ومع «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، والتي تعاونت أيضاً في عمليّات مقاومة مع «الحزب السوري القومي الاجتماعي») «جبهة المقاومة الشعبيّة لتحرير الجنوب من الاحتلال والفاشية». لكنّ هذه الجبهة لم يسمعْ بها القيادي الشيوعي السابق، لا بل إنها أثارت سخريته. ولم يكن موقف الحزب الشيوعي و«منظمّة العمل» إحجاماً منهما عن القتال (وكان في التنظيميْن خيرة من المقاتلين الوطنيّين الشجعان) أو تخلّفاً عن مسؤولية وطنيّة، بل لأنّهما كانتا مرتبطتيْن عضويّاً بياسر عرفات، وكانت مشيئة عرفات في تبريد ساحة الجنوب (إلّا في مناسبات تذكيريّة تخدمه ديبلوماسيّاً) هي الطاغية. (وحتى لا أبدو منحازاً هنا ضد الحزب الشيوعي أو «منظمّة العمل»، أعترف بأنّ «حزب العمل» تحوّل في الثمانينيّات، خصوصاً بعد طلاقه مع «الجبهة الشعبيّة»، إلى أداة بيد النظام السوري بعدما كان سبّاقاً في عام 1976، في إطلاق حرب عصابات في البقاع ضد تدخّل الجيش السوري لصالح الانعزاليّين).
تحيد مقدّمة الكاتب عن الموضوع، ويربط فيها تاريخاً طويلاً من النضال (الحقيقي الذي لم أنفِه يوماً) للحزب الشيوعي في مختلف محطات تاريخ لبنان السياسي المعاصر، كأنني ـــ ومن أنا ـــ أنفي نضالات الحزب الشيوعي، فيما عنوان مقالتي ومضمونها يتحدّثان حصراً عن اغتيال القادة الشيوعيّين، واستغلال هذا الملف من قِبل أعداء المقاومة الآن، من يمينيّين وبعض الشيوعيّين (السابقين غالباً). لا بل إنّ الكاتب ذكّرني بأن العدوّ استهدف مقرّ اللجنة المركزيّة في الرميلة. ويذكّرني أنّ العدوّ أعلن عن «ضراوة مواجهة عمليّات جمّول». مرّة أخرى، موضوعي ليس في نفي دور الحزب الشيوعي، لكن في عدم المبالغة في دور الشيوعيّين (وهم رفاقٌ لي) في عمليّة التحرير لجنوب لبنان، والتي امتدّت لعقديّن من الزمن (إذ أنها بدأت في عام 1978، وليس في عام 1982). وصحيح أنّ العدوّ كان مدركاً لدور الأحزاب والتنظيمات المشاركة في مقاومة احتلاله، غير حزب الله. أذكر، مثلاً، عندما قدمتُ إلى أميركا، في عام 1983، أنه كانت هناك حملة كبيرة في الإعلام الأميركي الصهيوني ضدّ «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، بسبب دوره الفاعل في مقاومة إسرائيل. لا أعرف لماذا يضرّ الاعتراف من قِبلنا، نحن أهل اليسار، بأدوار لتنظيمات وأحزاب أخرى غيرنا في مقاومة إسرائيل. هل ننفي أدوار المقاومة والدعم من قبل التنظيمات الفلسطينيّة مثلاً؟ وهل ننفي أدواراً لأحزاب يساريّة وغير يساريّة لبنانيّة (مثل الحزب القومي والاتحاد الاشتراكي العربي وحركة «أمل» ثم حزب الله؟) الموضوع لا يتعلّق بحفظ الجميل أو بوضع الرصيد في نصابه، بقدر ما هو معارضة مشروع يميني رجعي حالي معارض لمقاومة إسرائيل، ويحاول أن يستخدم تراث «جمّول» الحقيقي للانتقاص من الدور الأكبر لحزب الله في التحرير.
خلافاً لزعم بدران لم أدعُ إلى المساواة في ذكر المشاركين في تصفية الشيوعيّين. ليس هذا مرادي. حاولتُ أن أنبّه إلى حملة غير بريئة للتقويص على المقاومة الحاليّة (التي تردع إسرائيل منذ عام 2000 والتي أذلّت العدوّ على أرض المعركة في عام 2006، كما لم يُذلّ هذا العدوّ في تاريخه، إن على يد الجيوش العربيّة أو على يد المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة). ثلاثة وثلاثون يوماً من المواجهة في أرض الجنوب، في عام 2006، والعدوّ لم يتقدّم بوصة واحدة، ألا يدعونا ذلك إلى الاعتراف بأنّ هذه المقاومة تُجسّد تجربة تتفوّق بأشواط كبيرة وجبّارة على تجربة المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة، حين كان توغّل واجتياح العدوّ للجنوب يستغرق ساعات معدودة أحياناً؟
تستطيع أن تدرك حجم وتأثير مقاومة إسرائيل الحالية وفق معايير مختلفة، لكن يبقى أهمّها حالة الردع الحاليّة التي فرضتها المقاومة على إسرائيل


ويضيف بدران: «أننا نعرف جيّداً من قام بتلك الاغتيالات والإرهاب والمجازر، بحق رفاقنا وأهلنا وشعبنا، وهم أيضاً، أي من قام بها، يعلمون بأننا نعرفهم، ونحن لن ننسى». لكن، من هم؟ سمِّهم لنا، كي نقفل الملف. لماذا لم يفصح بدران عن هويّتهم؟ لماذا لا يقول لنا ويفصّل حتى لا يكون هناك مجال للالتباس؟ إذا كان حزب الله هو المسؤول، وإذا كان عند الحزب الشيوعي دليل ـــ أعني لديه دليل حقيقي غير همسة غازي كنعان في أذن كريم مروّة ـــ فليعلن الحزب ذلك على الملأ. لماذا الإضمار والتورية ولغة الألغاز على طريقة ضيوف «الاتجاه المعاكس» عندما يهدِّدون: لدينا وثائق خطيرة لكن لم يحِن بعد موعد الإفراج عنها. ماذا ينتظر بدران؟ كان يمكن بدران أن يردّ في سطريْن ويعلمنا عن هويّة قتلة القادة الشيوعيّين، لكنّه لم يفعل بل كتب عن مواضيع لا تتعلّق كثيراً بموضوعي.
ثم يعترض بدران على اتّهامي للحزب بالمبالغة في دور «جمّول»، ويستعمل في هذا الصدد لغة صبيانيّة تصلح لنقاشات وصياح مجلس النوّاب الأردني. لن أجاريه في ذلك. ويذكر إلياس عطالله (ويكاد أن ينفي أنّه كان القائد العام لـ«جمّول» عند انطلاقتها ـــ وفي هذا التذكير بدور عطالله قياس واقعي لحجم «جمّول» وفعاليّتها مقارنةً بترويع عماد مغنيّة لإسرائيل عبر سنوات طويلة)، ويقول إنّ إلياس عطالله انضمّ إلى ١٤ آذار، كما انضمّ إيلي حبيقة إلى محور النظام السوري والحريري. لكن: ما علاقة انضمام قائد شيوعي بمحور يميني رجعي يرعاه النظام السعودي والإدارة الأميركية، بانضمام الانعزالي إيلي حبيقة الذي تربّى في أحضان العدوّ الإسرائيلي إلى قصر رفيق الحريري في سويسرا وإلى محور النظام السوري؟ وهل أنا أمثّل مجرم الحرب إيلي حبيقة، أو رفيق الحريري أو النظام السوري اللذين رعيا إيلي حبيقة؟ ما شأني أنا بإيلي حبيقة؟ هنا شعرتُ كقارئ بضيق، إذ إن السياق المنطقي في ردّ الكاتب عصيَ على فهمي. ثم يعتبر أنّ انضمام قائد «جمّول» المؤسّس إلى الفريق المعادي لمقاومة إسرائيل، هو حدث عابر تقابله «حالات كثيرة شبيهة». صحيح. هي حالات شبيهة في انضمام شيوعيّين سابقين (معظمهم من «منظمة العمل الشيوعي»، لكن أيضاً من الحزب الشيوعي، مثل سمير ضومط (وهو قيادي شيوعي سابق أصبح عضو مكتب سياسي في... تيّار المستقبل.) لا، لا يمكن طمس هذه الحالات عن انجذاب اليسار نحو اليمين الحريري والخليجي، تحت تعميم عن تحوّلات في المناخ. ثم يورد خروج صبحي الطفيلي من حزب الله. ما علاقة ذلك؟ لا أخفي صعوبة قدرتي على محاججته عندما يشطّ عن الموضوع؟ كنا نتحدّث عن «جمّول» ودورها، وبتنا نتحدّث عن الطفيلي وحبيقة، كأنهما مرتبطان بظاهرة تحوّل اليسار الشيوعي نحو اليمين الرجعي المعادي لمقاومة لإسرائيل.
وينتقل بدران إلى حسم الموضوع عن دور «جمّول»، ليقول إنّ العدو انسحب «لغاية الشريط المحتل في الجنوب» (أي 80% من الأراضي التي احتلّها عام 1982، وفق حسابه) «بسبب ضربات المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة». وهو يعني انسحاب العدوّ الجزئي في عام 1985. لكن هل فاتَ عن ذهن بدران المغالطة الكبرى في هذه الحجّة عن دور «جمّول»؟ هل افترض أنّ «جمّول» وحدها كانت تقاتل العدوّ في الجنوب من عام 1982 حتى عام 1985؟ لم يكن هناك غير «جمّول»؟ وماذا عن دور المنظّمات الإسلاميّة السريّة (وبعضها انضوى في صفوف حزب الله عند تشكّله في تلك السنة)؟ ألم يكن سبب صعود تنظيمات إسلاميّة قتاليّة (مثل «أمل الإسلاميّة» أو «الجهاد الإسلامي») هو رفض الاجتياح الإسرائيلي وزمن بشير الجميّل ومحاربته؟ هل يحتاج بدران إلى التذكير بالعمليّات الكبرى (كبرى ليس فقط بمقياس العمليّات ضد إسرائيل في ومن لبنان، بل بمقياس الصراع العربي ـــ الإسرائيلي برمّته). إنّ عمليّة أحمد قصير جرت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1982 ضدّ مقرّ الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور: هل سينسبها بدران إلى «جمّول» أيضاً، بعدما زعمَ أنّ انسحاب إسرائيل الجزئي في عام 1985 كان حصراً نتيجة لعمليّات «جمّول»؟ يكاد بدران أن يطلع برواية مفادها أنّ المقاومة الإسلاميّة كانت نائمة، ولم تنهض إلا بعدما قام حزب الله بمنع «جمّول» من إكمال مهمّتها في أواخر الثمانينيات. وهذا مزعم سمعتُه من قبل، لكنّه يصطدم بوقائع عمليّات كبرى قامت بها المقاومة الإسلاميّة. المحصّلة النهائيّة لعمليّة أحمد قصير كانت 74 قتيلاً و27 مفقوداً، بحسب اعتراف العدوّ (راجع حسن السبع، «1980 ـــــــ 2000: قراءة في أبرز محطات المقاومة، من الرصاصة الأولى... إلى مزارع شبعا»، «السفير»، 24 أيّار/ مايو، 2001). وبعد عام على عمليّة أحمد قصير، تمَّ تفجير مقرّ الاستخبارات الإسرائيليّة في صور، واعترف العدوّ بمقتل 29 من جنوده. وأعلنت «منظمّة الجهاد الإسلامي» المسؤوليّة عن العمليّة، وهي لم تكن من ضمن فصائل «جمّول». والمنظّمة هي عينها التي أعلنت المسؤوليّة عن تفجير السفارة الأميركيّة، في نيسان/ أبريل 1983، وعن مقرَيْ قيادة المارينز وفرقة المظليّين الفرنسيّين في تشرين الأول/ أكتوبر 1983. وفي عام 1984، تصدّى نزيه القبرصلي لدوريّة إسرائيليّة وقتل جنديّاً وجرح ثلاثة آخرين، وأذكره لأنّ مساهمة «قوات الفجر» لـ«الجماعة الإسلامية»، قلّما تردْ في التعداد. وفي عمليّة بلال فحص (من حركة «أمل»)، أصيب 11 جنديّاً بجروح في عام 1984. كلّ هذه العمليّات وغيرها جرت قبل الانسحاب الجزئي للعدوّ، وعليه لا يمكن أن ننسب الفضل في فرض الانسحاب على العدوّ، فقط إلى «جمّول».
هناك جانب لا بدَّ أن نتطرّق إليه حول مصداقيّة بعض قياديّي الحزب الشيوعي اللبناني. كيف نوفّق بين شهادات مختلفة ومتناقضة لهم عبر السنوات؟ كيف نوفّق بين علاقات وديّة وتحالفيّة بين الحزب وبين حزب الله، في الوقت الذي يطلع علينا اليوم بعض الشيوعيّين بتصويب الاتهام في مقتل القادة الشيوعيّين نحو حزب الله حصراً؟ خذ مثلاً شهادات كريم مروّة المتقلّبة عبر السنوات والعقود في هذا الموضوع. في الثمانينيّات، اعتبرَ كريم مروّة (وهو قيادي بارز جداً في الحزب الشيوعي في مختلف مراحله الستالينيّة)، أنّ «العمليّات الاستشهاديّة... ذروة العطاء وذروة التضحية» (راجع كريم مروة، «المقاومة: أفكار للنقاش عن الجذور والتجربة والآفاق»، ص. 45.) لكن مرّوة نفسه، بعدما «تحوّل» نحوَ خط التجمّع اليميني الرجعي المعروف بـ14 آذار (والمعادي لكلّ أشكال مقاومة إسرائيل من دون استثناء)، يعتبرُ اليوم (في مقالة في جريدة «النهار» في 22 تموز/ يوليو 2007 ـــ وجريدة «النهار» نطقت باسم اتفاقيّة 17 أيّار/ مايو، وعارضت المقاومات ضد إسرائيل بكل أشكالها وهويّاتها)، أنّ العمليّات الاستشهادية تدخل في «ثقافة الموت» (راجع نقد ألبير فرحات في «الأساطير المؤسّسة للنظام اللبناني»، ص. 60). أي كريم مروّة نعتمد؟ أي رأي له؟ ثم نعود إلى موضوع النظام السوري مثلاً. من المعروف أنّ «منظّمة العمل الشيوعي» والحزب الشيوعي اللبناني افترقا بعد رحيل منظمة التحرير عن لبنان. فقد حافظ محسن إبراهيم على ولائه لياسر عرفات، فيما قرّرَ جورج حاوي الاستمرار في التحالف مع النظام السوري، وحاربت قوّات الحزب جنباً إلى جنب مع جيش النظام في طرابلس. وفيما كان إبراهيم مغيَّباً عن الساحة اللبنانيّة (باستثناء مرحلة إلياس الهراوي، حيث لعب دور الوساطة بين النظام اللبناني ومنظمة التحرير)، كان جورج حاوي يعقد الولائم لقادة القوّات السوريّة في لبنان في التسعينيّات. وكريم مروّة (وعدد من الشيوعيّين السابقين اليوم) يزعمون أنّ سبب توقّف عمليّات الشيوعيّين ضد الاحتلال الإسرائيلي، كانت بسبب منع النظام السوري للحزب من ممارسة المقاومة. زكي طه (القيادي الحالي في منظمة العمل الشيوعي) يكرّر هذا الاتهام (في موقع، «بيروت أبزرفر» في «منظمة العمل الشيوعي ودورها في جمّول»، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2019). لكنّ كريم مروة يقول في هذا ما يلي في عام 1985: «غير أنّ هذا الدور السوري الذي ظلَّ يتطوَّر في هذا الاتجاه، قد وصل إلى المرحلة التي أصبحت فيها سوريا تشكّل مركزاً أساسياً لدعم المقاومة الوطنيّة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفي احتضانها وفي رفدها بما يجعلها تستمر وتتطوّر. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى الموقف الذي اتّخذه، في هذا الموضوع بالذات، الرئيس حافظ الأسد شخصيّاً» (ص. 113، من كتاب «المقاومة» المذكور أعلاه). أيّ صيغة من السرديّة الشيوعيّة نصدّق؟ هل نصدّق «منظمة العمل» اليوم، أم الحزب الشيوعي أمس؟ كريم مروّة اليوم؟ أم كريم مروّة أمس؟
تستطيع أن تدرك حجم وتأثير مقاومة إسرائيل الحالية وفق معايير مختلفة، لكن يبقى أهمّها حالة الردع الحاليّة التي فرضتها المقاومة على إسرائيل. إنّ الردع هو ذروة المقاومة: هي أن تمنع العدوّ من الاعتداء عليك من دون أن تطلق رصاصة. وهذا الردع فشل في تحقيقه الجيش اللبناني، ثم المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة في ما بعد. ونموّ المقاومة ضد إسرائيل يتّضح من أرقامها: ففي عام 1989، خسر العدو 3 جنود في لبنان، في عام 1990، خسر 7 جنود، لكن في عام 1996، خسر 26 جنديّاً ثم خسر 39 جنديّاً في عام 1997 وحدها (راجع، أمين مصطفى، «المقاومة في لبنان: 1948 ـــ 2000، ص. 587). هذه تجربة فريدة في مقاومة إسرائيل، وهي ألهمت المقاومة في غزة بعد فشل تجربة ياسر عرفات في المقاومة. ولا ينفع نكران الحقيقة من باب الانحياز الأيديولوجي الذي أتشارك مع الشيوعيّين فيه. لكن أن يصل الأمر ببدران إلى أن يقول إنّ انسحاب العدوّ كان بسبب عمليّة سهى بشارة (البطوليّة، من دون شك)، فإنّه بذلك يعطي صورة مغالطة عن العدو: العدوّ ينسحب ذليلاً من لبنان حزناً وأسى على أنطوان لحد وللحفاظ على حياة عملائه الذين تركهم وراءه بعد فراره؟
ثم يغوص بدران في مواضيع سياسيّة لم أكن أريد الدخول فيها، مثل «اتفاق الطائف» (الذي أنبذه وأدينه) أو موضوع الحوار مع «الكتائب»، ليذكّرني أنّ الحرب الأهليّة انتهت مع «الطائف». إذا كان القيادي الشيوعي السابق ملزماً بـ«الطائف»، فلماذا يفترض أنني أنا ملزم به، كأنّ نواب مجلس 1972 يمثّلونني، أو أنهم يجب أن يمثّلوا ذوي الاتجاهات اليساريّة. ثم يختم بالفصل أن غرض مقالتي هو استهداف دور الحزب في انتفاضة 17 تشرين. لماذا؟ وما علاقة ذلك بمقالي؟ لماذا لا يقبل أنّ مقصد مقالتي هو بجدّ التحقيق في اغتيال القادة الشيوعيّين والمسؤوليّة عنه؟ ويدعو بدران إلى نبذ الطائفيّة البغيضة «المُنتجة لكلّ أصناف الفساد»، لكن هل كان الفساد المستشري في قيادة منظمة التحرير والحركة الوطنيّة، هو أيضاً منتوج الطائفيّة البغيضة؟
إنّ عمل المقاومة اللبنانيّة ضد إسرائيل، كان عملاً تراكمياً وشاركت فيه قوى لبنانيّة وفلسطينيّة مختلفة ومتنوّعة. وكان لـ«جموّل» دورٌ طليعي بالتوازي مع دور هائل لتنظيمات إسلاميّة سريّة لم تعلن عن وجودها، إلا بعد سنوات. يجب أن نكتب تاريخ مقاومة لبنان لإسرائيل، لكن يجب أن يكون التأريخ خالياً من الهوى السياسي أو الأيديولوجي، خصوصاً أن قوى رجعيّة (لا أعني بدران طبعاً) تقوم بالمبالغة في وصف دور «جمّول» من أجل محاربة المقاومة الحاليّة ضد إسرائيل.

* كاتب عربي
(حسابه على «تويتر» [email protected])