تتوالى أيام كورونا، وينفلت معها الغلاء في الأسواق وتتراجع القدرات الشرائية لربع إجمالي القوى العاملة في قطاع الدولة من مُؤهّلين وغير مؤهّلين، وتتوسّع البطالة لتطاول أكثر من نصف العاملين في القطاع الخاص ولا سيّما مع تدهور قطاعَي السياحة والصناعة، بما يُؤشر إلى تغيُّر بنيوي في التركيب القطاعي للإنتاج اللبناني.

وتضيق آفاق التوقّع بالخلاص من الكورونا كلما زاد اقتصار الشاشات اللبنانية والعالمية على عروض متواصلة لإحصاءات الإصابات والوفيات في بلاد العالم، كما في لبنان حيث يتفاوت التدقيق في الإعلان عن الإصابات، فلا يبقى أمام أولي الأمر في العائلات الميسورة إلاّ تعزيز فرص حماية يُسرهم بما يتيسر لهم محلياً أو خارجياً من الضمانات، في وقت ينكفئ فيه أولو الأمر في العائلات المعوزة عن تأملاتهم في شبكة علاقاتهم المدنية، والتحول عنها إلى إعادة إحياء شبكة علاقاتهم القرابية والأهلية المحلية مع ما تقتضيه من تكيّف وولاءات، يمكن أن توفر لهم فرص عون طارئ سبق أن استغنوا عنه بعد نزوحهم عن أريافهم.
وهكذا تعود المعايير التقليدية بعلاقات الاندماج القرابي الأهلي لتتغلّب على معايير التمدّن في استقلالية العيش وسلوكيات الجيرة ومعايير التراتب في التقدير والاحترام . وفي سياق هذه العودة إلى المحيط الأهلي تسود الأخلاق التقليدية والدينية المتوارثة. وهي أخلاق تُحصّن الولاءات الأهلية والسياسية المحلية خاصة في ظروف النكبات الطارئة وانفلات الغلاء في الأسواق، فيسارع خلالها زعماء السياسة ومعهم كبار المستفيدين من الفساد والإفقار لاقتناص فرص يصبح فيها التكرّم الإغاثي للمعوزين من حولهم بمثابة «عمل روحاني» يرفعونه إلى الله تقرّباً يوم الحساب واستغفاراً عمّا جنوه بأيديهم في الدنيا من محرّمات سبق أن شرّعوها لأنفسهم في صلواتهم وحجّهم لبيوت الله أو سبق لهم أن أفاضوا في تصوير توزيعات إنعاماتهم وإشهارها في الحارات في صناديق كادوا يكتبون عليها «من الله وإليه». وهم يعلمون أن ألفضل في توزيع الغذاء ولو رمزياً في مثل هذه الظروف المتعسّرة لا ينساه خاصة من يبلغون من العوز مبلغاً عتيّاً.

فرضت الجائحة على الرأسماليات الغنيّة والفقيرة الإستثمار في ما تتطلبه مواجهة النكبات غير المتوقعة


وقــد زاد في كبائر المُفضلين، ما وزّعوه على المعوزين في مآزق الحروب، وتوسّع مواقع تكاثر الإصابات بالكورونا في العاصمة والأقضية. أضف إلى ذلك توسّع الهلع بعد النجاحات الأولى التي حقّقتها الحكومة، ومعها وزارة الصحة خصوصاً، في توفير التجهيزات الضرورية، ولا سيما البيومترية، منها إضافة إلى الطواقم الطبية والتمريضية العاملة والمتطوّعة وفي توفير التجهيزات الضرورية. هذه التجهيزات، كانت المستشفيات الحكومية تفتقر إليها، بعد مرور سنوات على التظاهر الشعبوي بإنشائها، ومواصلة التعيينات الزبائنية فيها، مع اشتداد آليات البطالة والتهميش. ويسهل من خلال التديّن انتقال رجاءات الفقراء وتطلعاتهم إلى عمل الخير من أهل السياسة والمال، في مقابل تطرّف جماعات الوعي الثوري، فيزداد انعزالهم في بيئاتهم التي تصبح أكثر خُذلاناً وتديّناً.
لقد فاجأت جائحة كورونا مجتمعات العالم الرأسمالية الغنية، فأحرجت حكوماتها التي لا تُنفق على ترقّب الجائحات الطارئة. وفرضت الجائحة على هذه الحكومات، كما على الرأسماليات الفقيرة ، الاستثمار في ما تتطلّبه مواجهة النكبات غير المتوقّعة، هذه الرأسماليات التي تُقدم في القطاع الصحي على الاستثمار الأربح في الأبحاث واختراع آلات التشخيص والدواء والصناعات الطبية والتجهيزات الأعلى ربحية. أما فرص استشفاء الفقراء، فتُترك على مستشفيات حكومية غير مؤهّلة بشرياً وتجهيزياً، أو على استعطافات زبائنية خيرية للدخول إلى مستشفيات خاصة. وهذا ما يجعل 56 في المئة من الفرنسيين «لا يثقون بقدرات إداراتهم على مواجهة الكورونا حتى في ما يتعلق بالكمّامات والحجر» حسب جريدة «ليزيكو» (12 أبريل 2020). أما في الولايات المتحدة، فإن «انخفاض عدد أسرّة المستشفيات بلغ نسبة استثنائيّة هي 39 في المئة بين عامَي 1981 و1999، وكان الهدف زيادة الأرباح عن طريق إشغال كامل الأسرّة الموجودة أي ما نسبته 90 في المئة. ما يعني أن المستشفيات لم تعد لديها القدرة على استيعاب تدفّق المرضى أثناء الأوبئة وحالات الطوارئ الطبيّة» (مايك ديفيز، في ملحق «كلمات» - جريدة «الأخبار»، عدد 4 أبريل 2020).
وهذا ما أعاد الأهمية إلى الطروحات حول دور الدولة وجهوزيّتها، وأولويات تصديها لما يهدد حياة الناس وليس لأولويات ربح المستثمرين في الأسواق. وهذا الكلام ينطبق على وجه التحديد في مجال الطبابة والدواء. وهنا لا مفرّ من أن نستعيد فضائل الدول الاشتراكية، على الرغم مما أحاط بأولوياتها من أكلاف وانحرافات بيروقراطية.

*باحث لبناني