تُعتبر التعددية الطائفية سمة رئيسية من سمات المجتمع اللبناني، وعنصراً رئيسياً في نظامه السياسي الذي يتطلّب توزيع المناصب والمراكز في الدولة على الطوائف الدينية المختلفة، حتى باتت علاقة الفرد بالدولة تتحدّد من خلال انتمائه الطائفي، لا من خلال انتمائه الوطني الذي يذوب أمام حالة نفسية يشعر من خلالها «اللبناني»، بأنه ابن طائفته قبل أن يكون لبنانياً، وشعوره بالتضامن مع أبناء طائفته والتباعد عن باقي المواطنين. وقد جعل هذا الأمر «الطائفية» سدّاً منيعاً لإقامة دولة مركزية قوية يسود فيها حكم القانون دون سواه، وسمح للمستفيدين من منظومة كهذه بطرح «الفيدرالية» كنظام سياسي يؤدّي إلى تقسيم البلاد إلى دويلات تحكم كلّ طائفة نفسها بنفسها، بمعزل عمّا يقوله الدستور في هذا الصدد!

«الذهاب إلى لامكان»، سامي سلابينك، (بلجيكا، 2013)

بعيداً عن النقاش الدستوري للمسألة المطروحة، إلّا أنّ ما يجري عموماً يجسّد الواقع الفيدرالي الذي يتحاشى الجميع الاعتراف به، من خلال سريان التوافق الطائفي وحده على القرارات الوطنية، علاوة على الاجتماعات والمؤتمرات والمصالحات التي تقرّر بالإنابة عن المؤسسات الدستورية في كلّ القرارات المصيرية والعادية، تحت ذريعة الاعتبارات الميثاقية والتوافقية! ناهيك عن تقسيم البلد إلى مناطق، بالتفاهم مع المرجعيات الطائفية، وتشكيل صناديق ومجالس وهيئات لكل منطقة على حدة، بهدف تطبيق آلية «التحاصُص» لكل مقدرات ومكتسبات الدولة لصالح المرجعيات الطائفية.
لذلك، يستوجب دراسة القيود التي تعترض تطبيق الفيدرالية، من خلال الشقين التاليين:
ــ الشق الأول: القيد الدستوري ـــ الحقوقي:
ثمة قيود تحول دون طرح الفيدرالية في لبنان، تتمثّل في الفقرة «ط» من مقدمة الدستور التي تنص على: «أرض لبنان، أرض واحدة لكلّ اللبنانيين، فلكلّ لبناني الحق في الإقامة على أيّ جزء منها والتمتّع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين».
كما أن المادة الأولى من الدستور تؤكّد أن لبنان وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة، ما يمنع بشكل أو بآخر التداول في أي طرح يتنافى مع الوحدوية التي يحلو للبعض أن يعتبرها خطراً داهماً أمام تطلّعات التقسيم! لا سيما أن الدستور اللبناني في العديد من مواده يرسم مستقبل لبنان السياسي، بعيداً عن أيّ قيد جغرافي أو طائفي أو اجتماعي، ويحدّد السقف العام لممارسة تطلّعات الطائفية في المؤسسات الدستورية، حيث بالعودة إلى نص المادة 22 من الدستور نستنتج أن المشترع أراد إعلاء الاعتبار الوطني من خلال مجلس نواب على أساس وطني، وحصر الطائفية في مجلس الشيوخ، بهدف طمأنة الطوائف، ومراعاة هواجسها ومخاوفها، لا تكريسها من خلال مشاريع فئوية تهدّد أي إمكانية لقيامة الوطن.
ليس بمقدور كلّ طائفة في لبنان أن تشكّل وحدة بشرية مستقلّة تماماً عن الأخرى بسبب الانتشار السكّاني المتمايز


وما يعزّز هذا المنحى من التحليل هو نصّ المادة 95 من الدستور الذي يدعو كلّ المؤسّسات الدستورية إلى العمل على إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل الهيئة الوطنية للغرض نفسه، بهدف تطوير النظام السياسي بموجب آليات تكرّس بشكل أو بآخر مقتضيات الدولة المدنية القائمة أصلاً على الهوية الوطنية الجامعة، على خلاف طرح «الفيدرالية» الذي يتناقض كلياً مع اتفاق الطائف، ويضرب الدستور في عرض الحائط، ما لم يجرِ العمل على تعديلات دستورية تمسّ النظام السياسي برمته.
ويأتي ذلك بالإضافة إلى المعايير العلمية ـــ الحقوقية الواجب توافرها في أي دولة تنشد تطبيق الفيدرالية، وهي برأينا غير متوافرة في الوطن العربي عموماً، وفي الوطن اللبناني خصوصاً، وأبرزها:
1. أن تكون هناك دول عدّة تريد أن تتّحد في دولة واحدة، وبالتالي لا يطبق هذا النظام في دولة واحدة بسيطة متجانسة شعباً وهوية عند علماء النظم السياسية، ولذلك يفرّقون بين الدولة البسيطة والدولة المركّبة. فالدولة الفيدرالية هي دولة مركّبة، أي مؤسّسة من عدّة دول لا دولة واحدة، وبهذا الشرط تصبح الفيدرالية خطوة نحو الوحدوية، فلو أردنا توحيد الدول العربية عبر مشروع فيدرالي إلى ولايات متّحدة عربية لكانت هذه خطوة نحو الوحدوية، لكن إذا طبقت الفيدرالية في دولة واحدة (بسيطة غير مركبة) فإنها تكون عامل تمزيق لا توحيد.
2. أن يكون الهدف من الفيدرالية هو إنشاء دولة مركزية قوية مكوّنة من إمكانيات وشعوب عدة دول. فالولايات المتحدة أصبحت دولة مركزية قوية بعد اتّحادها من مجموع الدول الثلاثة عشرة المكوّنة لها، وكذلك الاتحاد السوفيتي، على خلاف الطبيعة الخاصة لبعض الأنظمة الدستورية والسياسية العربية، لا سيما النظام السياسي في لبنان، حيث تستلزم طبيعته وتركيبة بيئته نظاماً جامعاً لا موجباً للتجزئة.
وعلى هذا الأساس إذا لم تؤدِّ الفيدرالية إلى قيام دولة مركزية أقوى من السابق، فلا تصلح للتطبيق. بمعنى إذا تحوّل الهدف منها إلى تفتيت الدولة المركزية، عندئذ لا تصلح الفيدرالية للتطبيق، وهذا ما يحصل إذا طبقنا الفيدرالية في إطار دولة واحدة لا من مجموع عدد من الدول!
3. ولمّا كان النظام الفيدرالي لا يصلح لنظام الدولة الواحدة، فرّق علماء السياسة بين الأنظمة السائدة في العالم حالياً:
ــ نظام الدولة الواحدة، أو ما يُعرف بنظام الدولة البسيطة، أي دولة واحدة لشعب متجانس لا تتجزّأ سلطته التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولبنان، على سبيل المثال، دولة بسيطة متغايرة نسبياً لجهة الانتماءات المتعدّدة، إلّا أنّ السياق الدستوري المتكامل يفترض حلاً مختلفاً عن حلول «التقسيم» كما سبق وذكرنا.
ــ النظام الفيدرالي، وهو ما يُطلق عليه نظام الدولة المركّبة لا البسيطة، أي أن الدولة الفيدرالية الواحدة يجب أن تكون مركّبة من عدة دول سابقاً كالولايات المتحدة الأميركية.
الشق الثاني: القيد الواقعي: وهو القيد الذي نتج عن التلاصق الجغرافي، والاختلاط السكاني من طوائف مختلفة في المنطقة الواحدة، واعتبارات المصاهرة وسواها، ما يعيق، والحال هذه، إمكانية التقسيم!
إذ ليس بمقدور كلّ طائفة في لبنان أن تشكّل وحدة بشرية مستقلّة تماماً عن الأخرى، بسبب الانتشار السكّاني المتمايز، ما لم يقرّر أبناء طائفة معيّنة النزوح إلى مناطق انتشارها. وهذا برأينا مشروع تدمير للبنان إن لم نقل حرباً، في ظلّ التناقضات التي أفرزتها الطائفية المقيتة على الواقع السياسي اللبناني.
فكما يبدو جلياً، الطوائف في لبنان غير مهيّأة، اجتماعياً وثقافياً، للولوج في أتون «الفيدرالية»، لأنّ معظم الدول التي تتبنّى الفيدرالية تسود فيها ثقافة الاعتراف بالآخر، والتعاون لصالح الدولة القادرة والقوية، وهذا ما يفتقده المشهد اللبناني، إذ فشل اللبنانيون في ظلّ دولة مركزية واحدة في تقرير مصيرهم بشأن شؤونهم المستقبلية وسياساتهم الخارجية، فكيف الحال في دول مركّبة ـــ فيدرالية، حيث بلغ الصراع ذروته، وبأبشع صوره.
لذا، في ضوء أفق الفيدرالية المسدود من الأجدى أن نبني دولة مدنية تعمل على إزالة الخلافات أو التناقضات التي سبّبت آلاماً للبنانيين، يشعر كل فرد من خلالها أنه متساوٍ مع «الآخر»، ويتمتّع بالحقوق والواجبات نفسها، وفق منطوق الدستور، ولا يشكل الواحد تهديداً للآخر، بهدف إشاعة الوحدة الوطنية، على خلاف مشاريع «التقسيم» الهادفة إلى تعطيل أيّ أمل بتجاوز فكرة «العداء للقانون والإصلاح»، في دولة تعتبر الفساد منهجاً طائفياً لا يجوز الاقتراب منه.

*باحث في القانون الدستوري