أيّاً يكن مصير هذه الانتفاضة الشعبية المناهضة للعنصرية التي تشهدها الولايات المتحدة الأميركية، وأيّاً يكن المسار الذي تتخذه في ظلّ إدارة حمقاء كإدارة دونالد ترامب، تجيد صبّ الزيت على نار الغضب الشعبي، فإنّ ما نستطيع التأكّد منه، أن الولايات المتحدة بعد انتفاضة جورج فلويد ستكون غيرها قبل هذه الانتفاضة.

وقد جاءت هذه الانتفاضة الشعبية، مع اختراق ناقلات النفظ الإيرانية للحصار الأميركي على فنزويلا، في «الحديقة الخلفية» للدولة الأقوى في العالم، ليكشفا تلاقي المأزقين معاً، المأزق الداخلي الذي كشفت عنه هذه الانتفاضة وقبلها التردّي في مواجهة جائحة «كورونا»، كما في مواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، التي تتزامن مع المأزق الخارجي المتمثّل بالتحدي الإيراني والفنزويلي للجبروت الأميركي، وبتصاعد نفوذ أقطاب دوليين وإقليميين في العالم على حساب نفوذ «القطب الواحد» الطاغي منذ عقود.
ما يهمّنا في هذه التطورات بالدرجة الأولى، دعوتنا للقيّمين على الأمور في بلادنا، من رؤساء وملوك وأمراء وشيوخ، إلى أن يقرأوا جيّداً هذا التحوّل، وأن يعيدوا النظر، من موقع مصالحهم الشخصية قبل الوطنية والقومية، في حساباتهم كافة، ويقلعوا عن ربط مصيرهم بالوحش الأميركي وأداته الصهيونية، وأن يدركوا أن الحماية الحقيقية لهم هي في انتهاج سياسة تصالح مع شعوبهم محلياً على قاعدة الحرية للناس والحقوق للإنسان، وسياسة تضامن مع دول شقيقة وصديقة إقليمياً، والتوجّه شرقاً على المستوى الدولي. فبمثل هذه المراجعة، يضمنون لأنفسهم كحكام ولمجتمعاتهم كأوطان، شبكة أمان سياسية واقتصادية في زمن العواصف على غير صعيد.

ما يهمّنا في هذه التطورات دعوتنا للقيّمين على الأمور في بلادنا إلى أن يقرأوا جيّداً هذا التحوّل


أما في لبنان، فلم يعد «التهور» هو في سياسة التحرر من الإملاءات الأميركية، كما يظنّ الكثير من سياسيي لبنان على مدى عقود، بل إن التهوّر الحقيقي هو في الإذعان لهذه الإملاءات على المستويات كافة، فيما خيار التحرّر من هذه الإملاءات، وآخرها التحرّر من الضغط المتصاعد للالتزام بقانون «قيصر» العدواني الاستعماري، هو طريق الأمن والأمان والازدهار. فهل يستوعب القيّمون على بلادنا هذه التحوّلات الكبرى، أم أنهم مصرّون على اعتماد سياسة تحول دون قراءتهم لما يجري في شوارع بلادهم، كما في شوارع الدولة الأكبر في العالم؟
وفي صراعنا مع المشروع الصهيوني ــــــ الاستعماري، لا يخفى على أحد أنّ القوة الرئيسية التي يعتمد عليها الكيان الغاصب هي الدعم الأميركي المطلق، والانحياز الأميركي الأعمى إلى سياسات هذا الكيان العدوانية والتوسعية، وبالتالي فأي ضعف أو وهن يصيب هذه الدولة الكبرى ينعكس على قوة الكيان الغاصب الذي تتآكل قوته، يوماً بعد يوم، وتهتزّ ركائزه على غير مستوى بفعل المقاومة معركة بعد معركة.
وما صفقة العار المسماة بـ«صفقة القرن» إلا عنوان هذا الالتزام المُطلق من قبل إدارة ترامب تجاه الكيان الغاصب، وهي صفقة مهدّدة اليوم بالتصدّع، مع تصدّع صاحبها نفسه الذي بدأ وضعه بالاهتزاز بفعل هذه الانتفاضة التي ستترك آثارها بالطبع على أي إدارة جديدة، رغم أننا ندرك أنّ الانحياز إلى الصهاينة هو سياسة إدارة، وليست سياسة رئيس محدد. والمهم أن تتصرف القيادات الفلسطينية بشجاعة الواثق بمحدودية القدرة الأميركية على الضغط عليها.
وليتذكر هؤلاء القيّمون على الأمور أن الولايات المتحدة الأميركية قد بدأت مرحلة انكشاف أزمتها البنيوية يوم كانت في ذروة نفوذها الدولي، فقامت باحتلال أفغانستان والعراق، وتشجيع ودعم تل أبيب على الحرب على لبنان، ومحاربة إيران، وفنزويلا وكوبا وروسيا والصين، وإشعال الفتن في سوريا، ودفع «تحالفها» إلى الحرب على اليمن، بعدما دفعت بـ«شمال الأطلسي» لاحتلال ليبيا.
على أرضنا سقطت إمبراطوريات قديمة كبرى بفضل مقاومتنا العربية والإسلامية الشاملة، فهل نعجّل اليوم بانهيار إمبراطوريات جديدة كبرى.

* كاتب وسياسي لبناني