من دون اي استئذان او تشاور مسبق، الا مع ضميري وثقافتي والمبادىء، وخارج مألوف ممارسة السياسة ودور النائب في لبنان، الملتزمة حدود تقاليد «ديموقراطية التراضي» وأعرافها، وحفظ التوازنات «السياسية - الطائفية» وتمريغ الفم وابتلاع الذل بما يقدم لك من «اتاوات» اعمال الفساد التي يتحالف حولها المتخاصمون بالسياسة، حين تهدد، وبمشهد وفاقي وطني مكتمل!

وبعكس السير، انطلق ملف الدواء في مجلس النواب في مثل هذا اليوم في 28 ايار 1997، بسؤال نيابي توجهت به للحكومة حول اهمية وضرورة تفعيل المكتب الوطني للدواء. وسرعان ما اشتعل في الاعلام الوطني والعربي والدولي لاحقاً، وتمدد طباً واستشفاءً ودواءً وغذاءً وتلوثاً وغيره... متحركا بين حقل الغام سياسي - امني - مافياوي»، مشرّحاً الواقع الصحي أمام المعنيين والرأي العام، بكافة تفاصيله العلمية - الادارية - الانسانية - الاقتصادية - القانونية، محذراً من حتمية انهيار القطاع الصحي اذا ما استمر معتمداً معادلة استهلاكية، استباحت شعار الاقتصاد الحر وصحة الناس وكرامتها، متفلتة من اية رقابة او ضوابط، لحصد الارباح المادية الخيالية ومعظمها غير شرعي... حتى وصلنا حدود الانهيار.
هو نهج جديد يحاكي السياسة من خلال احتضان مصالح البنى التحتية البشرية وحقوقها، صعوداً معها لا انزالا عليها من فوق، وتحريضها لتتوحد حول حقوقها الحياتية المعيشية الجامعة، والتمرس في مواجهة الفاسدين سارقي حقوقها وقاتلي احلامها، من خلال استنهاض ثقافة مواطنة تعي الحقوق والكرامة وتحميها، خارج اطار الاصطفافات السياسية والطائفية وضجيج شعاراتها والاهازيج.
هو نهج تمت حياكته باتخاذ الصحة العامة أنموذجا يطبق في سائر القطاعات، وذلك لما للصحة من اهمية تقارب القدسية، ودور اساس في التنمية البشرية.
وقد استخدمت في هذه المواجهة كافة انواع الاسلحة الديموقراطية، وبالذخيرة الحية، من اسئلة نيابية واستجوابات حكومية وملفات قضائية ونيابة تمييزية وتفتيش مركزي، ومؤتمرات صحافية ومحاضرات ولقاءات طلابية جامعية وثانوية وشعبية، وقانون لتنظيم شؤون الدواء، كما تأليف 3 كتب: «الدواء: مافيا ام ازمة نظام؟»، «الحق في الصحة في لبنان» و«الصحة حق وكرامة».
وقد لقيت الكثير من التأييد والتعاطف والتشجيع الشعبي والاعلامي الذي استمر متصاعداً، من دون ترجمة ميدانية، بسبب غياب ثقافة المواطنة في لبنان، كما ارادة التغيير والايمان به وخاصة في الجامعات.
الاختراق المضيء في هذا المشهد، ولد عام 2001، بفضل تنادي البعض من الشرفاء، مع تشكيل «الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية» التي افتخر بكل فرد من منتسبيها، حيث احتضنت نهج المواجهة واستمراريتها رافعة شعار «الصحة حق وكرامة»، مترجمة الاهداف التي انطلقت من اجلها قضية الصحة الاجتماعية منذ 23 عاماً، والتي تشمل كافة المناطق والطوائف والمذاهب، متوحدة حول مواجهة الفساد الصحي وحماية حقوق وكرامة المواطن، بمعزل عن اي مسايرات او خوف او حسابات... هي التجربة الوحيدة في تاريخ لبنان، وبالاذن من التركيب الفولكلوري للكثير من الجمعيات المرسومة الدور والاهداف.
من هنا، ومن وحي الواقع الذي نكابد عيشه قهراً وقلقاً وانهزاماً في النفوس، نتيجة الفساد ثم الفساد ثم الفساد، قابله صمت وصمت وصمت، سوى بعض التحركات ذات الطابع المصلحي الفئوي، وبالطبع الظاهرة الرائعة لانتفاضة 17 تشرين الاول 2019 في ايامها الاولى، والتي سرعان ما تعددت مشاهدها والاهداف، والسبب انها ليست وليدة مناخ توعوي وطني تراكمي، بل جاءت ردة فعل تجاه ما لم يعد محتملاً من كافة اشكال الضغوطات المعيشية والنفسية وغيرها... لكنها ارست اسساً يبنى عليها احتمالات تغيير مستقبلي.
وايماناً منا بأن من يسعى صادقاً نحو التغيير، ليس باستطاعته القفز او تجاهل تجربة فريدة في تاريخ لبنان، تميزت بالتالي:
• التوقيت: حيث حُملت راية مواجهة الفساد في ميدان الصحة الاجتماعية، في زمن الاستغراب والاستهجان والشفقة احيانا لهكذا تفكير، بفعل سياسات تخدير العقول واطراب النفوس بالشعارات والوعود الكاذبة التي رفضناها وكشفنا زيفها.
• الرؤية: تأكدت صحة رؤيتنا وتحذيراتنا المتكررة من اتجاهنا نحو الهاوية، لوضوح الاستقراء والرؤية وصدق التزام جانب الحق بمواجهة الباطل والعدل بمواجهة الظلم واولوياتها صحة الناس... ووصلنا الى الهاوية.
• الاستمرارية: 23 عاما عبر كافة المنابر ، ورغم التهديدات والتحديات والمخاطر والاغراءات والاثمان الباهظة والباهظة جداً!
• العرف السياسي: تم كسر بعض اعراف وتقاليد العمل السياسي في لبنان، مثل التزام التحالفات السياسية والمصالح اولا، فوضعت صحة الناس فوق اي اعتبار، وكلف ذلك الكثير. كما، استمرارية، بل وتصاعد، المواجهة بعد ترك البرلمان وحصانته النيابية، وهو ما أعتز به واعتبره وساما على صدري.
• ملفات الفساد: نتحمل مسؤولية 50 ملف فساد في القطاع الصحي، لا زالت طوال هذه السنوات ترتاح في ادراج التفتيش المركزي وقصر العدل والنيابة التمييزية والتي لو نظر بها من قبل قضاء جريء مستقل لاهتزت ركائز منظومة الفساد التي اوصلت البلد الى انهيار غير معلن، واستعمار اقتصادي!
وتحسساً منا بتنامي وعي المواطنة لدى شعبنا الذي اضحى مكشوفا في العراء، ولم يبق امامه سوى تحرير حقوقه الحياتية المعيشية وكرامته، من اصطفافات العصبيات التي تستخدم سيفا مسلطا على احلامه ومستقبله، وتحريك ارادته والانخراط في تشكيل رأي عام وطني ضاغط، حماية للكرامة والحقوق، نقدم تجربتنا انموذجا، وبيد ممدودة للتعاون مع الشرفاء، من خلال «هيئة الصحة حق وكرامة».
باب الانتساب مفتوح من خلال بريدي الالكتروني التالي: [email protected]
وحسابي الخاص: Facebook/Ismail Sukkariyyah
يرفق: الاسم الثلاثي – نوع العمل ومكانه – رقم الهاتف.