بعد حوالى قرن منذ الزمان، وجد الأميركيون أنفسهم مجدداً أمام رئيس (دونالد ترامب) اتّبع ـــ في مقاربته لأزمة وباء «كورونا» الذي يفتك ببلاده بشكل مخيف ـــ السياسة عينها القائمة على الكذب والتقليل من المخاطر ومجافاة الحقيقة وعدم مصارحة مواطنيه، والتي كان سلفه وودرو ويلسون الرئيس، قد تعاطى بها خلال تعامله مع الإنفلونزا الإسبانية، حين ضربت بلاد العم سام عام 1918.

مع تفشّي الإنفلونزا الإسبانية، لم تكن الولايات المتّحدة مستعدّة لتحمّل أعداد الموتى المرتفعة، التي قُدرت ما بين عامَي 1918 و1920 بنحو 675 ألف شخص، وفقاً لصحيفة «ذي واشنطن بوست». آنذاك، لم يُصدر ويلسون أيّ بيان للرأي العام، فيما وصف مسؤول أميركي في مجال الصحة المرض بأنه «إنفلونزا عادية ولكن باسم آخر». لكنّ الوضع لم يكن كذلك، فقد بلغت نسبة الوفيات بالإنفلونزا الإسبانية 2%، وهي نسبة أعلى بكثير من سلالات الإنفلونزا الموسمية دائماً على ذمّة «ذي واشنطن بوست».
التعاطي الأميركي مع الأزمات الصحّية لم يطرأ عليه أيّ تغيير في زمن «كورونا»، وكأنّما التاريخ يعيد نفسه. وفقاً للمؤرّخ الأميركي جون م.باري، خلال كارثة عام 1918 «كذبت الحكومة، كذبوا حول كلّ شيء. كنّا في حالة حرب وكذبوا لأنهم لم يرغبوا في قلب المجهود الحربي. كان لدينا قادة في الصحة العامة يخبرون الناس أن هذه مجرّد إنفلونزا عادية باسم آخر. إنهم ببساطة لم يخبروا الناس بالحقيقة عمّا كان يحدث».
لكنّ الفاجعة كانت أكبر من أن تُخفى، لم يطُل الوقت، حتى لاحظ الناس في أميركا ما حدث، وذلك عندما بدأ جيرانهم بالموت بعد 24 ساعة من ظهور الأعراض لأوّل مرة. كان الناس في الشوارع ينزفون من أنوفهم وأفواههم وعيونهم وآذانهم، بدا الأمر مروّعاً. أدرك الجميع أنّ هذه لم تكن إنفلونزا عادية. فالكذب بشأن شدّة الأزمة، في عام 1918، خلَق المزيد من الخوف والعزلة والمزيد من المعاناة للجميع، هكذا صرّح باري.
إدارة ترامب لم تتّعظ أو تأخذ العبرة من دروس إنفلونزا 1981 التي حذّر منها باري أخيراً، فقد كرّرت الحكومة الحالية الأخطاء ذاتها، وفي 22 كانون الثاني/ ديسمبر 2020 ردّ ترامب عندما سُئل من قِبل مراسل CNBC عمّا إذا كان قلقاً بشأن الفيروس التاجي، بالقول بعبارات سطحية: «الوضع تحت السيطرة تماماً. شخصٌ واحدٌ قادمٌ من الصين، وتحت سيطرتنا، سيكون على ما يرام».
كما هو حال جميع مقاربات ورؤى ترامب للأزمات والأحداث التي تتعلّق ببلاده. اتّسمت استراتيجيته المتّصلة بالوباء بالعشوائية والتخبّط والتنقاض الفظّ التي عكستها تغريداته وتصريحاته. فمن التحرّك ببطء شديد لمواجهة التهديد الذي يشكّله «كورونا»، انتقل بسرعة كبيرة إلى الإعلان عن «إعادة فتح» البلاد. أولاً، قال إن Covid-19 كان مثل الإنفلونزا. ثمّ صرّح بأنه «سينقضي» بحلول شهر نيسان، ويجب على الجميع الذهاب إلى الكنيسة في عيد الفصح. ليشير لاحقاً إلى أنه «يجب العودة إلى طبيعتنا بحلول شهر أيار/ مايو»... مع تصاعد أرقام الوفيات في أميركا، تغيّرت نبرة الرئيس بشكل كبير، وبعدما سمع تقديرات من الخبراء الصحيين تنبّه من بلوغ الوفيات ما يقارب 2,2 مليون حالة وربما أكثر من ذلك إذا لم يتمّ التعامل مع الوباء بشكل فعّال.
لا شكّ في أنّ القادة بحاجة إلى قول الحقيقة، خصوصاً أثناء الأزمات، بغضّ النظر عن مدى صعوبة سماعها. يمكن للناس أن يتعاملوا مع الحقيقة أفضل بكثير ممّا يستطيعون التعامل مع عدم اليقين. غير أنّ ترامب منصرف إلى حملته الانتخابية للفوز بولاية جديدة، ومهتمّ بمسار سوق الأسهم أكثر من اهتمامه بالعدد الكبير من الأرواح المعرّضة للخطر في الولايات المتّحدة وحول العالم. يشكّل تعامل ترامب مع الأزمة نموذجاً صارخاً من عدم المسؤولية وإلقائها على الآخرين، كما يفعل دائماً. فعندما بدأ حكّام الولايات التي تضرّرت بشدة بالتماس المساعدة العاجلة من الحكومة الفيدرالية كأجهزة التنفس وجميع المعدات، توجّه إليهم بالقول: «حاولوا الحصول عليها بأنفسكم». وأضاف: «كان ينبغي عليهم تخزين ما يطلبونه الآن». في الواقع، لم تتغيّر أميركا منذ نشأتها على جماجم الهنود الحمر، وقد بقيت استراتيجيتها القائمة على تزوير الحقائق والخداع حتى لمواطنيها على حالها. فالدولة العظمى التي لطالما كانت تتباهى بامتلاكها أحدث التقنيات الطبية في العالم، وتُفاخِر بوجود أكثر خبراء الرعاية الصحية (التي تعتبر الأغلى في العالم) مهارة، لديها عدد أقلّ من الأطباء، ومستشفيات أقلّ للفرد، وعدد أسرّة مستشفيات أقلّ من معظم الدول الغنية. فالمستشفيات وشركات الأدوية كان جلّ تركيزها قبل أزمة «كورونا» على الربح، أمّا صناعة الرعاية الصحية فكان همّها تحقيق الأرباح بدلاً من العلاج. لقد عرّى هذا الوباء الحكومة الأميركية، وكشف هشاشة نظامها الرعائي، فالمخزون الوطني الأميركي الاستراتيجي من المستلزمات الطبية يحتوي على 1 في المئة تقريباً من أقنعة N95 التي تحتاج لها أميركا لمعالجة هذا الوباء، وفقاً لصحيفة «ذي نيويورك تايمز». وبالمثل، لا تمتلك المستشفيات سوى جزء صغير من أجهزة التنفّس اللازمة لتلبية الطلب المتوقع، ما يجعل موت عدد كبير من الأميركيين احتمالاً قائماً يمكن منعه خلال الأشهر القليلة المقبلة.
أطاحت «كورونا» بالاستثنائية التي طالما تغنّى بها القادة الأميركيون طوال عقود. بدا تصنيف الولايات المتّحدة في التعامل مع الأزمات الصحّية العالمية في مرتبة الدول التي كانت هي نفسها تصفها بالـ«فاشلة» و«المتخلّفة»، وذلك بشهادة أخصائية أميركية في الرعاية الصحية، قالت لشبكة VOX إن «دول العالم الثالث مجهّزة بشكل أفضل ممّا نحن عليه الآن في سياتل». وقد تردّدت كلمات هذه الأخيرة بعد أيام قليلة، على لسان طبيبٍ مصدوم في نيويورك وصف «ما يحدث في أميركا على صعيد التعاطي مع كورونا، كنوعٍ من سيناريو يحدث في بلدان العالم الثالث»، وفق ما نقلته الشبكة.
التهديد الذي يحدق بأميركا، لا يمكن مواجهته بالقوة العسكرية، هذا ما عبّر عنه عدد من الخبراء والمفكّرين والنخب السياسية وقادة الرأي الذين طرحوا سؤالاً بعدما لمسوا تخبّط قيادتهم في التعامل مع «كورونا»، ولم يجدوا له جواباً شافياً، ألا وهو: «إذا كنّا رائدين عالمياً، فاعلين وأقوياء، فلماذا نحن لسنا على المسار الصحيح أثناء حدوث أسوأ تفشٍّ وبائي لفيروس كورونا؟»، «ما الفائدة من كونك قوة عالمية إذا كان بإمكانك فقط تصوير القوة للخارج، وترك سكانك يعانون؟».
في عام 2016، قبل تولّي ترامب منصبه، كانت ميزانية الولايات المتحدة العسكرية باهظة بالفعل، وتبلغ حوالى 611 مليار دولار مقارنة بـ 11.5 مليار دولار لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. أمّا إدارة ترامب فقد فاقمت هذه الفجوة بشكل كبير، حيث وصل الإنفاق العسكري المقترح لعام 2021 إلى حوالى 740 مليار دولار، بينما خفّضت الإنفاق على مراكز السيطرة على الأمراض، ومنظّمة الصحة العالمية، وبرامج الصحّة العامّة الأخرى. بحلول عام 2018، تلقّى المقاولون العسكريون، بحسب شبكة VOX، ما يقرب من نصف ميزانية أميركا الدفاعية. اللوبي العسكري ـــ الصناعي ضغَط لحماية مصالحه المالية، إذ ساهمت أكبر 20 شركة دفاع، بالفعل، بما يقرب من 18 مليون دولار في الدورة الانتخابية لعام 2020 حتى الآن. بناء عليه، لا غرابة في أنّ العديد من المسؤولين الأميركيين هم دعاةٌ أقوياء باستمرار لزيادة الإنفاق الدفاعي، على حساب الرعاية الصحية وشؤون البيئة.

*صحافي وأستاذ جامعي