يسجّل للسرديات الأدبية العريقة مواكبتها للأحداث والمتغيّرات الكبرى في العالم، فبعد هبوب رياح الشعبوية في العالم عادت رواية 1984 لجورج أورويل George Orwell‏ لتحتلّ الصدارة في رفوف المكتبات واهتمام القرّاء، بعد صعود موجات من قادة المنابر السياسية واستعمال اللغة والعاطفة كبضاعة أساس في التسويق السياسي.

كذلك، تمحورت عشرات الروايات والحكايات الأدبية حول موضوعات المرض والوباء في مختلف الفنون الأدبية، ومنها أدب الرسائل، لنجد مع رسائل الأديب التشيكي فرانز كافكا Franz Kafka التي كتبها إلى ميلينا، صوراً مريرة مع المرض لا يمكن أن أنساها عند زيارتي متحفه في براغ، حيث يقول: «حاولي أن تفهمي ما تسمّيه مرضاً، هذا أحد أعراض المرض، والذي يدّعي الأطباء أنهم اكتشفوه، أنا لا أسمّيه مرضاً، وأعتبر العلاجات أخطاء لا فائدة منها، كلّ هذه الأمراض المزعومة لا فائدة منها حزينة كما يبدو، كالمسائل الإيمانية مثبّتة في أرض الحقيقة للأرواح المنكوبة».
هذه السوداوية الكفكاوية تعبّر عن روحه التي أكلها المرض، وهي رؤية متشائمة لكن فيها شيء من الواقعية ما يعبّر عن الواقع الصحّي الذي كان يعيشه العالم آنذاك. وتستمرّ الحكاية إلى عالم اليوم، فمصير العالم في ظلّ هذا الوباء يصعب وضع ملامحه، وخصوصاً أنّ معايير الربح والخسارة والقدرة التنافسية ومقدرات الإنتاج أطبقت على معايير التعامل السلوكي بين البشر، وهكذا أصبحنا ضحايا الحداثة المعولمة، نسعى جاهدين للبحث عن التضامن العابر للحدود في محاولة يائسة حتى هذه اللحظة من أجل إيقاف القطيعة الكبرى في تاريخ العلاقات الدولية.
هذا الوباء، الذي يعيش بين ثنائية الموت والحياة، هو إعادة ترتيب علاقاتنا الاجتماعية، فهو لم يدَع للعاطفة مكاناً، ولا يرحم عاشقَين أو زوجَين، أو نساء أو حتى طفلاً. لكنّ بضاعة الحب ستكون الأكثر انتشاراً كلّما زاد حصاد الوباء، كما يقول الروائي غابرييل غارسيا ماركيز إن «الحب في كل زمان وفي كل مكان، لكنّه يشتد كثافة كلّما اقترب من الموت».
هذا الحب على المستوى الفردي، فكيف يمكن أن يكون على مستوى السياسة، أو يتحوّل كسلوك للدول؟ يمكن أن يكون لعلاقات الحب أو الرومانسية دورها البارز في العلاقات الدولية في سجل التاريخ، وكانت صورتها الواضحة من خلال مؤتمر فيينا 1814 ـــ 1815، وهو بمثابة المؤتمر الأول للدبلوماسية العالمية عندما اجتمع سفراء الدول الأوروبية، بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية والحروب النابليونية من أجل إعادة رسم الخريطة السياسية لقوى العالم الجديد وصنع السلام العالمي بعد حروب طاحنة. كان المهندس الرئيسي للتحوّل الجديد، وزير الخارجية النمساوي كليمنس فون مترنيخ Klemens von Metternich، الذي كان بمثابة رئيس وزراء أوروبا كما يصفه هنري كيسنجر، في وقت لم يكن هناك اتّحاد أوروبي، حتى أنّ أطروحة الدكتوراه لهنري كيسنجر كتبها حول مترنيخ (A World Restored).

رغم عدم رومانسية هذا الوباء المميت ما زال هناك من يعامله برومانسية عبر المكياج السياسي


وكما ينقل ابن عمّ السياسي العراقي الراحل الدكتور أحمد الجلبي، فإنّ الأخير كان يحثّ القراءة عن مترنيخ، وأن الأخير كان له تأثير على العراق الحديث في السبعينات، حيث يرى أنّ انبهار كيسنجر بمترنيخ سوف يوضح السياسة الخارجية الأميركية تجاه الحركة الكردية بين عامي 1974 ـــ 1975. وهذا ما حصل لاحقاً بعد توقيع اتفاقية الجزائر، عام 1975، التي أبرمها نظام الشاه مع صدام حسين، والتي كان لكيسنجر فيها دورٌ محوريّ، وما نتج عن هذه الاتفاقية لبقاء نظام البعث لأكثر من ثلاثين عاماً.
ورغم المهارة الدبلوماسية لمترنيخ، كانت للحياة الشخصية والعاطفة الدور الكبير في توجيه بعض سياساته، وهذا ما تمّ الكشف عنه عن طريق بعض الوثائق حول حياة مترنيخ، حيث إنّ مصدر قلقه الرئيسي هو حبّ امرأة، وهي أميرة ودوقة ساجان Katharina Friederike Wilhelmine، التي كانت متزوّجة في ذلك الوقت. ورغم ذلك، تبادلت الرسائل مع الوزير النمساوي، وإثر هذا الأمر قرّرت النمسا الانقلاب على نابليون، والانضمام إلى تحالف بروسيا وروسيا وبريطانيا، وخوض حرب طويلة الأمد. ويرى بعض المؤرّخين أنّ هذه الدوقة هي التي أثّرت على قرار مترنيخ لتحويل النمسا من صديقة لنابليون، إلى مواجِهة له بسبب كراهيّتها للإمبراطور الفرنسي. وكان يكتب لها «ستبقين دائماً أعزّ الناس في قلبي»، بل قطع جائزته التي منحها ملك النمسا لكي تصبح قطعاً صغيرة من أجل تزيين ثوب عشيقته. وهكذا كان للرومانسية تأثير مهمّ في سياق العلاقات الدولية، وإن كانت في البعد الشخصي على مستوى صنّاع القرار، لكنّها غيّرت الموازين الجيوستراتيجية للعالم القديم.
من جهته، كتب مؤسّس الواقعية في العلاقات الدولية، العالم هانز مورغنثاو Hans Morgenthau، في مقال له تحت عنوان Love and Power (الحب والسلطة) يقول إن الحب والسلطة يتّفقان في دافع مشترك هو الهروب من الوحدة، حيث إنّ الحب يسعى إلى عملية لمّ الشمل، من خلال التبادل الاجتماعي التلقائي، بينما تسعى السلطة إلى صناعة الاتحاد، عن طريق أحادي الجانب وليس ثنائياً، كما يحصل في الحب. لكن السلطة غير مرضية تماماً لجانب الرومانسية أو الحميمية التي لا تمنحها إلّا من خلال الوهم أو الخيال.
لكنّ الخطورة برأيي، أن تتحوّل تلك الرومانسية إلى منهجيّة تفكير وأسلوب لإدارة الدول، كما يحصل في أسلوب مواجهة بعض الدول لوباء فتّاك قاتل غير رومانسي، ما زال البعض يتعامل معه وكأنّه يقدّم له الزهور في مقهى فرنسي عتيق ويلقي أشعار العشق. وقبلها المصيبة أن يتم التعامل مع السياسة بشكل عام، على أنّها حب أو بغض. ويبقى الوباء بلغة الجغرافيا والتاريخ، وحساب القدرات والإمكانيات، غير الوباء بلغة الرومانسيات والإيدولوجيا السياسية، والوباء بإدارة الأزمة والسلوكية المنهجية، غير معالجة الوباء بالشعارات والعنتريات التي ما قتلت ذبابة على حدّ قول نزار قباني، بعدما أسقط الوباء حسابات الراديكاليين والتنويريين على حدّ سواء.
هذه الأزمة لن تغيّر من الطبيعة الإنسانية، ولن يضطر هوبز وهيغل إلى تغيير رؤيتهم عن تلك الطبائع البشرية في الصراع من أجل البقاء، وبالتالي لن تتغيّر طبائع الدول من التنافس، ولن يسمح كثيراً قادة الاقتصاد العالمي أن تغيّر الخرائط الكولونيالية، وأن يحدث تغيير للمفارقات في عالم أول أو ثانٍ أو ثالث... فما زالت الخريطة الإنسانية لا تجد متّسعاً في خريطة قوى السياسة في العالم، كما لن تذوب الطبقات البروليتارية والبرجوازية والأرستقراطية في منحنى هذا الفيروس.
كثيرة هي الأمراض الاجتماعية التي يُصاب بها الإنسان والمجتمع، ولكنّ أخطرها هي الرومانسية السياسية والخيال السياسي الجامح. وتيّار الرومانسية السياسية يحاول أن يرسم رؤية مغايرة، عبر خيال خصب يعيد التفكير وكأنّ المدينة الفاضلة تعيش نسختها في العصر الراهن، فالدول ليست دكاكين وليست جمعيات خيرية، ومؤسسات السياسة الخارجية ليست مؤسسات إعانة، كما قال هنري كيسنجر: «ليس في السياسة الخارجية أفعال تبشيرية».
مصل الواقعية يمنح الحلول لكلّ الدول والشعوب، بعيداً عن المفهوم المسرحي للسياسة، فيما تبقى مشكلة الأفكار السياسية اليوتوبية، أنها لا تبدأ من واقع ملموس على الأرض، بل تبحث كثيراً عمّا يجب أن يكون، فيما يقول خبراء علم الاجتماع إن عملية الإفراط بالتركيز على العاطفة يقوّض المساحة الذهنية لدى الفرد، ولهذا سوف يقع في فخ الابتزاز السياسي.
رغم عدم رومانسية هذا الوباء المميت، ما زال هناك من يعامله برومانسية عبر المكياج السياسي. رغم اشتراكية المرض في المعمورة، لكن لن يغيّر العالم طريقة تفكيره ويبتعد عن العنصرية والاستغلال والهيمنة.
وهذه الرومانسية السياسية أصبحت طريقة للتحليل السياسي التجاري أيضاً، فموازين القوى ليست أزراراً، لكن مقياس هذه الرومانسية يجد أن الصين سوف تتفوّق، وأن الولايات المتّحدة سوف تتراجع والاتحاد الأوروبي سوف يتفكّك، وقد تتصاعد هذه الرومانسية للحديث عن إمكانية تشكيل البشر لحكومتهم العالمية، على الرغم من أن النظر في البعد الأخلاقي أصبح أضغاث أحلام في النظام العالمي اليوم، وفق تقليعاته النيوليبرالية.
لن تحنّ علينا الشركات الكبرى العملاقة، وهي تجرّب على البشرية في كل يوم شتّى تجاربها المختلفة، ولن يغيّر العالم آدم سميث Adam Smith ما جاء في كتابه «ثروة الأمم» عن أنّ أحد معالم التطوّر الاقتصادي هي المصلحة الفردية وهي الهدف الوحيد من المبادلات الاقتصادية، كما يقول ماكس فيبر Max Weber «من يدير المشروعات يسعى لتحقيق غايته الربحية، وهؤلاء يعيشون من العنف الذي ينشرونه». ويبقى الخاسر الأكبر هو الإنسان، أو هو آدم الأخير كما يقول الشاعر العراقي عارف الساعدي «ما الذي يفعله آدم في هذا الفراغ المر؟... وماذا يسمع الآن؟... ومن يسمعه في لحظة الغيب النهائي؟... وعن ماذا يقول؟... هدأ العالم من‏ ضجته الكبرى».
* دبلوماسي عراقي وباحث أكاديمي