من أبرز ما كتبه أرسطو منذ أكثر من ألفي سنة في مجلّده «السياسة»، ما يلي:

«الأنظمة الأرستقراطية معرّضة بشدة لتغيّرات غير محسوسة، من خلال استرخاءات متدرّجة كما بينّاها بصورة عامة بالنسبة إلى كل الدساتير. ذكرنا أنّ سبباً غير وجيه قد يكون مصدر اضطرابات. عندما يُستغنى عن بند من الدستور يصبح من السهل قبول تغيير آخر أكثر أهمية حتى زعزعة كلّ البنيان السياسي. هذا ما حصل مثلاً لدستور «توريوم» Thurium، حيث كان يوجد قانون لا يسمح بموجبه إعادة انتخاب القائد إلّا بعد فاصل خمس سنوات من الولاية الأولى. لكن بعض أفراد الجيش الشباب أصحاب خبرة ووجاهة في وسطهم، وشديدو الاحتقار للآخرين، ويقيناً منهم أنّهم يصلون بسهولة إلى غايتهم، سعوا في البداية إلى إلغاء هذا القانون بشكل يسمح فيه بالقيادة من دون انقطاع. كانوا يظنّون على كلّ حال أنّ الشعب سيعيد انتخابهم بحماس. وما لبث القضاة المولجون بالحفاظ على القوانين، والذين كانوا يُسمّون أيضاً مستشارين، وبالرغم من ميلهم إلى معارضة هذا المنحى، أن رضخوا لهذا التدبير مع اعتقادهم أنّ هذا التعديل يقتصر على بند وسيحترم المعنيون البنود الدستورية الأخرى. لكنّهم عندما أرادوا في ما بعد معارضة تعديلات أخرى لم يعد بمقدورهم المقاومة، وانتقل زمام الدولة بكامله إلى السلطة الشخصية لصالح الذين سعوا إلى هذه التغيرات».
1. Aristote, La politique, Paris, Librairie philosophique J. Vrin, éd. 1995, (600 p., pp. 374-375 (V, 7, 1307
ماذا يعني هذا النص؟ لا يتعلّق بأشخاص محدّدين وكفاءتهم أو صلاحهم للحكم. إنه يفسّر مسار التراجع في دولة القانون، انطلاقاً من خرقٍ يبدو صغيراً إلى خرق أكبر، ومن ثم إلى خرق أعظم... فلا نستخفّ بما نعتبره من الأمور الصغرى والظرفية. في الدولة اللبنانية، المنظومة الدستورية والقانونية، في الغالب لا يُعمل بها وفقاً لروحيتها وغاياتها التشريعية السامية. وباتت المخالفات المتكرّرة للنصوص القانونية أو التنكّر لها، أمراً يرخي بظلاله الثقيلة على فكرة وجود الدولة وفلسفتها وغايتها وواجباتها تجاه شعبها وسلطانها، على كلّ من الحاكم والمحكوم فيها. كما يُضعف كلّ ذلك من سطوتها في كل اتّجاه مطلوب تعميقاً لمفهوم استقرارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنقدي. وباتت تتغوّل عليها المصالح السياسية والزبائنية والطائفية، على حساب المصالح الوطنية، ما يجعل حقوق المواطنين والأفراد ومصالحهم واستقرارهم الاجتماعي والمالي، في خطر مهبّ المطامع الكبيرة للمشتغلين المحليين بالسياسة، المحكوم عليهم بعدم الشبع نهائياً في ظلّ مناكفاتهم الظاهرية المستمرّة.

باتت المخالفات المتكرّرة للنصوص القانونية أو التنكّر لها أمراً يرخي بظلاله الثقيلة على فكرة وجود الدولة وفلسفتها


وأمّا القضاء، فما برح ينتظر ويستمهل اعمال النصوص القانونية المتوفّرة بحق كل من سوّلت له نفسه، وهم كثر في دولتنا. وأما رئيس الحكومة حسان دياب، فقد ظنّ بدور حاكم مصرف لبنان وطالبَه أن يبادر إلى مصارحة اللبنانيين بما يحصل، وهذا لا ريب فيه من حق المواطن القلق على ودائعه المصرفية وقيمة نقده الوطني، عسى أن يطمئن على مستقبله ومآل تعبه وعرق جنى عمره.
إنّ لبنان يعيش اليوم لحظة ملحّة لإرساء نظم الحوكمة الرشيدة ومواجهة ظاهرة الفساد. لذا، يتوجّب بذل جهودٍ محمودة وجبّارة لاعتماد برامج وخطط للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. وعليه، فالمطلوب من الأطراف الفاعلة كافة في الدولة (ممثلة أساساً في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والهيئات الدستورية المستقلة والسلطة المحلية) التوافق مع منظمات المجتمع المدني والإعلام والقطاع الخاص، على اعتبار الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد من الأولويات الوطنية. وإنّ هذا
الإلحاح يستدعي تظافر جهود جميع الأطراف الفاعلة (الدولة، بجميع أجهزتها، والنسيج الاجتماعي، بجميع مكوناته، والمواطنون بكل فئاتهم)، كما يتطلّب تغييراً نوعياً في الخطاب والسياسات وبرامج العمل. فلقد أثبتت التجارب في عديد الدول أنّه لا يكفي لترسيخ الحوكمة الرشيدة ومجابهة الفساد، إعلان النوايا أو تكوين الهيئات والهياكل أو سنّ النصوص القانونية ومدوّنات السلوك. بل إنّ ذلك يفترض وضع استراتيجية وطنية وخطة عمل تنفيذية، تصحبها ميزانية، يتم في إطارها ضبط المهام والأنشطة والمسؤوليات في حيّز زمني محدد. حيث تشتمل على المهام التالية:
• اقتراح سياسات مكافحة الفساد ومتابعة تنفيذها بالاتصال مع الجهات المعنية.
• إصدار المبادئ التوجيهية العامّة بالاتصال مع الجهات المعنية لمنع الفساد وتوفير نظم ملائمة لكشفه.
• الكشف عن مواطن الفساد في القطاعين العام والخاص.
• تلقّي الشكاوى والإشعارات حول حالات الفساد والتحقيق فيها وإحالتها على الجهات المعنية بما في ذلك القضاء.
• إبداء الرأي في مشاريع النصوص القانونية والترتيبية ذات العلاقة بمكافحة الفساد.
• تيسير الاتصال بين مختلف المصالح والجهات المعنية لمكافحة الفساد وتدعيم التفاعل في ما بينها.
• جمع المعطيات والبيانات والإحصائيات المتعلّقة بالفساد لإحداث قاعدة بيانات بهدف استغلالها في إنجاز المهام الموكولة لها.
• نشر الوعي الاجتماعي بمخاطر الفساد عن طريق الحملات التحسيسية، وإقامة الندوات واللقاءات وإصدار النشريات والأدلّة وتنظيم الدورات التدريبية، وإنجاز البحوث والدراسات ذات العلاقة بمكافحة الفساد أو المساعدة على إنجازها.

* محامٍ لبناني