عندما فكّرت رئيسة الوزراء الباكستانية بنازير بوتو، عام 1994، في إنشاء حركة «طالبان» من طلّاب المدارس الدينية للاجئين الأفغان في باكستان، فإنها لم تكن تعبّر فقط عن خيبة أمل باكستانية من عدم تمكّن حليف باكستان الأفغاني، قلب الدين حكمتيار، من السيطرة على كابول، عام 1992 بعد انهيار الحكم الشيوعي هناك، بل كانت تفكّر أساساً في أن يكون الساحل الباكستاني مصبّاً لأنبوب غاز عبر أفغانستان، كانت شركة «يونوكال» الأميركية تفكّر في مدّه من تركمانستان، الجمهورية السوفياتية السابقة، التي اكتشف فيها احتياطي من الغاز هو السادس في العالم. بعدما هزمت «طالبان» قوات الرئيس الأفغاني برهان الدين رباني، ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود، وأخرجتهم من العاصمة كابول، في 27 أيلول 1996، فإنّ المحادثات بين الشركة الأميركية و«طالبان» قد شملت الجغرافيّتين الأفغانية والأميركية، وفعلاً كان تركيز «طالبان» الحربي ضد «التحالف الشمالي» بقيادة مسعود، الذي ظلّ يسيطر على مناطق واسعة من الشمال، على الشمال الغربي قرب الحدود الأفغانية ــــ التركمانستانية، وبالذات على مدينة مزار شريف. يلفت النظر أنّ سقوط مزار شريف بيد «طالبان» في شهر آب 1998، كان متزامناً بفرق يوم واحد مع تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، من قبل تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن، الذي كان مقيماً في أفغانستان، وهو ما أدى إلى دخول العلاقات الأميركية مع «طالبان» في انسداد كامل، وإلى انهيار محادثات إنشاء خط الغاز المذكور.

هنا، كانت بنازير بوتو، ومعها المؤسسة العسكرية الباكستانية، تفكّر في التركة السوفياتية في جمهوريات آسيا الوسطى، المسلمة السوفياتية السابقة، التي دلّت الدراسات على احتوائها مخزون طاقة من النفط والغاز، يوازي ما هو موجود في منطقة الخليج. وفعلاً، بعد انهيار مشروع «يونوكال»، بدأت تركيا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ـــــ الذي كانت دوله تستورد 40% من حاجاتها من الغاز من روسيا عبر خط يمرّ بأوكرانيا ـــــ بالتفكير بدءاً من عام 2002، في إنشاء خط «نابوكو» للغاز، من تركمانستان عبر أنبوب تحت مياه بحر قزوين يصل إلى أوروبا عبر آذربيجان ــــ جيورجيا ــــ تركيا. اعترضت روسيا على «نابوكو»، متذرّعة بأنّ بحر قزوين ليس بحراً، بل بحيرة مشتركة بين دول خمس، وبالتالي يحتاج مدّ الخط تحت مياهه إلى موافقة جماعية. وفعلاً، عندما وقعت الحرب الروسية ــــ الجيورجية عام 2008، كان هناك جهدٌ حربيٌ روسيٌ لضرب منشآت «نابوكو» على الأراضي الجيورجية. مات مشروع «نابوكو» الذي كان مخطّطاً أن يكون بديلاً عند الغرب الأوروبي من الغاز الروسي، وخصوصاً من خلال ترادفه مع خط غاز من مصر (الاحتياطي السادس عشر عالمياً) يصل عبر الأردن وسوريا، حتى أنبوب «نابوكو» في تركيا. بالتوازي مع ذلك، كان هناك مشروع لأنبوب غاز من إيران (الاحتياطي الثاني بعد روسيا) عبر تركيا، تتولّاه شركة سويسرية لنقل الغاز الإيراني إلى أوروبا، انتهى بتخلّي السويسريين عنه عام 2010، بفعل أنّ التوتّر الأميركي ــــ الإيراني، منذ استئناف طهران عام 2005 لبرنامج تخصيب اليورانيوم، قد جعل من غير الممكن استكمال هذا المشروع. بالتأكيد، لم تنظر موسكو بعين الارتياح إلى مذكّرة التفاهم الإيرانية ــــ العراقية ــــ السورية، التي وُقّعت في تموز 2011، لنقل غاز حقل «بارس» الإيراني العملاق إلى أوروبا، عبر الساحل السوري، من خلال أنبوب غاز يمرّ في الأراضي العراقية، وهو ما جاء بعد عشرة أشهر من اتفاق عراقي ــــ سوري لإعادة فتح خط أنبوب النفط الواصل بين كركوك وبانياس، الذي تمّ إغلاقه عام 1982 بفعل التوتر العراقي ــــ السوري، ما جعل العراق يتّجه إلى تصدير نفطه عبر أنبوبين يمرّان في السعودية وتركيا. يجب التفكير، هنا، في ما ذكرته صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، في عدد يوم 30 آب 2013، عن أنّ موقف قطر وتركيا المُعادي للسلطة السورية في الأزمة السورية، يعود إلى رفض سوري عام 2009 لمشروع قطري لنقل غاز قطر (الاحتياطي الثالث في العالم)، عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا، وصولاً إلى أوروبا.
على هذا الصعيد، يجب عدم الاستهانة بما ذكرته الصحيفة، ولكن من دون المبالغة في تفسير كل شيء من خلال الأنابيب. مع ذلك، يجب تفسير الغزل الصامت لثلاثة وعشرين شهراً، بين إدارة بيل كلينتون وحركة «طالبان»، من خلال أنبوب «يونوكال» الذي، من جهة أخرى، يفسر دعم روسيا لأحمد شاه مسعود ضد حركة «طالبان». التوتر التركي ـــ الروسي حتى عام 2016، يمكن تفسيره بنفط وغاز منطقة بحر قزوين، والأنابيب عبر تركيا لهما (أنجز فقط أنبوب نفط باكو ــــ تبليسي ــــ جيهان)، وقد انتهى هذا التوتّر مع مشروع بناء خط الغاز الروسي إلى أوروبا، عبر البحر الأسود وتركيا (توركيش ستريم) كبديل من المعبر الأوكراني للغاز الروسي، بعد توترات 2007 ـــ 2008 بين موسكو وكييف، فيما قامت روسيا أيضاً بإنشاء أنبوبين للغاز نحو ألمانيا (نورد ستريم) عبر بحر البلطيق؛ ألمانيا، التي قال عنها دونالد ترامب إنها «أسيرة الروس» من خلال الغاز. يمكن، إلى حدّ ما، تفسير الاهتمام الروسي بسوريا وصولاً إلى الدخول العسكري إليها، منذ يوم 30 أيلول 2015، من خلال الأنبوبين المفترضين للغاز من قطر (2009) وإيران (2011)، عبر الأراضي السورية، واللذين مع تركمانستان، تمثل بدائل منافسة للغاز الروسي. وكذلك، يمكن تفسير اهتمام فلاديمير بوتين الشديد بالملف الأفغاني، الذي حصل فيه تطوّر مهم في 29 شباط 2020، من خلال اتفاق الأميركيين مع حركة «طالبان»، لتنظيم الانسحاب الأميركي العسكري من أفغانستان، حيث يربط الكرملين الأزمة الأفغانية، بهذا الشكل أو ذاك، مع غاز تركمانستان.
هنا، يمكن ربط مشاهد سياسية، من خلال أنابيب نفط وغاز: حصل انقلاب حسني الزعيم بتشجيع أميركي عام 1949، لأنّ الحكومة السورية، ومعها الرئيس شكري القوتلي، قد عرقلت مشروع خط نفط التابلاين الآتي من السعودية، حيث كانت تريد أن يكون انتهاء الخط في الساحل السوري وليس اللبناني. بين عامي 1949و1952، برز مشروع «الهلال الخصيب» للوحدة السورية ــــ العراقية، بالتوازي مع بناء خط نفط كركوك ــــ بانياس، وبالتأكيد هذا تفكير طبيعي عند العراقيين الذين يشعرون بأنّ الخريطة العراقية تشبه الزجاجة ذات الفتحة الضيّقة، لذلك يفكرون في الساحل السوري أو في الكويت، الذي ذهب ضحية الاقتراب منه كلّ من عبد الكريم قاسم وصدام حسين. هناك خطان قيد الإنشاء لأنابيب نفط، الأول بين جنوب السودان ــــ إثيوبيا ــــ حتى ميناء جيبوتي، والثاني من إثيوبيا (مع اكتشاف نفط في الصومال الإثيوبي: أوغادين) ــــ جنوبي السودان ـــــ حتى الساحل الكيني عند ميناء لامو. ويمكن أن يفسر هذان الخطّان اتجاه جمهورية جنوب السودان نحو الحضن الإثيوبي، بدلاً من شمال السودان، حيث نفط الجنوب يصدر بمعظمه عبر ميناء بور سودان. هناك أنبوب غاز قيد الإنشاء من نيجيريا (الاحتياطي العالمي التاسع)، عبر النيجر إلى الساحل الجزائري إلى أوروبا، جرى التوقيع على مشروع إنشائه عام 2009، ما يمكن أن يفسر الاهتمام الشديد من الأوروبيين بوجود المنظمات الإسلامية الجهادية في الصحراء الجزائرية. هناك اهتمام سعودي وإماراتي بمدّ أنابيب نفط وغاز (السعودية الخامسة في احتياط الغاز والإمارات السابعة) إلى الساحل اليمني على بحر العرب، لتفادي مضيق هرمز، ويمكن أن يفسر الكثير من الحرب اليمنية الحالية. الصين في عام 2017، استأجرت مرفأ غوادار الباكستاني، وأقامت منه أتوستراداً وسكّة حديد وأنبوب نفط تصل جميعها إلى البر الصيني، واستأجرت مرفأ كيوكبيو في ميانمار عام 2020 وستقيم منه أنبوبي نفط وغاز نحو البر الصيني، ليكون هذان المرفآن بابين خلفيين للصين بدلاً من المرور بمضيق مالاقا عند سنغافورة، حيث القاعدة الأميركية؛ هذا المضيق الذي يصل بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي. الصين تستورد نصف استهلاكها النفطي وما يقرب منه من احتياجاتها من الغاز، وعلى هذا الصعيد يمكن تفسير الكثير من التقارب الصيني ــــ الروسي بأنبوب الغاز الروسي ـــــ الصيني، الذي تم إنجازه في الشهر الأخير من عام 2019. في 2 كانون الثاني 2020، جرى التوقيع على إنشاء أنبوب غاز تحت البحر بين إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، ومنها إلى أوروبا، لنقل الغاز من الساحل الفلسطيني. لا يمكن تفسير الاتفاقية التركية مع حكومة طرابلس الغرب حول الحدود البحرية التركية ــــ الليبية، من دون ذلك الاتفاق الرباعي، حيث تستطيع تركيا أن تعترض من خلال ذلك على وصلة أنبوب الغاز بين جزيرتي قبرص وكريت، على اعتبار أنها في مياهها الإقليمية.

* كاتب سوري