عندما نتحدّث عن ثورة ما، يتبادر إلى الأذهان مشاهد المنتفضين في الطرقات، والفوضى المتنقلة بين الشوارع، والصرخات التي تعلو ضدّ السلطة. تطيح جائحة مستجدة بهذا المفهوم. تولد من رحم المعركة مع الفيروس ثورة من نوع آخر. أقصاها الهدوء، وأوجبها التزام المنازل.

مضى أسبوعان ونصف الأسبوع. التعبئة العامة لم تأتِ متأخرة. ضجرُ اللبنانيين أرخى بظلاله باكراً. ما الذي يهزّ ضمائر اللبنانيين، جثث بالمئات؟ أموات في أكياس بلاستيكية لا يجرؤ أحد على مسّها؟ محرقة جماعية بعد امتلاء القبور؟ مصابون يختنقون بدون أجهزة تنفّس؟ أطفال يتألمون لخسارة أمهاتهم أو آبائهم؟ مسنّون يستغيثون بدون أسرّة؟ أطباء يستسلمون؟ عائلة تئن لخسارة معيلها الوحيد؟ أبواب مغلقة بوجه آلام من تحبّون؟ كيف نناجي ضمائركم وهي في غيبوبة تامة؟ وقد صممتم آذانكم عن صرخات المرضى. نيام لا شيء يوقظكم. كل الحملات التوعويّة والإعلاميّة لم تجدِ نفعاً. كل المشاهد القاسية التي انتشرت من البلدان الأخرى لم تردعكم. يحلو تطبيق ما يجري في الهند، ربما، على بعضكم. فرض الالتزام «بقوة الضرب». على السلطة أن تثور اليوم، لأول مرة، بوجه الشعب.
منذ إعلان الحكومة اللبنانية التعبئة العامة، في 15 آذار الماضي، والركود يسود البلاد، إلا بعض الخروقات النسبيّة هنا وهناك. جرّاء ذلك، حصد اللبنانيون في الأيام الماضية، بحسب إحصاءات وزارة الصحة، تباطؤاً في تزايد عدد الإصابات بفيروس «كورونا». لكن هذا الحجر القسري لم يدُم طويلاً. سرعان ما خرج الناس إلى الشوارع، وفي ذلك ثمة لغز مطبق. هل هو الجوع أم الانتحار؟
يحق لك، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، أن تقف إلى جانب السلطة ضدّ الشعب. أن تحمّل الانفجار الذي سيولد عمّا قريب، لمن يحمل كفنه على كتفه. خروج الناس إلى الشوارع، والتفلّت الذي شوهد في الأيام الماضية، يحتّم العودة إلى نقطة الصفر. بما معناه أنّ هذا الحجر سيطول، وأن المستشفيات ستفيض، وأن توقف أعمال الكثيرين وزمن بطالتهم سيمتد، وأن العاصفة التي تحدّث عنها وزير الصحّة حسن حمد ستهبّ من جديد. يرافق خطر الفيروس أزمة جوع، وجرائم المصارف المتتالية، والارتفاع المطّرد في أسعار السلع، الذي وصل إلى 58%. وبينما يواجه أطباء وممرضون ومختصّون وباء «كورونا» باللحم الحيّ، يصرّ البعض على رمي البلاد في التهلكة، في ظلّ غياب لتشدّد القوى الأمنية والجيش لتطبيق الالتزام التام بالتعبئة العامة. يُستثنى من ذلك المضطرّون إلى سحب فتات مالهم، الذي ادّخروه ليومهم الأسود، فحال إجرام المصارف دون ذلك.

يحق لك ولأول مرة منذ سنوات طويلة أن تقف إلى جانب السلطة ضدّ الشعب


أعرف شعباً، ما ترك نائباً ولا وزيراً إلا ومدحه شُكراً، على واجب يؤديه من ماله الخاص. ثم تذمّر وثار وثار، على سلطة جشعة تسرق من دون ملل. أعرف شعباً، أدرك خطورة الأزمة التي تطال العالم كله، من دون أن يرفّ له جفن. وعندما قرّر أن يصير «شعباً»، سرقته اللامبالاة من مسؤولياته. لم تعد الزبائنية الطائفية هي المشكلة اليوم. وباء الإهمال يطال الطوائف كافة، على امتداد الأراضي اللبنانية. إنها معركة البقاء، لا سلطة ولا من يحزنون. لن يبقى فيكم من يثور. أصحاب الثروات، الذين يشكلون أقل من 1%، سيعيشون، وسيموت الفقراء من دون سرير يأويهم، أو عزاء يذكرهم. قبل أشهر تفننتم في ثورتكم، خرجتم إلى الشوارع بكل ما أوتيتم. رقصتم وغنيّتم وعزفتم الموسيقى، لعبتم الرياضة... فعلتم كل شيء. هاتوا ما لديكم من ثورة اليوم. ثورة لا تكلّفكم شيئاً، سوى بقائكم في منازلكم.
يعيش اللبناني بين مطرقة ومسمار، الفيروس أو الجوع. مصيبتان أحلاهما مرّ. وفي الثورات تكثر التضحيات. لكن، سيخسر كل من بذل من تضحياته. كل بلدية أو حزب أو مجموعة أو متطوع، كل الحملات التضامنية، والتبرّعات والذهب والحلي التي قدّمها البعض وهو في مرحلة أحوج إليها من أي وقت مضى. كل الأطباء والممرضين الذين نذروا أنفسهم، كل الذين خسروا أشغالهم وتعليمهم... سيخسرون أكثر وسيدفعون ثمن لامبالاة البعض أضعاف. لقد وضع حزب الله، مثلاً، إمكانات بشرية ولوجستية ضخمة، كان قد أعدّها منذ سنوات لحرب مفترضة مع العدو، بوجه فيروس لا يُرى بالعين المجرّدة. هل يعلم اللامبالون ما يعني ذلك؟ هل يعلم الذين لم يتركوا مكاناً «يعتب» عليهم ما يعني أن يضع حزب الله، الذي يصنفّه كثر على أنه قوة إقليمية، ما كان يعدّه لحرب مع إسرائيل؟ أقل ما يمكن قوله إن خطورة المرحلة توازي خطر طائرات حربية تغير بمئات الصواريخ على المدنيين دونما تفرقة بينهم. وأنه سيموت الآلاف من السكان، وأن الخسائر ستكون باهظة. ورغم كل ذلك، ستزيد اللامبالاة لدى البعض من هذه التضحيات، وسيزيد قدوم المغتربين أيضاً الأعباء على الدولة، ما يضع الشعب أمام مسؤولية أكبر.
لا يطمئن أحد لأعداد المصابين، فـ19% منهم، بحسب وزارة الصحة، لا تظهر العوارض لديهم لكنهم ينقلون العدوى، ما يعني أن نسبة مقبولة من الحالات لم تظهر بعد. وتعد نسبة الوفيات في لبنان، قياساً إلى دول مشابهة أخرى، عالية إلى حدّ ما. وإذا ما عدنا إلى الدراسة التي أجرتها الجامعة اللبنانية الأميركية، من المفيد التذكير أنه «في حال لم يتمّ اعتماد التباعد الاجتماعي أبداً، فإنّ عدد الوفيات المتوقع سيرتفع إلى أكثر من 150 ألف شخص. وإذا التزم بالتباعد الاجتماعي المعتدل، فإن عدد الوفيات سيكون 4259». ألا تعني لكم هذه الأرقام شيئاً؟
المواطنون الذين أثبتت إصابتهم اليوم، هم غالباً الذين لم يلتزموا بالتوصيات الوقائية منذ أسبوعين. واعتماداً على ما نراه في الأيام الماضية من هتك لقرار التعبئة العامة، يمكن التنبؤ بحجم الانفجار القادم، الذي ستظهر نتائجه بعد أسبوعين، ما لم يتدارك اللبنانيون قلّة تقديرهم سريعاً ويلجأون إلى ثورة هي الأسهل في التاريخ والأولى من نوعها... ثورة «المنازل».

*كاتبة لبنانية