تأتي الذكرى الثالثة لاستشهاد باسل الأعرج، هذا العام، وفلسطين القضية والشعب، تتعرّض لمجزرة سياسية إمبريالية ـــ صهيونية ـــ رجعية، ستؤدّي، في حال استكمال حلقاتها، إلى الإجهاز على الحقوق الثابتة للشعب العربي الفلسطيني في وطنه. لهذا، فإنّ استحضار ذكرى هذا الشهيد تتطلّب إعادة تسليط الضوء، بتكثيف شديد، على ما حصل في ذلك الفجر الدامي ليوم 6 آذار / مارس 2017. يومها، بادر مُطارَد فلسطيني إلى إطلاق النار على عناصر وحدة «يمام» الخاصة، التي طوّقت المكان الذي يختفي فيه في مدينة البيرة في الضفة الفلسطينية المستباحة، بهدف اعتقال أو إعدام باسل الأعرج. قاوم «المطلوب الرقم 1» المتحصّن في سقيفة الشقّة السكنية، التي كان قد استأجرها وأقام فيها قبل أشهر عديدة. ساعتين من الزمن، خاض فيهما المناضل المطارَد مواجهة عنيفة مع الغُزاة، بإرادة واعية، وصلبة لم تنكسر، وببندقية أفرغ كل رصاصها ليرتقي بعدها شهيداً.

لم يكن «الباسل» اسماً مجهولاً عند المحتل، أو عند أجهزة سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود، أو قوى الحراك الشبابي، أو بالنسبة إلى كوادر وأعضاء القوى والحركات والهيئات الوطنية. كان ناشطاً سياسياً وجماهيرياً معروفاً لدى الجميع، لكنّه كان متفرّداً بين رفاقه وزملائه، من خلال ثقافته النظرية التي لم تبقَ في العقل، بل عمل على نقلها إلى أرض الواقع، كأداة للتحليل والاستنتاج، وبهذا حقق المزج الكامل ما بين المعرفة والممارسة.
استشهد باسل بعد ساعتين من الاشتباك العنيف الذي استخدم فيه الغزاة قذيفة «إنيرغا» في قصف الشقة، بعدما عجز الرصاص عن إصابة الفدائي المطارَد. دمّرت القذيفة جزءاً من المنزل، ليسقط «الباسل» مضرّجاً بدمائه، بعدما نفدت ذخيرة البندقية، وبعدما اخترقت جسده 22 طلقة وشظية. سقط الجسد ليمتزج الدم مع الكتب والأوراق والكوفية، لكن اليد القابضة على السلاح والقضية لم ترفع الراية البيضاء. وهذا ما أكده شقيقه حين نعاه: «لم تُسَلّم لهم، ومثلك لا يعرف التسليم. اخترت أن تكون مقاوماً وأن تموت شهيداً مقبلاً مشتبكاً لا خانعاً».

الوصية: بوصلة جيل التحدّي والمقاومة
في الوصية التي وُجدت في الشقة التي استشهد فيها مع مجموعة من الكتابات، تكثيفٌ للاقتناعات المبدئية، وللأفكار والثوابت والنهج. في البدء، يلقي «تحية العروبة والوطن والتحرير»، ثلاث كلمات لَخّصت الانتماء القومي والوطني وكيفية المزج والتوحّد من خلالها في عملية التحرير. أمّا صوابية الاختيار، فيؤكدها باقتناع تامّ وثابت بما ترسّخ لديه من خلال الوعي والمعرفة والممارسة: «أنا الآن أسير إلى حتفي راضياً مقتنعاً وجدت أجوبتي. يا ويلي ما أحمقني، وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد؟». أما عن استشراف المستقبل، فقد خاطب بكلمات واضحة، غير ملتبسة، أبناء شعبه وأمّته: «كان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة، إلا أنَّ ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء، فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا أنتم. أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله».

في الوصية التي وُجدت في الشقة التي استُشهد فيها مع مجموعة من الكتابات تكثيفٌ للاقتناعات المبدئية وللأفكار والثوابت والنهج


بوصية ترقى إلى برنامج العمل، أكد «الباسل» دور المثقف، كمصباح ينير طريق التوّاقين إلى الحرية، وأهمية الثقافة الثورية كحالة تؤسّس لـ«المواطن المشتبك» مع المحتلّين، هذا المواطن الذي شاهدناه في الفدائي الأسير سند الطرمان، بطل عملية دهس جنود العدو في القدس المحتلة، يوم 6 شباط / فبراير 2020 . فقد كتب سند، على صفحته على موقع «فايسبوك»، قبل توجّهه لتنفيذ عملية الدهس: «وجدت أجوبتي» في تأكيد، ليس فقط لما كتبه «الباسل» في وصيته، بل للنهج / الأسلوب، أي «الاشتباك مع العدو».

باسل والوصايا غير المكتوبة لمن سبقوه
لم يكن التاريخ عند باسل سرديات للتأمل، فقط. فقد عمِل شهيدنا على نبش التاريخ والبحث في منمنماته الصغيرة داخل الكتب والمذكّرات، وفي الروايات التي سمعها من أصحابها، من أجل الاستفادة من كل تلك الأحداث لتأصيل المعرفة بالماضي، كخطوة على طريق استلهام دروسه في معرفة الحاضر واستشراف المستقبل. لهذا، جاء حرصه على معرفة الأرض، ميدان التجارب التاريخية، فجال الوديان والكهوف والجبال، رابطاً الأحداث ببيئتها الجغرافية، بهدف تقديم التجربة للأجيال من حيث علاقتها بالمكان وخصائصه، كعامل أساسي في المقاومة والاختباء والاعتماد على الذات.
لم يقرأ «الباسل» تجارب الثوار في فلسطين بعين الدارس الأكاديمي، بل بعين الباحث عن مضمون الحدث وأبعاده: الفشل والنجاح، وعلاقة كل ذلك بالبيئة المحيطة: السكان والطبيعة. وتدلّ كتاباته في مجال التجارب الكفاحية للشعب في مواجهة الاحتلال البريطاني، ومن ثمّ الغزو اليهودي الصهيوني ـــ التي جُمع القسم الأكبر منها في الكتاب الذي حمل عنوان «وجدت أجوبتي... هكذا تكلّم الشهيد باسل الأعرج»، الصادر في الذكرى السنوية لاستشهاده ـــ على إعجابه الشديد وتأثّره بعمليات استثنائية متعدّدة، وكأمثلة عليها وليس للحصر: «عملية وادي عيون الحرامية»، التي نفذها الفدائي الشاب ثائر حماد على حاجز عسكري لجيش الاحتلال شمال مدينة رام الله، في 3 آذار / مارس 2002، وأدت إلى مقتل 11 جندياً ومستوطناً، وجرح 9 آخرين بـ26 رصاصة. وعملية «زقاق الموت» في الخليل، في ١٥ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٢، التي نفذها الفدائيون الشباب دياب محمد المحتسب، وولاء هاشم سرور، وأكرم عبد المحسن الهنيني، في «الحي اليهودي» القريب من منطقة أبو سنينة قرب وادي النصارى القريب من مستوطنة «كريات أربع». واستمر الاشتباك العنيف عدة ساعات، كما أدت العملية، بحسب اعتراف العدو الصهيوني، إلى مقتل أربعة عشر جندياً وضابطاً صهيونياً، من بينهم قائد قوات الاحتلال في الخليل العميد درور فاينبرغ.

خاتمة
يكتب شهيد قضية التحرّر الوطني والقومي غسان كنفاني: «كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح، وإنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه». «الباسل» أحد أولئك الرجال الحقيقيين الذين مزجوا الأفكار مع السلاح، بتأكيد جديد أن النظرية الثورية هي التي توجه البندقية نحو الهدف الأسمى؛ حرية الوطن وتحرّر الإنسان.
باسل، سنكرر دائماً ما أكدته، «لا تحلموا بعالم سعيد ما دامت إسرائيل موجودة»، و«فلسطين هي الأجمل بالنسبة لي... جمالها في أنها هي من منحتني جوابي في البحث عن المعنى، وهي من أجابت عن أسئلتي الوجودية وتمنحني مبرر وجودي وتعالج قلقي الدائم» (كتاب «وجدت أجوبتي» ـــ ص 247).
أيها الباسل: ستبقى لكلّ من عرفك من رفاق ورفيقات دربك وأفكارك، ولشعبك وأمتك «مِسْكْ فايِحْ»، كما كتب عنك ولك الدكتور سيف دعنا، في مقالته التي حملت عنوان «باسل الأعرج: الفدائي الكامل».

* كاتب فلسطيني