لم تكن مناسبة الذكرى الخامسة عشرة لمقتل رفيق الحريري مثل سابقاتِها من مناسبات التذكّر والاستذكار والتبجيل. مرّت باهتة هذه المرّة، واضطرّ صاحب الذكرى إلى عقدها في صالون المنزل، وذلك من أجل تلافي حضور خفيف وظهور حركة احتجاج ضد الحريري، الأب والابن. تغيّرت الثقافة السياسيّة في لبنان كثيراً عمّا كانت عليه في العام 2005. لم يعد لرفيق الحريري ذلك الوهج الذي أسبغه عليه التحالف الغربي - الخليجي - الإسرائيلي لغايات تحجيم المقاومة وضربها آنذاك. وبصرف النظر عن الجهة التي اغتالت الحريري، فإن التحالف المذكور قرّر مبكراً استغلال الحدث لخدمة إسرائيل. وكان ذلك قبل اكتشاف مخطط الهواتف الذي سقطَ فجأةً في أيدي خبراء «فرع المعلومات» الذين كانوا يتابعون بمهارة فائقة مخطّط ناصر قنديل وعاصم قانصوه لاغتيال الحريري، قبل أن ينتقلوا إلى ملاحقة مخطط أحمد جبريل في اغتيال الحريري، قبل أن ينتقلوا إلى كشف مخطط رستم غزالة في اغتيال الحريري، قبل أن ينتقلوا إلى كشف مخطط الحزب السوري القومي الاجتماعي لاغتيال الحريري، قبل أن ينتقلوا إلى كشف مخطط الضباط الأربعة لاغتيال الحريري، قبل أن تقع بين أيديهم تفاصيل مخطط الهواتف... فيصلوا الى اتهام حزب الله.

والحملة الدعائيّة (الفنيّة والسياسيّة والفولكلوريّة) التي حظي بها الحريري، لم يحظَ بها أي سياسي عربي من قبل. لم يكن لها مثيل لأنها كانت مصطنعة ومشغولة بعناية غير شديدة من قبل مطبخ الحكومة الأميركيّة، وحلفائها في تل أبيب ودول الخليج. قد تكون ترقية جيفري فيلتمان (المُرشد الروحي لـ14 آذار) تعود بالدرجة الأولى إلى نجاحه في إنشاء وتسيير ورعاية الإنفاق الغربي - الخليجي الهائل للترويج لصورة رفيق الحريري، ولشدّ العصب الطائفي المذهبي لتقويض دعم المقاومة في لبنان وفي العالم العربي. ولم تكن حرب تمّوز (يصرّ أعوان إسرائيل في لبنان على أن الحرب كانت نتيجة استفزاز لحزب الله، فيما المراجع الاسرائيليّة تعترف بأن إسرائيل كانت تُعِدُّ لها منذ انسحابها الذليل من لبنان) إلا في سياق الاستغلال الغربي - الإسرائيلي لاغتيال الحريري (مع جانب يتعلّق بمماشاة جاك شيراك لجورج بوش كي يصفح عنه ذنب معارضته القصيرة الأجل لغزو العراق في 2003). كانت حرب تمّوز جزءاً من سياق الاستغلال الغربي لاغتيال الحريري، وكانت إسرائيل وأميركا تعتقدان أن الساحة اللبنانيّة باتت ممهّدة وخصبة لتأليب الرأي العام اللبناني، والشيعي خصوصاً، ضد حزب الله (لعلّ خبراء أميركا خُدعوا بأهميّة مشروع إعلان «اللقاء الشيعي» في نيسان 2005، والذي عوّلوا على قدرته في إيجاد زعامات بديلة من حسن نصر الله، لكن اللقاء لم يعمّر وخابت آمال أميركا في تعزيز زعامة باسم السبع، كالناطق الوحيد والأوحد لشيعة لبنان).
المناسبة هذه السنة كانت مختلفة، لأن سمعة الحريري وصورته تضرّرتا من كثرة الحديث عن الإرث الاقتصادي والمالي الكوارثي الذي تركه لنا، كما أن الحركة الاحتجاجيّة كشفت عن غضب دفين من الرأي العام ضد مضاعفات السياسات الاقتصاديّة التي كانت في أكثرها منذ ١٩٩٢ من صنع رفيق الحريري (وإن يتحمّل قدراً من المسؤوليّة كل من تمثّل في السلطة ووافق أو صمتَ في معارضة سياسات الحريري — لا يزال الـ»يوتيوب» يشهد على قلّة الأصوات المعارضة في المجلس النيابي ضد الحريري، أصوات مثل نجاح واكيم وزاهر الخطيب وسليم الحص. والاحتفال بالذكرى هذه السنة كان ضرورة من ضرورات الرمق السياسي لسعد الحريري، بعد أن عانت زعامته من ويلات سياسية وماليّة متوالية، وبعد أن تعرّض للضرب والإهانة في الرياض. لكن خطبة سعد الحريري هذه السنة كانت، في جانب منها، مساهمة في معركة بين «الإخوة الأعداء»، أي بين سعد وبهاء الحريري، ولكل منهما حلفاء في داخل العائلة.
لكل الطوائف في لبنان أيقونات خاصّة بها. لم تكن كل الطوائف تنعم بالأيقونات قبل الحرب الأهليّة، لكن الأيقونات باتت ضرورة من ضرورات السياسة في الطائفة. قبل الحرب الأهليّة، كانت الطائفيّة المارونيّة تنعم بأيقونة شمعون، إلا أن تلك الأيقونة كانت موضع تنازع بين مختلف الزعماء الموارنة. لم يصل فؤاد شهاب إلى مصاف الأيقونة، ربما لأنه — مثل إميل لحود — كان أكثر شعبيّة خارج طائفته ممّا كان في داخلها. وشعبيّة الزعيم الماروني عند المسلمين تضرّ بالشعبيّة الطائفيّة للزعيم: وهذا ما عرّض فؤاد شهاب لتهمة التعاطف مع المسلمين، فيما هو لم يكن يقلّ طائفيّة عن نظرائه، وإن كان يخشى على الدولة، أي مواقع الحظوة للزعماء الموارنة فيها، من غضبة غير المسيحيّين، ما دفعه إلى استحداث برامج اجتماعيّة لتحقيق تقدّم طفيف في العدالة الاجتماعيّة لمنع الثورة على النظام. كميل شمعون كان الأيقونة الأبرز، وإن نافسه بيار الجميّل وريمون إده في الزعامة، لكن زعامة الأخير (بالرغم من احتضان الصحافة له) لم تتخطّ منطقة جبيل. كان شمعون (الذي تمتّع بكاريزما لا ينكرها كلّ من قابله، وأنا منهم عندما كنت صغيراً) يتمتّع بنوع من القداسة، حتى إنه حيكت عنه قصص عجائبية عن استدارة سيّدة حريصا له. وقصّة عودة شمعون إلى الحلبة السياسيّة قصّة شبه عجائبيّة، عن هذا الزعيم الذي كان في عام 1958 منبوذاً من الرأي العام الإسلامي (وبعض المسيحي) وعاد إلى الساحة السياسيّة، وبقوّة، جالباً معه نواباً من طوائف متعدّدة على لوائحه في مناطق مختلفة من لبنان.
حلّت الحرب اللبنانيّة ولم يكن للطائفيّة المارونيّة أيقونة واحدة، بل أيقونتان، إذ عزّزَ بيار الجميّل حضور حزبه في مجلس 1972، وكانت ميليشياه تجذب من الشباب أكثر ممّا جذبت «نمور» حزب «الأحرار» بالرغم من غرف الطرفيْن من المصادر نفسها (الجيش اللبناني وإسرائيل والنظام الأردني ودول الغرب). وولّدت الأيقونتان أيقونات طائفيّة بلبوس مجرمي الحرب بعد اندلاع الحرب، وبروز داني شمعون وبشير الجميّل كقائدَي ميليشيا، يشاركان شبابهما في القتل والقتال والتفظيع الذي اشتهرت به ميليشيات اليمين.
انتهت الحرب وزادت حدّة الفروقات الطائفيّة والمذهبيّة. أصبح ميشال عون أيقونة للكثير من المسيحيّين، فيما تحوّل بشير الجميّل إلى أيقونة شهيد. وفي سجلّ أيقونات الطوائف، تُختلَق للرجل (لا دخول للنساء في هذا النادي) سيرة لا علاقة بتاريخه الحقيقي. فكميل شمعون أصبح في تاريخ مستحدث أقوى مدافع عن القضيّة الفلسطينيّة، وصُنعت له رواية أنه خرّ صريعاً من ذبحة قلبيّة وهو يعتلي منبر الدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة (نعلم اليوم أن الرجل كان يصارح زعماء دولة العدوّ بإيمانه بالقضيّة الصهيونيّة). كان يمكن لميشال عون أن يكون الأيقونة الوحيدة للطائفيّة المسيحيّة (وهو كاد يصل إلى تلك المرتبة في مرحلة سيطرة النظام السوري، عندما أتيح لرفيق الحريري أن ينتقي بنفسه ممثّلي المسيحيّين في المجلس النيابي وفي مجلس الوزراء)، وهو نجح في انتخابات 2005 في الاستحواذ على نسبة 70% من أصوات المسيحيّين. لكن تلك الحالة الأيقونيّة لم تستمرّ، وتعدّد المنافسون، وزاد التعلّق بأسطورة أيقونة شهيد (بالنسبة إلى المؤمنين بقضيّته والمُصدّقين للأكاذيب عنه)،أي بشير الجميّل. أصبحت أسطورة الجميّل (بعد أن نجح مروّجوها في تزوير سيرته بالكامل، إذ إن سجلّ جرائمه ضد المسلمين والمسيحيّين والفلسطينيّين مُحِي بالكامل، وتحوّل إلى بطل سيادي لا يلتقي بزعماء العدوّ إلا لتوبيخهم بحزم وعنفوان). ويشارك خصوم الجميّل في هذا الترويج: أطل جميل السيّد قبل أسبوعيْن فقط وهو يتحدّث عن انضباط الإدارة في الدولة في فترة الأسبوعيْن اللذين فصلا بين تنصيب الجميّل من قبل جيش الاحتلال (وبماله) وبين إعدامه (ميدانيّاً) على يدي حبيب الشرتوني ونبيل العلم. كيف يمكن أن ترصد تغييراً في أداء الإدارة في مدة أسبوعيْن؟ كيف يمكن أن ترصد تغييراً في أداء طباخ في مطعم للفول والحمّص في مدة أسبوعيْن؟ صحيح، اعترت حالة خوف عند موظّفي وموظّفات الإدارة من المسلمين، لأنهم علموا أن الرجل الذي كان مسؤولاً عن جريمة قتل مئات الأبرياء من المسلمين في «السبت الأسود» قد أصبح رئيساً للجمهوريّة. لم تكن تلك رهبة احترام بقدر ما كانت رهبة خوف من مجرم حرب لا يتورّع عن قتل الأبرياء من مختلف الطوائف.

المناسبة هذه السنة كانت مختلفة، لأن سمعة الحريري وصورته تضرّرتا من كثرة الحديث عن الإرث الاقتصادي والمالي الكوارثي الذي تركه لنا


موسى الصدر تحوّل عند فريق من الشيعة إلى أيقونة هو الآخر، أيقونة الغائب الذي سيعود. لم يكن الصدر على هذه المرتبة في الطائفة عند حضوره. هو صعد بسرعة في الستينيّات والسبعينيّات، وبترويج كبير من عدة فرقاء: جريدة «النهار»، ومنافسو الزعامة الأسعديّة عند الشيعة، والبورجوازيّة الشيعيّة التي لم تكن مرتبطة بتحالفات كامل الأسعد، وخصوم الأسعد الاقليميّين. لكن سيرة الصدر تعرّضت هي أيضاً لروتوش استوجبه استغلال قوى 14 آذاريّة لغيبة الصدر. بعد اغتيال الحريري، ومن أجل تقويض المقاومة — وليس من أي سبب آخر، هل ان ولاية الفقيه كانت ستزعج القوى اليمينيّة والليبراليّة المنضوية في خيمة النظام السعودي أو القطري أو غيره لو أن الفقيه كان مهادِناً لإسرائيل مثلاً؟— تمّ تغيير سيرة موسى الصدر. فالرجل مثلاً، كان من أوثق حلفاء النظام السوري، ولم تكن منظمّة حزب البعث أقرب إلى النظام السوري من موسى الصدر نفسه. وعندما قضت المقاومة الفلسطينيّة على تحالف القوى الموالية للنظام السوري في صيف 1976، كانت حركة «أمل» من جملة الأحزاب والمنظمات الموالية للنظام التي طُردت من بيروت. (وألّفت هذه المنظمات والأحزاب «الجبهة القوميّة» كبديل دمشق من الحركة الوطنيّة). وكان موسى الصدر (للذي يراجع خطبه من أوائل السبعينيّات) دائم المديح للسلاح ولمقاومة إسرائيل وصدّ عدوانها. لكن السيرة الـ14 آذاريّة له أرادت أن تجعل منه — وهو غائب — بديلاً لا مقاوماً من حسن نصر الله (وكان للسفارة السعوديّة دور في العام الماضي عندما كرّمته، في حفل حضرته رباب الصدر، كأن تكريم السفارة للصدر هو بهدف تكريم الصدر).
كمال جنبلاط كان أيقونة الطائفيّة الدرزيّة، وكانت زعامته تشكّل خطراً على الزعماء السنّة (وبدرجة أقل على الزعماء الشيعة) لكن ابنه من بعده تحوّل إلى أيقونة أشدّ وحدانيّة، وساعده النظام السوري على القضاء على منافسيه بما لم يكن يتوافر لكمال جنبلاط من وسائل تدخّل خارجيّة في الاختيار الاقتراعي. لكن سيرة جنبلاط تعدّلت هي أيضاً من قبل نفس القوى الـ14 آذاريّة الرجعيّة، فصارت سيرة الرجل تختصر فقط في معاداته للنظام السوري، فيما كان هو حليفاً للنظام السوري في معظم سنوات حقبة حافظ الأسد، إلى أن حدث الفراق في صيف 1976. وكمال جنبلاط تحوّل إلى أيقونة يساريّة على أيدي اليساريّين السابقين الذين يريدون الاعتماد على نموذج يستخدمونه حاضراً في معاركهم الحاليّة. فيساريّة جنبلاط كانت مسألة فيها نقاش، وكان اليساريّون يرتبكون من زعامته للحركة الوطنيّة، لا بل كانوا يعارضونها. لا ننسى أنه في عام 1974 طالبت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين بطرد كمال جنبلاط من قيادة «الجبهة العربيّة المشاركة في الثورة الفلسطينيّة» بسبب تأييده الشديد لأنور السادات، حتى بعد انفضاح اتجاه السادات نحو الحلّ السلمي. وحافظ جنبلاط على تحالفه مع السادات حتى آخر حياته. وفي السياسة، عارض اليسار الذي أراد تسليح فصائل الحركة الوطنيّة، وكانت وزارة الداخليّة بيد وزيره، بهيج تقي الدين، عندما كانت دولة سليمان فرنجيّة تمعن في قمع الطلاب والعمّال واليسار والمقاومة (حتى إن وليد تظاهر ضد أبيه في تظاهرة نيسان 1969 الشهيرة).
الحالة الطائفيّة السنيّة كانت مختلفة. المعارك بين زعماء السنّة قبل الحرب كانت محتدمة، والصراع بين صائب سلام وخصومه لم يترك زعيماً يحتكر لنفسه القيادة، والحركة الوطنيّة قوّضت زعامات السنّة والشيعة على حدّ سواء. حاولت الزعامات السنيّة التقليديّة إنقاذ نفسها عبر «التجمّع الإسلامي»، لكنه كان بعيداً عن المزاج الشعبي بُعدَ وليد جنبلاط عن الاشتراكيّة. وإطلالة رفيق الحريري على الحياة السياسيّة كانت تملؤها الوعود وبثّ الوهم الذي يلجأ إليه كل أصحاب المليارات: إن أصحاب الثروات عندما يصلون إلى الحكم سيعمّمون الثروة على الشعب: من برلسكوني إلى ترامب في أميركا، انقادت شعوب في بلدان متعدّدة وراء سحر المليارات. رفيق الحريري لم يكن ليصبح زعيماً سنيّاً لولا اعتماده على الإفساد في كل جوانب الدولة والمجتمع (كان عدنان عضّوم، القاضي النزيه، على حقّ عندما حاول أن يحدَّ من توزيع مؤسسة الحريري للمساعدات في مواسم الانتخابات) والتدخّل الخارجي لصالحه (من النظامين السوري والسعودي بصورة أساسيّة، ثم الفرنسي والأميركي لاحقاً)، إضافة إلى استسهال اللجوء إلى التحريض المذهبي الصارخ، وبواسطة تدخّل المخابرات السوريّة والدعاية المذهبيّة السوقيّة ضد سليم الحص في عام 2000 (ولجوء الحريري إلى أزلامه في البنك الدولي للتحريض ضد محاولة حكومة سليم الحص وبرامج جورج قرم للحد من فساد سياسات الحريري الماليّة). وبداية الفراق بين رفيق الحريري والنظام السوري كانت نتيجة ارتباط الحريري بفريق حافظ الأسد الذي زال بموت الأخير: لم يكن رهاناً على الديموقراطيّة من الحريري بقدر ما كان رهانه على دكتاتوريّة أبديّة لحافظ الأسد.
لكن الحريري بموته تحوّل إلى رمز. والضخ الدعائي له بعد موته أثّر حتى في خطاب بعض «الثوّار» وتحرّكاتهم في لبنان. أليس عجائبيّاً أن جبران باسيل — أو بالأحرى والدة جبران باسيل — تلقّت من الشتائم والهتافات أكثر من رفيق الحريري المسؤول الأوّل عن الانهيار المالي للبنان؟ هو المسؤول عن انتقاء كل رموز الفساد في الدولة، من رياض سلامة إلى محمد الحوت إلى حكومة الظل التي زرعها الحريري في كل وزارات الدولة وأجهزتها. ومثل ياسر عرفات الذي كان يشتري قيادات في كل فصائل المقاومة، كان الحريري يبتاع لنفسه قيادات في كل الأحزاب والتيارات في لبنان (أفصح سركيس نعّوم في كتابه الأخير عن طريقة الحريري وعن تمويله لنعّوم نفسه ولسمير فرنجيّة). وكان الحريري يزرع الفساد في كل أجهزة الدولة عبر رجاله (لم يكن للنساء مكان في جهازه السياسي، كانوا ديكوراً فقط). وفي كتاب أنطوان سعد عن البطريرك صفير، يسأل صفير الحريري عن علاقته برياض سلامة، ويبدي خوفه من تعيينه بسبب قربه من الحريري، يكذب الحريري على صفير وينفي أن يكون سلامة قد أدار استثماراته في ميريل لينش، فيما لم يتعرّف الحريري على سلامة إلا بسبب إدارته لأمواله في الشركة المذكورة (والنبذة الرسميّة عن رياض سلامة في مجلّة «الجيش» تعترف بأن الحريري تعرّف على سلامة عندما كان الأخير يدير استثماراته).
لم يدرك الشعب اللبناني بعد أن الانهيار المالي والاقتصادي لم يكن بسبب أخطاء أو حتى بسبب سرقات، بل كان مقصوداً ومرسوماً من رفيق الحريري الذي أدار بنفسه (وعبر خلفائه) السياسات الاقتصاديّة والماليّة للبنان. رفيق الحريري عمل إلى الاقتراض معوّلاً على الأجيال اللاحقة من اللبنانيّين كي تسدّد بالنيابة عنه، مؤمناً إيماناً شديداً بأن السلام مع إسرائيل سيحقّق الازدهار في لبنان. ورضخت كل القوى السياسيّة في لبنان، بما فيها حزب الله، لاقتصاد الفساد والسرقة الذي أرساه الحريري، خصوصاً أنه عمَّ بالمنفعة - وإن بنسب متفاوتة - على الجميع في السلطة، بما فيهم الحليف الشيعي الوثيق لحزب الله. والغرابة في التحركات الجارية منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر أن تمثال رفيق الحريري لا يزال واقفاً صامداً، وأن ممثّلي الحريريّة في الحكم وخارجه لم ينالوا ما ناله جبران باسيل من عقوبات جماهيريّة، على سوء جبران باسيل السياسي والاقتصادي والأيديولوجي.
كانت مناسبات ذكرى رفيق الحريري تشهد محاولات من قبل الخطباء لحثّ الناس على الاستمرار في عبادة رفيق الحريري وعلى الترويج لسيرته كواحد من الأولياء الصالحين، أو من زاهدي الصوفيّة. وكانت عبادة شخصيّة الفقيد محلّ إجماع (ولا تزال، إذ كان إيلي فرزلي في الصف الأوّل من حفلة صالون منزل سعد الحريري هذه السنة). لكن هذه السنة، كانت خطبة سعد الحريري مختلفة كليّاً، إذ إنه صرف وقفته فيها كي ينفي أن الحريري كان فاسداً أو أنه كان شريراً كما يُقال عنه، أو أنه هو المسؤول عن الخراب في لبنان. واختلق سعد، أو اختلق له من كتب له خطابه، سجلاً لا صلة له بواقع الحال، وزعم أن الكهرباء والماء كانا يعمّان لبنان في زمن الحريري. وذكّر بأن وزارة الطاقة لم تكن بيده، لكن من الذي أدخل إيلي حبيقة إلى الحكومة غيره هو وعبد الحليم خدّام؟ ولماذا نفّر رفيق الحريري الوزير جورج افرام؟
لم يولِّ عهد أيقونات الطوائف بعد. تحتاج الطائفيّة السنيّة إلى أيقونة رفيق الحريري لتحارب بها أيقونات طوائف أخرى، خصوصاً الطائفة التي لها أيقونة حيّة آسرة. والنيل من رفيق حريري تحوّل، بسبب نمط الحريري وابنه من بعده، إلى النيل من أهل السنّة، وعليه يُحرَّم الانتقاد ويُمنع التحقيق في عقود الفساد التي بدأت بمجرّد أن دخل رفيق الحريري إلى الحكم. لكن أيقونات الطوائف لن تعمّر. حتى عبد الناصر الذي لم يكن لزعامته مثيل في التاريخ العربي المعاصر، تشتّت مناصروه بعد موته على التركة، واستطاع السادات أن يمحو أثره من أذهان أكثريّة الشعب المصري. ستمرّ ذكرى أخرى لاغتيال الحريري، وسيعتلي سعد، أو أخوه بهاء، المنبر للدفاع عن إرث الحريري، وللقول إنه لم يكن بهذا السوء. وقد يمرّ احتفال قريب يستنكر فيه خليفة الأب غياب تمثال رفيق الحريري عن مكانه، وإزالة اسم رفيق عن مطار بيروت والمستشفى الحكومي. لقد حلّ (قبل سنوات) أجل انتهاء الصلاحية عن زعامة أودت بلبنان إلى الهاوية.

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])