الانهيار الذي حصل في الاقتصادَين اللبناني والسوري، خلال مدّة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، يتجاوز بكثير الطبيعة البنيوية للأزمة. صحيح أنّ أزمة ميزان المدفوعات في لبنان قديمة نسبياً، وهي غير مرتبطة مباشرةً بتبعات الحصار والعقوبات، ولكنّها بالقدر ذاته تعبير عن عمق الارتباط بين الاقتصاد اللبناني والنظام المالي الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث يتعذّر الحفاظ على النموذج الذي يضخّ الثروة عبر قنوات الريع والتدفّق النقدي، ما لم يكن ثمة غضّ طرف أميركي واضح عن ذلك. النموذج بهذا المعنى، يخدم السياسات الأميركية على المدى البعيد، ويوفّر لها أداة نموذجية للضغط على اقتصادات الإقليم حين يصعب عليها خوض الصراع مباشرةً، أو حين لا تعود نتائجه كافية لإحداث التغيير المطلوب. وهذا يضع القوى التي تخوض معركة التغيير حالياً في لبنان، أمام تحدٍّ، ليس فقط مواجهة الأقلّية الحاكمة التي تخدم النموذج عبر تحالف أمراء الحرب والمصارف، بل أيضاً جعل الصراع مع هؤلاء مدخلاً لتغيير أكبر ــ وخصوصاً اقتصادياً ــ على مستوى الإقليم. التحوّل الذي يحصل في سوريا حالياً، على مستوى انحسار الصراع العسكري (باستثناء إدلب التي تبدو حتى وهي تنزلق إلى مواجهة مباشرة تركية ــ سورية، منضبطة في الإطار الذي يقوده الروس على خلفية الانكفاء الأميركي)، والذي تتقدم فيه أولوية الحفاظ على البنية الاقتصادية القائمة على ما عداها، هو من التبعات المباشرة للحصار. بمعنى أن الولايات المتحدة قد تخلّت عن ورقة الصراع العسكري، حتى عبر وكلاء، لصالح أوراق أخرى تملك فيها أفضلية على الجميع بما في ذلك روسيا. وهي تعتقد، بعد تجريب هذه الأوراق والنجاح عبرها في إضعاف الاقتصادَين اللبناني والسوري إلى الحدّ الأقصى، بقدرتها على نقل المعركة بالكامل إلى الميدان الاقتصادي، حيث يتعذّر على البلدَين خوض مواجهة لا يملكان أدواتها، إما بسبب التبعية الكاملة في الحالة اللبنانية، أو لتخبُّط الاقتصاد السوري بين اتجاهات مختلفة ومتضاربة بفعل الحرب وسياسة العقوبات.


عناصر الأزمة سورياً
ليس مطلوباً من قوى التغيير في لبنان أن تضع هذا الاعتبار بين أولوياتها، وهي تخوض معركة المواجهة مع المصارف ومصرف لبنان، ولكن أيّ أفق فعلي لهذه المعركة سيتطلّب بالضرورة الاعتراف بالواقع الموضوعي الذي تمثّله تبعات الحصار، ليس على لبنان فقط، بل على الإقليم برمّته. هذا لا يجعل منها معركة واحدة، لأنّ شروط خوضها تختلف باختلاف النظام الاقتصادي الاجتماعي لكلّ بلد، إذ تأخذ في لبنان شكل مواجهة مع النمط الريعي للاقتصاد، وبحضور كبير لقوى اجتماعية متضرِّرة من هذا النموذج، بينما في سوريا تحصل مواجهة من نوع آخر بسبب الافتقاد لهذا النوع من القوى، وانحصار المعركة بين السلطة والقوى الاقتصادية المستفيدة من انهيار الليرة أمام الدولار. عدم وجود فاعلين آخرين بالشكل الذي نراه في لبنان، جعَلَ النظام هنا يلجأ بنفسه إلى تقييد حركة الرساميل بعد الانعكاس المباشر لارتفاع الدولار على أسعار المواد الأساسية. الحاجة المباشرة إلى العملة الأجنبية في اقتصاد منهك من الحصار والعقوبات، تصبح ثانوية أمام عدم قدرة الناس على احتمال التضخّم المتزايد، والذي أتى تقريباً على جلّ القدرة الشرائية للسوريين، في ظلّ ثبات الأجور، أو عدم قدرتها في حال تحرّكت قليلاً، على تغطية الارتفاع المتزايد في الأسعار. كَبْح الطلب على الدولار نتيجة نضوبه في لبنان، لم ينعكس مباشرةً على الأسعار بعد تحديد السلطة لسعر رسمي، وحَصْر التداول به في القنوات الرسمية القريبة من المصرف المركزي السوري. عدم ظهور الأثَر الفوري لتوحيد سعر الصرف وإخضاعه لسلطة النقد الرسمية، لا يُعزى فقط إلى عاملَي الاحتكار وتزايد حضور الريع غير المباشر في الاقتصاد، ولا حتى إلى انحسار العملية الإنتاجية بما لها من تأثير كبير على حجم الاقتصاد ومؤشرات النمو المعتمدة. ثمّة بالإضافة إلى كلّ ذلك قيمة تبادلية للدولار ناجمة عن كلّ هذا التآكل الحاصل في الاقتصاد السوري، وهذه القيمة عوّضت ليس عن انحسار التبادل بالعملة الرسمية، بل عن عجز الأخيرة بفعل الحرب التي شُنَّت عليها عن تغطية هذا التبادل فعلياً، مضافاً إليه الجزء من الثروة والدخل اللذين فُقدا نتيجةً للحصار والعقوبات.

أيّ أفق فعليّ لهذه المعركة سيتطلّب بالضرورة الاعتراف بالواقع الموضوعي الذي تمثّله تبعات الحصار ليس على لبنان فقط بل على الإقليم برمّته

ومع ذلك، يبقى التدخّل أساسياً لكبح جماح الدولار، وتحديد المجالات الاقتصادية التي يمكن له التأثير فيها في ظلّ الحاجة المتزايدة إلى الريع الآتي من الخارج. وهو ما يضع السلطة أمام تحدّي معاودة التدخّل في السوق لوضع حدّ للاحتكار والتلاعب بالأسعار، عبر فرضها سلّة استيراد كاملة موازية لسلّة التجار، بحيث تصبح قادرة على منافستهم في التسعير بناءً على معرفتها ليس فقط بحاجة الأسواق، بل أيضاً بالفروقات الفعلية بين أسعار الصرف التي يأتي منها ربحهم، والتي يدفع الناس ثمنها غالياً. الأزمة لن تنتهي بهذا التدخّل، ولكن انعكاسها المباشر على حياة الشرائح الفقيرة والمتوسّطة سيصبح أقلّ، لأنّ الدولرة بالنسبة إلى هؤلاء ليست في الادّخار الذي يستفيد منه جزء منهم، ولا في فقدان الأجزاء من الدخل والثروة التي أتت عليها العقوبات، بل في أسعار السلع الأساسية المنتجة داخلياً والتي يجري تحديدها بناءً على ارتباط وهمي بين العملة الأجنبية وكلفة الإنتاج في الداخل.

بعض عناصر الأزمة لبنانياً
التحكُّم جزئياً بهذه العملية في سوريا يقابله عجز مطلق عن حلِّها في لبنان بغير الأدوات نفسها التي تسبَّبت بالأزمة. ثمّة في البداية اختلاف جذري في عملية تدفُّق الدولارات إلى كلٍّ من الاقتصادين، فخبرة النظام المصرفي اللبناني في ذلك قديمة، كونه يقوم على آلية ترسمل تسمح للتدفّقات بالخروج والدخول بدون رقابة. سهولة الحصول على النقد الأجنبي بهذه الطريقة، جعلت النظام يرتبك حين نضبت الدولارات بعد تفاقم أزمة ميزان المدفوعات واللجوء إلى خيار الهندسات المالية. القيود التي فُرضت لاحقاً على الودائع لجهة السحب والتحويل إلى الخارج، لم تُغيّر في طبيعة النظام المصرفي، كونه لم يقُم بذلك بدافع الحفاظ على القوّة الشرائية للشرائح التي تأثّرت بفقدان الدولار، أو لكبح التضخّم المتزايد كما حصل في سوريا. إذ بخلاف النظم الآتية من خلفية اشتراكية، تتحوّل القيود على حركة الرساميل في النظم الرأسمالية أو شبه الرأسمالية، إلى آلية للحفاظ على رأس المال نفسه حين تتوقّف عملية التراكم لسبب أو لآخر، وهو ما يضع القطاعات الاقتصادية الأخرى جميعها في دائرة الخطر، كونها مسخّرة بالكامل لخدمة هذا القطاع، وخصوصاً في الحالة اللبنانية التي تمتاز بوفرة الريع على حساب الإنتاج وخلق القيمة أو الثروة. بهذا المعنى، فإنّ تقييد حركة الدولار داخل المصارف أدّت إلى نشوء سعر صرف موازٍ في السوق السوداء، وهذا السعر تحوَّل إلى سعر فعلي مع زيادة الطلب على الدولار بعد تعذُّر سحبه أو تحويله داخل المصارف. وهي حركة الغاية منها الإبقاء على دورة النقد الأجنبي، ولكن بعد نقله من المصارف إلى محلّات الصرافة بغية بيعه للناس بسعر أعلى، كون قيمته كسلعة في مقابل الليرة اللبنانية قد تضرَّرت بفعل العقوبات. أدّى ذلك بالإضافة إلى تهافت اللبنانيين إلى شرائه من الصرّافين بسعر أعلى، إلى حصول تضخُّم كبير، كون الدولار بخلاف الحال في سوريا هو العملة المعيارية التي تجري على أساسها، ليس فقط عملية التسعير بل مجمل العمليات التي تموّل الاقتصاد اللبناني، وبالتالي نمط عيش اللبنانيين بأكمله. وتشمل هذه العمليات بشكل أساسي المستوردات على أنواعها، حيث يسجِّل الميزان التجاري دائماً عجزاً كبيراً بسبب قلّة الاعتماد على التصدير، والاتّكال المُطلق على الاعتمادات بالدولار التي يوفّرها مصرف لبنان لتمويل المستوردات. نضوب الدولار عطّل هذه العملية أيضاً، وحصَرَ الاستيراد بعد حصول حالة التضخّم بالمواد الأساسية (طحين، محروقات، دواء)، في ظلّ الافتقار إلى بنية إنتاجية تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية في حال حصول مجاعة. الانعكاس المباشر لذلك، هو قلّة العرض في السوق نتيجة لتكيّف البلاد لفترة طويلة مع نمط الوكالات الحصرية التي تفرض على الأكثرية نمطاً معيناً من الاستهلاك، يتناسب مع حالة الدولرة المتعارضة مع الإنتاج. في حالة كهذه، لا تعود مشكلة احتباس الودائع وحدها هي المطروحة، لأنها في النهاية تخصّ شرائح محدّدة من اللبنانيين بينما الخطورة الفعلية هي في اهتزاز الأمن الغذائي للبلاد كنتيجة مباشرة لعمل النموذج الذي انتهى إلى جعل الثروة، بعد حصرها في قنوات التوزيع الريعية، تنكمش لمصلحة الأقلية التي لم تتأثر كثيراً بنظام العقوبات. هذا هو المعنى الفعلي لحالة الانهيار الحاصلة، والتي كان ممكناً حصرها في القطاع النقدي، لو لم يكن هذا الأخير هو الأداة الوحيدة والحصرية، ليس فقط لتوزيع الريوع الآتية من الخارج، بل أيضاً لإعادة إنتاجها وتدويرها بوصفها القيمة المطلقة التي يخلقها هذا الاقتصاد الكسيح والتابع والممنوع من الحياة.
* كاتب سوري