لا يمكن لأيّ عاقلٍ أو موضوعيٍّ أن يُنكر القدرة الاحترافية لقيادة إيران، في الحفاظ على المبادئ الأساسية للثورة الإسلامية. لكنّ النجاح الأكبر كان في قدرة هذه القيادة على تسييل الثورة و«قولَبتها» في وعاء «الدولة المركزية»، بحيث أنك تجد تماهياً جذرياً بين ثوابت الثورة ومقتضيات الدولة حيناً، كما أنه يمكن أن تتلمّس خيطاً دقيقاً فاصلاً بين هذه الثوابت وتلك المقتضيات أحياناً أخرى، وذلك وفقاً للرؤية الوطنية والاستراتيجية العليا.

ولعلّ أبرز مثال على هذا التناغم الذي قد يكون فريداً من نوعه في ما يعني الثورات في عصرنا الحديث، هي منظومة المنطلقات والآليات التي أدارت من خلالها القيادة الإيرانية بمختلف مستوياتها عملية التفاوض مع مجموعة الـ«5+1» حول موضوع الملف النووي الإيراني. كذلك، لا يمكن لأيّ متابع للشأن الإيراني عن قرب ومعرفة حقيقية، أن يتجاهل التوازن الذي صنعته القيادة الإيرانية مجتمعة بين الحاجة إلى تأمين متطلّبات الشعب من العيش الكريم، إلى مواكبة تجلّيات العصر العلمية والحضارية وبين الحرص على استقلالية قرار هذا الشعب، في ما يعني خياراته الداخلية على مستوى حقه في اختيار نمط حياته ونظامه السياسي وحكّامه، وأيضاً الخارجية لجهة تموضع دولته على الساحتَين الإقليمية والدولية.
بناءً على ذلك، كان مشهد الحشود المليونية خلال تشييع القائد الشهيد قاسم سليماني أبرز تعبير عن ذلك التوازن. وعن تلازم لدى غالبية حقيقية من الشعب الإيراني على تحصين وضعه الداخلي من جهة، وتمسّكه بالمدى الاستراتيجي الحيوي لثورته من جهة ثانية. كذلك، أتت هذه الصور لتنفي كلّ الحملات الإعلامية والدعائية الأميركية والخليجية حول رفض الشعب الإيراني للدور المقاوم الذي يقوم به الحرس الثوري الإيراني خارج الحدود الجغرافية للدولة، ولتُسقِط أيضاً الترويج لمقولة إن هذا الشعب يرفض الدعم العسكري والمالي الذي تقدّمه قيادته إلى دول وقوى محور المقاومة، باعتبار أنّه يؤثر على أوضاعه الاقتصادية والمالية والمعيشية الداخلية. إذ لا يمكن تجاوز أن القائد المُشيَّع هو رأس حربة هذا الدور، وأنه قد استُهدِف أصلاً لهذا السبب بعدما لم تنجح الإدارة الأميركية السابقة خلال مفاوضات الاتّفاق النووي، وكذلك الإدارة الحالية بعد إلغاء هذا الاتفاق، في الحدّ من حركة سليماني كواجهة للحضور الإيراني في غرب آسيا أو النيل منها.
تؤدّي إيران الدولة ما يتوجّب عليها تجاه شعبها، كما تؤدي إيران الثورة هذا المتوجب أدبياً وأخلاقياً تجاه باقي محور المقاومة، فهل أدّت دول وقوى هذا المحور ما يتوجّب عليها تجاه شعوبها؟
سؤال تبدو الإجابة عنه، في الحالتين العراقية واللبنانية، ملحّة في ظلّ الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي والمجتمعي الذي طال شعبَي العراق ولبنان، على الرغم من تحقيق انتصارات بارزة من قوى المقاومة في البلدَين، وبدعم إيراني على العدوَّين الإسرائيلي والإرهابي التكفيري. انتصارات كان لها الأثر البالغ والعميق في تعزيز موقع محور المقاومة مجتمعاً في التوازانات الإقليمية والدولية.
وبعيداً عن الدخول في واقع كلّ من البلدين، وكذلك التبريرات وحتى التفسيرات التي يمكن أن تقدمها قوى المقاومة المعنيّة فيهما، لتوصيف المعطيات التي أوصلت هذين البلدين إلى ما وصلا إليه، على الرغم من أنهما ليسا محاصرين وغير معاقبين كما هو الحال بالنسبة إلى إيران وسوريا. فإنّ قوى المقاومة هذه لا يمكن أن تتهرّب من مسؤوليتها في المساهمة عن قصد أو عن غير قصد، في الوصول إلى هذا الانهيار، خصوصاً أنها امتلكت في محطات سياسية كثيرة مفاتيح إجراء تغيير جذري في مقارباتها للمسألة الاقتصادية والاجتماعية والدولتية، أسوة بما فعله مثالها الأعلى الثورة الإيرانية.
إن اعتماد قوى المقاومة الصادقة في العراق ولبنان، نهج التعايش مع منظومات الفساد في سلطتَي البلدين، وذلك بانتظار متغيّر إقليمي أو دولي نتيجة تسويات طويلة الأمد، كانت مؤملة بين طهران وواشنطن تحديداً، وعدم إعداد بدائل تقي جمهور هذه القوى خاصة، وشعبي البلدين عامّة، شرور التبدلات في التسويات وبالتالي التوازنات، أدى إلى تسهيل الإخلال بالاستقرار المجتمعي الداخلي فيهما، وتعريض تلك القوى للاهتزاز والانكفاء في بعض الحالات، خصوصاً أن منظومات الفساد تلك فعلت في العراق ولبنان على صعيد كشف وتعريض شعبيهما لمخاطر تهدّد كياني البلدين، وهو أمر لم تتمكن العقوبات الأميركية على أكثر من مستوى ضد إيران وسوريا، من فعله.
من الواضح الآن، أنّ قنوات التواصل الأميركية ــ الإيرانية غير المباشرة مغلقة، إلى أجل غير محدّد، وبالتالي تنتظرنا أشهر من الكباش الحاد الذي شهدنا بعضاً من تجلياته في أكثر من موقع وجبهة إقليمية. وهو ما يعني أيضاً أنّ الحاجة باتت ضاغطة أكثر مما مضى لإعادة قوى المقاومة في العراق ولبنان النظر في أدائها، على مستوى ملاقاة مطالب شعب بلديهما الاجتماعية والاقتصادية والحياتية. خصوصاً أن هذه القوى تقدمت لتتصدى لمسؤولية إيلام الأميركي ودفعه لإخراج قواته من المنطقة.
هو امتحان صعب على هذه القوى، لأنه من نوع آخر غير الذي اعتادت أن تبرع فيه، لكنه ليس مستحيلاً بالنظر إلى رغبة جمهورها خاصّة، وشعبي البلدين عامة، الخلاص من موروثات سياسية فاسدة يمكن أن تطيح في حال استمرارها الإمساك بمفاصل السلطة فيهما، بالتحوّلات الاستراتيجية كافّة، التي فرضتها تضحيات قوى المقاومة. فكيف إذا استتبّ الأمر من جديد للرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد نجاحه بولاية ثانية، وهو معطى ليس بمستبعد.

* المدير العام السابق لوزارة الإعلام اللبنانية