أمران يجب أن يكونا في نطاق استهداف المنتفضين. الأول: مدلول السرعة التي تشكلت فيها الحكومة عندما «دقت» المكوّنات الجذرية في الانتفاضة بالمصارف (عقدة حبل الصرة الجامعة لمحالفة فئات الطبقة الحاكمة)، ارتعشت دفعة واحدة الطبقة الحاكمة (الحريرية والجنبلاطية والجعجعية والعونية والثنائية الشيعية السياسية)، فنهضت بصوت واحد: «يا حسان دياب: شكّلها، شكّلها». وجاء برنامج الحكومة الجديدة بلا جديد تحت شمس ورقة الحريري الإصلاحية على موازنته القائمة منذ ما قبل استقالته. وهذا ما وافقت عليه محالفة الحكم العلنية سابقاً والمقَنّعَة راهناً. وليس سراً أن الطبقة الحاكمة طالبت موحّدة بضرب الانتفاضة بشدة: فكان قلع عيون المنتفضين كرمى لعيون حيتان المال مجتمعين (ظاهرين ومستترين) في حكومة حسان دياب.

وأهم ما في هذا الأمر الأول على الإطلاق، أنّ المحور الأول لعمل الحكومة هو إنهاء الانتفاضة تدريجياً. ولقد بدأ الشروع بالعمل لتفكيك ساحاتها، بشيء من النجاح مع خطط السلطة الأمنية، ومن ذلك محاولات إقفال ساحات التجمعات الرئيسية (ما عدا ساحتي رياض الصلح والشهداء، وساحة عبد الحميد كرامي في طرابلس و...) والتضييق على شوارع التظاهرات، فضلاً عن ملاحقة الناشطين بذرائع معيّنة وبدونها، وآخر ما ابتكرته أدوات القمع رشّ المتظاهرين بالرزاز الحارق للجلد والعيون...
الثاني: لا يزال الوضع الثوري قائماً في لبنان، وسيستمر لزمن غير قصير. ولكنه لن يكون مؤبداً. وهو إن استمر بشروطه الموضوعية الملائمة للانتفاضة، فهو يتعثر بتكوين شرطه الذاتي: أداة (أو أدوات، الحزب أو المحالفة الحزبية) قيادة الانتفاضة، وتكوين الكتلة الشعبية الحاملة لمشروع الانتفاضة حتى تحقيق الثورة والانقلاب الاجتماعي. إنّ الشروط الموضوعية لتكوين الكتلة الشعبية متوفرة، أيضاً، وهي بانتظار توفّر الشرط الذاتي أداة (أو أدوات، الحزب أو المحالفة الحزبية). لا شك في أنّ جميع أطراف المحالفة الحاكمة تعاني اضطراباً وقلقاً عميقاً في بنيتها الاجتماعية ــ السياسية (الطوائف وأحزابها الطائفية). فالحريرية السياسية (العمود الفقري للسنية السياسية، تيار المستقبل) مفكّكة بعمق، والأحزاب «المسيحية» تعيش خضمّ الاضطراب والصراع المسيحي ــ المسيحي، والثنائية الشيعية تتلمّس القلق الجماهيري في قواعدها، وهذا ما يفسر تَطيُّرها من الانتفاضة (مقالات إبراهيم الأمين في جريدة «الأخبار» وكلام نبيه بري، بعد الاعتراض الشيعي على سلوكيات أنصاره).
فهل سلوك المنتفضين في مستوى وخط الاستفادة من الشروط الموضوعية ويسهم في بناء الشروط الذاتية؟ ماذا يفعل المنتفضون حتى الآن و(خصوصاً في الشمال)؟ هل مطلوب من الثوار إنصاف المظلومين اليوم وإيجاد الحلول الآنية لمشاكلهم الحياتية؟ كالمساعدة في تحصيل وديعة مواطن في المصرف، أو قبض راتبه؟ أو إدخال مواطن آخر إلى المستشفى؟ أو إقالة محافظ؟ أو ... كأن الثائر «روبن هود»، أو واحد من «فتيان الصعاليك»، أو كأنه من فاعلي الخير من أعضاء «كاريتاس»، أو بيت الزكاة، أو من محبي أعمال الحسنة.
هل المطلوب من الثوار، كشف الموظف الفاسد واستبداله بآخر غير فاسد أو أقل فساداً؟ كأن فساد الموظفين من أسرار الكون العصية على الرؤية من قبل الإدارة وأجهزة الرقابة والتفتيش. هل مطلوب من الثوار إقفال مركز خدمات رسمية لأن فيه يعشش فساد ما؟ كأن الفساد يلبس قبع الإخفاء فلا يعرفه أحد. هل مطلوب إقفال مركز للجمارك يجري عبره التهريب؟ كأن التهريب من الخبايا والخفايا. هل مطلوب من الثوار إعداد الملفات بحالات الفساد المتنوعة وتقديمها للقضاء؟ كأن حالات الفساد غير معروفة للقضاء. أو لم يسمع بها ادّعاء عام أو نائب عام أو غيره.
كل هذا الذي عدّدناه، ويفعله الثوار (وما يشابهه من أفعال)، ليس مطلوباً منهم. وإن فعلوه فهو لا يعتد به ولا يجديهم، ولا يجدي الثورة نفعاً. وهو في أحسن الأحوال يصلح كمادة للتشهير بالطبقة الحاكمة وبالدولة الفاشلة... إنّ حلّ المشكلات الاجتماعية: من رفع الغبن والظلم عن المواطنين، ومكافحة الفقر والبطالة وتوفير مستلزمات الصحة وسبل العيش الكريم، وتحقيق العدالة ومكافحة الفساد، ووقف التهريب، وإسقاط تحكم حيتان المال بالمواطنين، وبناء الاقتصاد الوطني المنتج، وحماية الوطن من العدوان الصهيوني ومجابهة الغطرسة الأميركية والمساهمة في تحرير فلسطين وإعادة النازحين السوريين إلى وطنهم... إن كل ذلك هو أهداف مركزية للثوار وللثورة.

بناء الكتلة الشعبية لتبلغ بحجمها ما يتجاوز عشرات الآلاف وتدخل في حجم مئات الآلاف هذه هي المهمة الأساسية للثوار


ولكن ذلك لا يمكن أن يفعله الثوار ولن ينجحوا به، لأنه لن يكون بوسع الثوار فعله بغير تحقيق مسألة مركزية إليها يجب بالضرورة أن تصبو وتتجه كل ممارسات الثوار أولاً بأول: إسقاط النظام السياسي وإعادة بناء السلطة السياسية. وبدون ذلك تذهب عبثاً كل أنشطة ونضالات الثوار، وتنهزم الانتفاضة فلا تبلغ الثورة حكماً. عندما يتمكن الثوار، عندما تتمكن الثورة، من إسقاط النظام ومن إعادة بناء السلطة السياسية، عند ذلك فقط، يبدأ الشروع بعمليات تحقيق العدالة الاجتماعية وبعمليات وقف التهريب والفساد والإصلاح الإداري والقضائي والجمركي وغير ذلك...
المطلوب من الثوار هو النضال السياسي الجذري، لا النضال المطلبي. وعليه، فالمطلوب من الثوار هو النضال من أجل أمر أساسي، من أجل هدف أساسي بالمطلق، لا يُستغنى عنه ولا بديل له: إسقاط النظام السياسي، وإعادة بناء السلطة السياسية. هذا الهدف في ظل الظروف الراهنة، يستلزم تحقيقه السلمي (لغياب التفكير أو لغياب الرغبة بالثورة غير السلمية، أو الانتفاضة المسلّحة) العمل بكل صبر وثبات وباستمرار من أجل بناء كتلة شعبية واسعة وحاشدة، تكون هي صاحبة مشروع إسقاط النظام وإعادة بناء السلطة السياسية، وقادرة على ذلك بضغطها كحركة شعبية جماهيرية فعلاً. هذه هي المهمة المركزية التي على الثوار وعلى أحزابهم ومنظماتهم وجمعياتهم القيام بها: بناء الكتلة الشعبية. وبناء الكتلة الشعبية معناه: العمل في الأوساط الاجتماعية صاحبة المصلحة في الثورة. والعمل في النقابات الفلاحية والعمالية، ولو كانت تحت هيمنة ووصاية الأحزاب المعادية للثورة أو الطامحة لركوب موجتها (أحزاب وتيارات المستقبل وجنبلاط والقوات والكتائب حركة أمل وحزب الله والقوى التقليدية وغيرها...). المطلوب العمل والنضال والتعبئة في الأحياء الشعبية والأوساط الفلاحية في الريف والقرى، والتواصل مع العاطلين عن العمل، ومع الشبيبة في الثانويات والجامعات، وفي أحياء المدن والريف.
إن بناء الكتلة الشعبية (استقطاب المواطنين للمشاركة والاندراج العضوي في أنشطة الانتفاضة)، يسمح للثوار بقطع الطرق بالشكل الذي لا يثير اشمئزاز المواطنين ورفضهم ولا يستنفر مشاعر العداء للثورة. إن قطع الطرق بواسطة الحواجز الحديدية والعوائق الترابية وركن السيارات مع حضور عدد محدود من المناضلين أمر لا يتقبله الجمهور ويمكن للقوى الأمنية أن تتصدى له بكل فعّالية أمنية ودعائية. هذا فضلاً عن أنه غير جائز أخلاقياً وثورياً وخصوصاً مع إحراق الدواليب وإشعال الحرائق.
إن المسيرات الشعبية الحاشدة بالآلاف (لا بالعشرات أو المئات)، تسمح للمناضلين بقطع الطرق بشكل تلقائي، وتجعل المواطنين اللامبالين وغير المؤيدين للثورة يتقبلون الانتظار ساعات وقطع الطرق احتراماً لهذه الجموع البشرية الهاتفة في الشوارع. كما أن هذه المسيرات الشعبية الحاشدة تترك أثراً قوياً في القوى الأمنية التي لا تستطيع غير احترام أبناء شعبها، وتتورع عن قمعهم الذي لا يكون سهلاً في هذه الأحوال.
إن الحشود الشعبية الكبيرة (الكتلة الشعبية) تستطيع محاصرة المراكز الحكومية وتستطيع اقتحامها إن هي تجاوزت بحجمها عشرات الآلاف وأكثر، وهي كثيراً ما تكسب تعاطف القوى الأمنية وترددها في ممارسة القمع لخشيتها من الجموع من جهة ولرغبتها أحياناً في المشاركة في الانتفاضة. وعندما تبلغ الكتلة الشعبية حجماً قادراً على محاصرة مراكز السلطة يسقط النظام، وتحصل عملية إعادة بناء السلطة السياسية. وهذه السلطة الجديدة تقوم باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد ووقف الهدر وتحقيق التنمية الاجتماعية والقضاء على الفقر...
ما هي الكتلة الشعبية؟ لنتوقف قليلاً أمام مفهوم الكتلة الشعبية لأن ذلك يساعدنا في فهم كيفية النضال لبنائها. الكتلة الشعبية هي حالة تعيشها الجماهير سمتها التواصل بين الوعي والممارسة، والتواصل بين واقعها الاقتصادي الاجتماعي وقراراتها السياسية، هي اللحظة التي تشكّل فيها القوى الشعبية وجهة نظر نقدية وعلمية في مجمل المجتمع بهدف عملي، الاستيلاء على السلطة وتغييرها وممارستها.
الكتلة الشعبية مفهوم استراتيجي يعني حالة اجتماعية وسياسية مطلوب بناؤها. الكتلة الشعبية تعني ظهور تشكيل مختلف في المجتمع المدني، كما تعني ظهوراً كبيراً لأشكال مختلفة في السياسة والتنظيم والخطاب... يشير مفهوم الكتلة الشعبية إلى علاقة خاصة بين السياسة والاقتصاد، إنها نموذج اجتماعي واقتصادي بديل. يتضمن مفهوم الكتلة الشعبية علاقة خاصة بين جماهير واسعة من الطبقات الدنيا والممارسات الفكرية الجديدة، فضلاً عن ظهور أشكال جديدة من الثقافة الجماهيرية، النقدية والمستثمرة في النضال السياسي.
تنطوي استراتيجية تكوين الكتلة الشعبية على محاولة إعادة إحياء وإعادة تعريف مفهوم الشعب. فهل الشعب يتكون من رعايا طوائف أم من مواطنين في دولة؟ هذا ما يشير إلى عملية معقّدة، سياسية وعقائدية واجتماعية في آن واحد، يتمكّن الناس من خلالها من الظهور من جديد في حالة نضال، ليس كموضوع (مفعول به) للسياسة البرجوازية، ولا «كجماعة متخيّلة»، بل كمحالفة محتملة فاعلة في مناهضة الرأسمالية وفي مجابهة محالفة أطراف الطبقة الحاكمة. وتكون الكتلة الشعبية مكوّنة من جموع من أبناء الطبقات الاجتماعية التي تعتمد بشكل أو بآخر في تأمين عيشها على قوة عملها. كما تتضمن أيضاً أشكالاً جديدة لوحدة الشعب، وخصوصاً ضد الانقسامات الناتجة عن الطائفية والعنصرية والمناطقية.
إن الشروط الموضوعية في الاجتماع السياسي الطوائفي تشير إلى حالات تفكّك عميق وقلق كبير داخل بنية الأحزاب الطائفية (كما أشرنا في مطلع المقال). ولم تعد الهيمنة الطائفية وقدسية القيادات الطائفية موضع احترام وتقدير لدى الجماهير الشعبية. فالبنية السياسية الطائفية تعيش ارتدادات زلزال اجتماعي سبّبته (وستعمّقه بالضرورة) الأزمة الاقتصادية ــ الاجتماعية. لم يعد بوسع نظام المحاصصة الطائفية تلبية حاجات الزبائنية الطائفية القائمة على فساد السلطة والنهب العام. ولم يعد بوسع أي تيار طائفي (أو حزب سياسي) التجاوب مع الحاجات الاقتصادية الاجتماعية لجمهور طائفته. وهو بالكاد يستطيع تلبية حاجات الملتزمين من الكوادر والعناصر، أي ما لا يتجاوز الآلاف من الكوادر الملتزمة، بينما جمهور الطوائف الأساسية يبلغ المليون والنصف. وهذه الحالة هي المدخل الفعلي والموضوعي لإعادة تكوين الشعب اللبناني، كمواطنين أفراد، لا كرعايا طوائف. وهنا منطلق بناء الكتلة الشعبية.

إن الشروط الموضوعية في الاجتماع السياسي الطوائفي تشير إلى حالات تفكّك عميق وقلق كبير داخل بنية الأحزاب الطائفية


بناء الكتلة الشعبية (لتبلغ بحجمها ما يتجاوز عشرات الآلاف وتدخل في حجم مئات الآلاف) هذه هي المهمة الأساسية للثوار. ولكن هذه المهمة لا يتم إنجازها بشكل عفوي بل هي تستلزم وجود أداة لازمة وضرورية لبناء الكتلة الشعبية. هذه الأداة تكمن في مبدأ التنظيم، بل هي التنظيم بالذات سواء تجسد في ما نسميه الحزب أو التيار أو الجمعية أو التحالف أو... إن عملية بناء الكتلة الشعبية تستلزم أداة سياسية على كفاءة عالية من حيث الوعي والمهارة التنظيمية والتعبوية والإعلامية. تستلزم حزباً (أو أكثر ــ محالفة حزبية) على جاهزية فعلية للقيام بهذه المهمة، وهذا غير متوافر الآن بالمستوى المطلوب. فهناك طموح لتكوين هذه الأداة، أو هذا الحزب (أو المحالفة الحزبية)، أو بالأصح لإعادة تكوينه وتنشيطه، وإعادة توحيده، وإخراجه من أزماته الداخلية وضمور علاقاته مع قطاعات المجتمع.
إن مبدأ التنظيم هو المسألة الأساسية في كل ثورة. والتنظيم المقصود هنا هو تنظيم الأداة القادرة على النضال من أجل بناء الكتلة الشعبية. نعني تنظيم الحزب (أو المحالفة الحزبية) الذي عليه تقع مسؤولية بناء الكتلة الشعبية. وبما أن بناء الكتلة الشعبية يكمن (من ضمن شروط تحققه) في الوصول إلى حالة من الوعي الشعبي فيها تصل قناعات وعواطف الجموع الشعبية رافضة لطروحات طبقة الرأسمالية ومحالفة الطبقة الحاكمة، وقابلة بطروحات الحزب (أو المحالفة الحزبية) لتحركات الجماهير الشعبية.
إن الطبقات الشعبية تكون خاضعة لأفكار البرجوازية المهيمنة في المجتمع. وذلك لسبب بسيط، كما يرى لينين، لأن الإيديولوجيا البرجوازية أسبق من الاشتراكية، وهي أكمل من كل الوجوه ولديها الكثير من وسائل انتشارها. كما أن الطبقات الشعبية لا تتطور وتكتسب عفوياً الأفكار الثورية. وهنا يأتي دور الحزب (المحالفة الحزبية) في تنظيم الجماهير الشعبية، وفي طليعة مهام التنظيم بناء الأفكار والمشاعر. ومن هنا الحاجة إلى أداة (أدوات) إعلامية وتعبوية. للطبقة الحاكمة (ومحالفتها) وسائل إعلامها الكثيرة من الفضائيات إلى الإذاعات إلى المطبوعات اليومية والأسبوعية المتنوعة. فكيف تبني الطبقات الفقيرة وسائل تعبئتها الفكرية ووسائل إعلامها؟

دور الجريدة في التنظيم والانتفاضة
هل بوسع القوى الثورية، الحزب (أو المحالفة الحزبية) شنّ الحرب الإعلامية والتعبئة الفكرية ومنافسة قوى المحالفة البرجوازية؟ بالطبع يستطيع الحزب ذلك، وإن كان يفتقر إلى الفضائيات وكثافة المطبوعات. فبالوسع الاستفادة من إذاعة الحزب الشيوعي اللبناني المتواضعة (وتطويرها)، كما بالوسع الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي وتنظيم الحملات التعبوية من خلالها وتنسيق هذه الحملات. ولكن الأداة الأساسية والتي لا يُستغنى عنها هي الجريدة الاشتراكية المركزية (لنقل جريدة «النداء»، بعد تطويرها بما يلائم وظيفتها الجديدة). وهنا، ليست الجريدة مجرّد مؤسسة فكرية وتعبوية. لنتذكر أن خاتمة مؤلف لينين «ما العمل؟» كانت الدعوة إلى تأسيس جريدة لعامة روسيا. ولقد اعتبر لينين أن الجريدة أكثر بكثير من أداة فكرية. فالجريدة، برأي لينين، «منظم جماعي». يلعب دوراً كبيراً في بناء الحزب (التنظيم) وفي بناء الكتلة الشعبية وفي بناء كادرات الانتفاضة. فالجريدة بحاجة إلى شبكة من الأعضاء «العملاء»، وفريق من الأعضاء المنظمين والمنضبطين. وهذا النشاط يعزز التواصل مع أوسع شرائح الطبقات الفقيرة.
ليست الجريدة الثورية (جريدة الحزب أو المحالفة الحزبية أو الانتفاضة) مجرّد «هيئة تحرير» تدبج المقالات والتحليلات في برج مكاتب التحرير. لقد اعتبر لينين إنه لأمر حيوي أن تلعب الجريدة دور المنظم. وتبنّت «البرافدا» مجموعة من المراسلين من العمال الذين كانوا يقدمون التقارير في كتاباتهم عن المشاكل والنضالات في أمكنة عملهم. وبذلك، فسحت الجريدة للقرّاء المعزولين مجال تعلم تجارب مجمل الطبقة العاملة. وكان تمويل الجريدة مسألة سياسية. فتمويل الجريدة مسؤولية قرّائها. ومع أن معظم العمال كانوا من الفقراء فقد وجد لينين أنه يجب تشجيعهم على المساهمة ولو بمبلغ زهيد (1 كوبك). كما أنه لم يرفض مساهمة الأغنياء المتعاطفين، بيد أن المساهمة المنتظمة من العمال كانت أكثر أهمية. وهذا ما كان يضمن أن العمال يعتبرون «البرافدا» جريدتهم التي ستتوقف بدون دعمهم.
يقول لينين في الجريدة: «حول هذا العمل الذي هو بريء جداً وصغير جداً بحد ذاته، ولكنه منتظم وعام بكل معاني الكلمة، يتعبّأ بصورة منتظمة ويتعلم جيش دائم من مناضلين مجربين». ويقول في مكان آخر: «تصوروا... الانتفاض الشعبي. يتراءى لنا أن الجميع يوافقنا اليوم (في شباط 1902) على ضرورة التفكير به والاستعداد له. ولكن كيف نستعد؟ أترى يجب أن تعين اللجنة المركزية عملاء في كل المناطق لتحضير الانتفاض؟! ولكن اللجنة المركزية، إن كانت موجودة عندنا، لا تستطيع أن تبلغ شيئاً في الظروف الروسية الراهنة عن طريق مثل هذا التعيين. وعلى عكس ذلك، شبكة العملاء التي تتألف من تلقاء نفسها في العمل على تنظيم وتوزيع الجريدة العامة، فهي لن «تنتظر مكتوفة الأيدي» شعار الانتفاض، بل ستقوم على وجه التحقيق بعمل منتظم يضمن لها أكبر إمكانات النجاح في حالة الانتفاض. وهذا العمل بالذات يوثّق الصلات بأوسع جماهير العمال وبجميع الفئات الساخطة على الاستبداد، وهو أمر كبير الأهمية بالنسبة إلى الانتفاض».
باختصار، الجريدة أداة تنظيمية مركزية. فهل يستطيع الحزب (المحالفة الحزبية) إعادة تفعيل جريدة «النداء» (على سبيل المثال) لتكون أداة تنظيمية بالدرجة الأولى؟ من المعروف أن «النداء» لا تتوزّع كما يجب. ولا تشكل صلة وصل بين الجماهير والانتفاضة (بل بين الجماهير والحزب بالذات). فهل يمكن إعادة تفعيل دورها؟ هل يمكن بناء صلة وصل بين الانتفاضة والجماهير بواسطة الجريدة؟ كيف يجب العمل لتكوين شبكة من المراسلين حول الجريدة، شبكة مراسلين من المواطنين العاديين لا من الكوادر العليا فحسب؟ فيها يعبر المواطن العادي، العامل أو الفلاح أو العاطل عن العمل أو المفصول من عمله، أو التاجر الذي أقفل محله، أو الحرفي والصناعي الصغير الذي أقفل محترفه... عن همومه اليومية تصبح هناك شبكة متكاملة من الهموم الموحّدة التي ينطق بها أصحاب العلاقة مباشرة.
باختصار شديد الزمن قيمة نضالية، وطالما هو متوفر يجب استخدامه واستغلاله بكل دقة وتصميم وكثافة. فهل يفعل المنتفضون قبل فوات الأوان؟

*كاتب لبناني