أربعةُ عقودٍ مرَّت، ولا تزال تطلُّ تلك الملامح الأصيلة التي رسمت بجدّة العزيمة وحدّة الإرادة آخرَ المنعطفات المفصليّة في جغرافيّا التاريخ. تلك العباءةُ الحسينية التي قَدِمَت يحمل الهواء هالة عرفانِها، مبشّرةً بعصرٍ حديثٍ يتطلّعُ إلى صاحبِه... يحتسبُ في سيرورتِه العقودَ فجراً فجراً.. بانتظار الطلوع. لا تزال تطلّ هذه الملامح، بين كلّ إرادة للشرّ وكلّ يدٍ للطغيان، تارةً بشكلها الحسَنيّ الحسينيّ، تارةً بشكلها السليماني، لتثبت أنّ الخطى التي ارتسمت فوق صراط العقيدة والإيمان، لا يزعزع ثباتَها وقع طبولِ الجَور والاستكبار.

اليوم لذاك النصرِ لونٌ أكثرُ زهوّاً. والذي خُيّل إليه أن الثورة راحت طيّ النسيانِ وبدّل الغبار ملامحها، عرف معنى الخيبة في ميلادها الأربعين، عندما أضاءت شمعةَ حقبةٍ جديدة، مرحلةٍ قادمة تكلّل سنوات الإيمان الغيبي والجهاد الممهّد، بأعوامٍ قادمة تحمل الكشفَ والإشراق، فوق قممٍ أشجرت وأثمرت قِفارُها أخيراً.
إننا اليوم في الذكرى الأولى للأربعينية الثانية منذ فجر انتصار الثورة الإسلامية في إيران، لا نقف موقفَ التمجيدِ والتعظيم مكتفينَ بما صنعت أيادي شهدائنا وعلمائنا وقادتنا فحسب، وإنّما نشدّ بأيدينا على يد قائدنا الذي دعانا في هذه الذكرى في رسالته الأخيرة، إلى الشروع بالخطوة الثانية لهذا الانتصار، وإعلان البدء بالأربعينية الثانية، التي رسمت الأربعينية الأولى ملامحها الأولية، لتكون نقطةَ انطلاقٍ بدأت خطاها مع التقدم العلمي والتقني والتنمية البشرية العالية والشاملة للصعد كافة التي دخلت طورَ تاريخنا منذ عودة روح الله حاملاً بشارةَ انتهاء حقبة الظلامية والانصياع.
إنّ إيران ما قبل الثورة الخمينية لا تشبه إيران ما بعدها. هذه الثورة التي قامت مبانيها على العقيدة والإيمان الديني والعرفان النظري والعملي، لم تقدها الانفعالية والتهوّر والعواطف المشتتة، وإنما تمّ توجيه هذه العواطف لتكون دفقاً يصبّ في تعاليم الثورة العملية، من أخلاقٍ، ومعنويةٍ، وإخلاصٍ، وإيثارٍ، وإنسانيةٍ، وتوكّلٍ وإيمان. هذه المفردات التي لم تعرفها ثوراتٌ كثيرةٌ في العالم مما آلَ بها إلى التلاشي على مستوى الأثر مع تقدّم السنين، هي التي منحت الثورة الإسلامية صفة العدالة والإرادة الشعبية الحرة والاستقلال والأخوة، حيث لم تلطّخ يدها يوماً بالرصاصة الأولى حتى مع كلّ الذين ضمروا لإيران العداء منذ ولادة الثورة الإسلامية. هذه الثورة زينتها الدماءُ ولم تلطّخها. زينتها وسقتها دماءُ الشهداء، فرفع أبناؤها رؤوسهم شموخاً إذ لم تقم يوماً على العنف والقتل وابتداء الحروب.
هذه الثورة دافع عن شرفها الشعب وعامة الناس، أهالي الجنوب العزيز، خوزستان الجميلة، سيستان وبلوجستان، خراسان وكل مناطق الجنوب خصوصاً والوطن عموماً. الذين حملوا السلاح دفاعاً عن سيادة الأرض. كباراً وصغاراً وشباناً ونساءً ساروا في دفقٍ بشريٍّ إلى موضع جرحِ الوطن، ومنهم من قضى ومنهم من أُسِر، ليبقى الوطن، لتبقى العدالة، ولتعود الشعوب الشقيقةُ متوحدةً على شيمةِ الأخوّة، تماماً كما الحسين والعباس.
إنها ثورةٌ التحمت بثورة أبناء القدس وانتفاضتهم ومقاومتهم، فشكّلت الحاضنَ والعضدَ لمحاربة الكيان السرطانيّ الذي حلّ في جسد أولى القِبلتين.
إن قائدنا اليوم، يؤكد على توصيات الخطوة الثانية، ويحاكي الجيل الرابع بضرورة معرفة الماضي من أجل بناء المستقبل، هذا المستقبل الذي بدأ منذ عقودٍ بالنموّ والازدهار، على صعيد العلم والتقانة والفن والاقتصاد والاجتماع والثقافة. يخاطبهم ويقول: «السنوات والعقود المقبلة هي سنواتكم وعقودكم»، مذكراً إياهم بالشعار الخميني للشعب «نحن قادرون».
ثورتنا لم تصَب بالخمول رغم كل ما حققته، رغم تحريرها أبناء الوطن من التبعية البهلوية والقاجارية، رغم إبرازها وهنَ اليمين واليسار الحداثويّين. هذا الصوت المختلف الذي أدهش حتى المفكرين والفلاسفة وأحرار العالم، لم يخبُ أمام الحصار الاقتصادي الأخير. واستمرت اللُّحمةُ ما بين النظام والشعب، عهداً قديماً على إرادة الحرية والعزة الوطنية ومكافحة الفساد ورفع رايات العلم والاقتصاد والأخلاق.
إن دعوة القائد الإمام الخامنئي اليوم، إنما هي دعوةٌ للبلوغ بالثورة إلى نهضةٍ دينيةٍ فكريةٍ حديثةٍ كبرى، تمارس التغيير والتأثير في وجهة التاريخ. وإنها قادرةٌ على ذلك، طالما تلتزم عدمَ التفريط بأصالتها، وطالما هي نظامٌ ثوريٌّ بالدرجة الأولى، وثورةٌ نظاميةٌ لا تنتهجُ الانفعال.
ما بين المعسكرَين الشرقي والغربي، حقّقت الثورة الإسلامية انتصارها الفريد البارز في المنطقة والعالم، وتحوّلت إيران من دولةٍ لا يُرى لها اقتدارٌ شعبيٌّ ولا قوةٌ صناعيةٌ علميةٌ اقتصادية، إلى دولةٍ يُحسب لها ألفُ حساب، تشكّل لقوى الاستكبارِ هاجساً ليلياً لا خيار لها إلا أن تُقبِلَ للتفاوض معه وبناء العلاقات، رغم حرصها على ملاحقة رموزِها ورجالاتها واغتيالهم.
تحيةُ إجلالٍ لكل شهيدٍ قضى دفاعاً عن الوطن.
تحية للفريق قاسم سليماني الذي رسم بارتحاله خطّاً بيانياً يوضح مسيرة الخطوة الثانية. تحية لأبناء وعائلات الشهداء، منذ الدفاع المقدس وحتى اليوم. تحية لمحور المقاومة في هذه المناسبة، هذا الرافد الذي يغذي الثورة ويتغذى منها، حتى مطلع العصر. تحية لأحرار العالم وشرفاء الأرض، الذين ألهمتهم الثورة الخمينيةُ فرفضوا سياسات العولمة والاستغراب.

* المستشار الثقافي الإيراني في بيروت