مع صدور هذا العدد من «الأخبار»، يكون قد مرّ على اغتيال القائد في الحركة الطلابية اللبنانية، في ما يُسمى عهدها «الذهبي»، 31 عاماً على التمام والكمال. رصاصات غادرة معلومة الفاعل، مجهولة المحرِّض (هكذا يبقى المجرم الحقيقي مجهّلاً، دائماً، سواء أتت تلك الرصاصات من الخصم أم من أهل البيت)، أردَته شهيداً وهو يواصل جولة وجهداً من أجل إنجاح مشروع مبكِّر لإعادة المهجّرين إلى الجبل. كانت تلك نهاية رجل وطني، شجاع واستثنائي، في التاسع من شباط من عام 1989 في بلدة «الجاهلية».

تبلورت شخصية أنور في كلية التربية في الجامعة اللبنانية، ابتداءً من عام 1968، بعدما التحق بصفوف الحزب التقدمي الاشتراكي، وبات مقرّباً من رئيسه، الشهيد كمال جنبلاط. من أفكار «المعلّم» جنبلاط وسياساته، استمدّ أنور الشق الأول من اقتناعاته ومواقفه. أما الشق الثاني، الذي أسهم في بناء شخصيته الكفاحية، فقد تكوَّن بالتفاعل مع زملائه في المرحلة الجامعية، حيث «كان تيار القومية العربية هو السائد»، كما يقول هو في مقابلة له في «السفير» (9/11/1984)، وكذلك بعد انتخابه رئيساً لـ«الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية» عام 1971. قال في المقابلة نفسها: «انتُخبتُ بصفتي ممثلاً لتحالف القوى الديموقراطية في الجامعة». أصبح هو الرئيس الثاني للاتحاد، بعد الطالب في كلية التربية والناشط في «حركة الوعي» (جبهة الشباب اللبناني) عصام خليفة. ثلاثة عوامل لعبت لمصلحة اختيار أنور رئيساً للاتحاد بعد فوز اليسار، الموحَّد باسم «القوى الديموقراطية»، بأكثرية المندوبين. أوّلها، انتماء أنور إلى الحزب التقدمي الاشتراكي. ثانيها، علاقته الوثيقة مع قيادة منظمة الحزب الشيوعي اللبناني في الجامعة، والتي كانت قوة اليسار الأساسية فيها. ثالثها، شخصية أنور وكفاءته ودماثته وسعة أفقه وعلاقته الطيبة بالعديد من الطلاب والتنظيمات والمجموعات... مكَّنه كل ذلك من بلورة توجه صحيح، جمع في الرؤية إلى الصراع، ما بين طرفي معادلته: أي الجانب التحرّري القومي، والجانب الوطني الاجتماعي الديموقراطي. تلك معادلة كانت تتبلور تباعاً، في مجريات تفاعل القضية والمقاومة الفلسطينية، من جهة، والوضع اللبناني وبرنامج ودور القوى الوطنية فيه، من جهة ثانية. تجدر الإشارة إلى أن «الحركة الوطنية اللبنانية»، التي قادها وأسهم في تأسيسها الشهيد كمال جنبلاط، بوصفه رئيساً للحزب التقدمي الاشتراكي وقائداً وطنياً وتحرّرياً عربياً مميزاً، قد اعتمدت المعادلة المذكورة بعد مخاض أثمر تحالفاً بين «الحركة الوطنية اللبنانية» وحركات المقاومة الفلسطينية. أثمر ذلك التحالف، بدوره، تجربة مقاومة وصمود كانت أبرز محطاتها عام 1982، في مواجهة غزو الجيش الصهيوني للبنان. مواجهة أثمرت، من ثمّ، نشوء مقاومة وطنية لبنانية ألحقت هزيمة غير مسبوقة بالعدو المحتل، عام 1986، على طريق التحرير شبه الكامل عام 2000.
ينبغي التوقف مطوّلاً عند هذه المرحلة، التي تمكنت فيها «القوى الديموقراطية» في الجامعة اللبنانية من أن تتكوّن كأكثرية ذات بناء جبهوي، بالاعتماد على قاعدة برنامجية مركّبة من الشأنين التحرّري القومي والوطني الاجتماعي، فضلاً عن الشأن النقابي. كانت، بالتلازم مع تجارب أخرى في قطاعات عمالية وتربوية، أفضل «بروفة» للبنيان الذي تجسّد بقيام المشروع الجبهوي للحركة الوطنية اللبنانية و«مجلسها السياسي» و«برنامجها المرحلي»، أواسط السبعينيات. قامت تلك الحركة بالتفاعل وبالتكامل بين خيار حازم بدعم المقاومة الفلسطينية ومنع تصفيتها في لبنان أيضاً (كما حصل في الأردن عام 1970)، وكذلك بإقرار برنامج مرحلي سياسي اقتصادي في لبنان، جوهره إلغاء الطائفية السياسية وبناء اقتصاد منتج غير تابع، بديلاً من اقتصاد الخدمات الذي أنشأته «الطغمة المالية» التابعة للغرب الاستعماري، وتعزّز دورها معه كطبقة مستأثرة ومستغلة سمّاها تقرير «بعثة إيرفد» طبقة الـ4%.
الحقيقة أنّ أنور بدا بصفاته الثلاث، المشار إليها آنفاً، شخصاً ضرورياً وغير قابل للاستبدال. قوة منظمة الحزب الشيوعي في الجامعة التي باتت لا تضاهى، لم تستدعِ أبداً السعي لإحلال عضو منها محل أنور في رئاسة الاتحاد. كذلك، ما كان مقبولاً أن يستبدل أنور بشخص من منظمة طلاب الحزب الاشتراكي نفسه، في ما لو قرَّر الحزب ذلك. بات أنور، بهذا المعنى، شخصية قيادية جبهوية عامة، عملنا على إحاطتها بكل أشكال التعاون والتكامل، مكرّسين جهودنا الشخصية وجهود كفاءات كبيرة من رفاقنا الحزبيين في صفوف الطلاب والأساتذة والإداريين، من أجل إنجاحها. أثمر ذلك أن تحوَّل «الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية» إلى مركز قيادي لكل حركة الطلاب والتلامذة في كل لبنان! تكاملت في تجربة الاتحاد عناصر عديدة، ما جعل تجربته ناجحة ومؤثّرة على المستويات الوطنية والتربوية والنقابية. شعار «ديموقراطية التعليم»، وأساسه تطوير وتوسيع وتعزيز التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، ارتدى بعداً وطنياً في شقَّيه التربوي ــ النقابي والاجتماعي. لقاء «الاتحادات والروابط» في التعليمين الرسمي والخاص، الذي كنت منسّقه بحكم كوني مسؤول العلاقات الخارجية ثم الأمين العام للاتحاد، وحّد المواقف، وحفَّز المشاركة، وشجّع نشوء وتركيز صيغ تمثيلية جديدة، كما نظَّم تحركات تضامنية هائلة تحوّلت إلى حدث أول في البلاد بسبب ضغوطها على السلطة عبر الإضرابات والتظاهرات الصاخبة، وعبر الإعلام الذي واكب ودعم...
في مجرى ذلك تحققت مطالب مهمة: في مشروع المبنى الجامعي في الحدَث. مشاركة الطلاب في إدارة الجامعة اللبنانية وكلياتها بقانون ملزم. تعزّزت استقلالية الجامعة تربوياً وإدارياً. استفادة طلاب الجامعة المحتاجين من منح. أُقرّ مبدأ إنشاء كليات تطبيقية في الجامعة الوطنية، بعدما كانت حكراً على الجامعات الخاصة... انطلقت ورشة علمية بحثية تربوية مكّنت الجامعة اللبنانية من أن تتقدم على سواها في حقول عديدة. كذلك، تعزّز في الجامعة مناخ من الديموقراطية والدفاع عن الحريات في الجامعة وخارجها... وأصبحت الجامعة الوطنية مركزاً، ليس فقط لنشر التعليم والمعرفة، بل أيضاً للدفاع عن القضايا التحررية في مستواها الداخلي والخارجي.
كان أنور حاضراً في كل ذلك، وتحوّل إلى شخصية وطنية مؤثرة. وحين اختارت الطغمة المالية الحاكمة وممثلوها اللجوء إلى العنف، كانت الجامعة الوطنية أولى ضحاياهم بإلغاء استقلاليتها وإلحاقها بالسلطة السياسية، حتى في اختيار أساتذتها وفق قاعدة المحاصصة السياسية والطائفية على حساب الكفاءة والأهلية.
عبر أنور بسهولة فائقة إلى قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي. بعد اغتيال الشهيد كمال جنبلاط، صمد وواجه وحصّن الحزب. خاض معاركه العسكرية، ليس من دون أخطاء، لكنه ظلَّ حريصاً على اتباع بوصلة وطنية جعلته يتقدم الصفوف في مشروع عودة للمهجرين، لم تكتمل شروط نجاحه الموضوعية والذاتية، أوائل عام 1989، فذهب شهيداً في كمين أسود يحرّكه التعصب والفئوية والشبهة. رغم مرور الزمن، وتبدّل الكثير من الظروف والمواقف، من المفيد جداً مراجعة التجارب، وخصوصاً الناجحة منها، من أجل استخلاص دروسها في هذه المرحلة التي طرح فيها تعاظم الأزمة الاقتصادية والسياسية مسألة التغيير الإنقاذي، فيما تفتقر القوى الوطنية إلى برنامج يوحّدها وصيغة تفعّل دورها.

* كاتب وسياسي لبناني