في منتصف أيلول / سبتمبر الماضي، بعد ظهور المُقاول المنشق محمد علي ومعلوماته الكاشفة عن الفساد في نظام الجنرال في مصر لصالح جنرالات آخرين يختبئون وراء الستار، أعاد رئيس تحرير سابق لصحيفة خاصة ــ جرت إطاحته من منصبه بعد موقفه الرافض لتخلّي السلطة عن جزيرتَي تيران وصنافير لابن سلمان ــ على مسامعي، مقولة ساخرة راجت بعد صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، مفادها أنه سيكون «النهاية المُذلّة لحكم العسكر في البلاد». حاول الصحافي محمود صالح الانسحاب من جلستنا، في أحد المقاهي الشعبية في حي المهندسين في القاهرة، احتجاجاً على التعريض غمزاً ولمزاً بسيرة الزعيم جمال عبد الناصر، ثم امتثل أخيراً وواصل الجلسة بعد إلحاحنا، وضحك كطفل بعدما وصفت الأصدقاء الحاضرين بـ«المساكين ضحايا الاختراق الإمبريالي»، لكنّه فجأة غادر الحياة كلّها بعد أقل من شهرين، إثر حادث سيارة. دائماً ما يغادر النبلاء الفقراء من دون استئذان، طيّب الله ثراك يا محمود. أي حزن هذا، لقد رحل والمماليك يمسكون بتلابيب البلاد ويحرموننا حتى من أبسط أمانينا في هامش حرية محدود، كنّا نتنفس من خلاله في سنوات حكم سيّئ الذكر حسني مبارك.


وطنيون ومماليك
قدمت العسكرية المصرية نماذج عظيمة، ومثّلت رافداً للحركة الوطنية المصرية، بداية من زعيم الفلاحين أحمد عرابي وليس انتهاءً بجمال عبد الناصر ورفيقيه يوسف صديق وخالد محيي الدين، حتى حدث التحوّل الأكبر بعد سنوات من حرب التحرير في عام 1973، إثر توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهيوني. وأصبحت سيرة الضابط مغايرة للصورة التي تكرّست عن بطل وشهيد مثل عبد المنعم رياض، وأضحت الألسنة تلهج بفضائح من مثل حكاية لوسي أرتين التي أطاحت بوزير الدفاع الأسبق المشير عبد الحليم أبو غزالة، وانتهينا الآن في عام 2020 إلى نموذج الضابط، رجل الأعمال (أهم رموز هذا النموذج، قبل العصر الحالي هو المقبور حسين سالم، عرّاب دخول إسرائيل للسوق المصري وصديق المخلوع مبارك)، الذي يفشل حتى في بناء جملة سليمة تُقنع مستمعيه بما يقول، لكنّه على أتمّ استعداد للقتل والتنكيل وطبعاً للبيع والشراء، في سبيل الوطن، حسبما يدّعي. فما الذي حدث؟ وكيف تهاوى نموذج الضابط الشهيد على خطوط القتال المتقدّمة مع العدو، إلى آخر يقاتل أيما قتال على مغانم الحياة؟ أيّ بؤس هذا.

لم يكن السادات وحده
يخطئ البعض من المتابعين للشأن المصري، في الربط بين دولة يوليو الناصرية وبين دولة كامب ديفيد الساداتية المستمرة حتى الآن (عملاء الإمبريالية من اليسار الخاضع للهيمنة الثقافية والمستفيد من المنح الغربية المالية، هم أكثر من يروّج لهذا الخلط، لإرضاء مموّليهم من دول الاستعمار القديم انتقاماً من عبد الناصر).
بعد معاهدة كامب ديفيد المشؤومة، أنشأ السادات ما يُعرف بـ«جهاز مشروعات الخدمة الوطنية» عام 1979، ولم يمهله القدر كثيراً، إذ أنشأ شركتين فقط قبل أن يُقتل وسط جنوده، وعلى صدره ما لا يُحصى من النياشين في بزّته العسكرية الزاهية، واضطلع باستكمال مهمّة غرس أسنّة السلاح في رمال الاقتصاد خلفه حسني مبارك، حتى خُلع غير مأسوف عليه بأمر الشعب. ولم يكن الوقت منصفاً للرئيس الراحل محمد مرسي لإنشاء الشركات التابعة للجيش، فقد كان يرحمه الله رجلاً طيباً منشغلاً بالحديث في خطاباته الرسمية عن «عاشور بتاع الشرقية وفوده بتاع المنصورة»، اللذين يحشدان الناس للإجهاز على حكمه المغدور، وهو ما حدث بالفعل. ومن ثم وصل السيسي، بدعم كامل من الجيش، ووضع بعض المواطنين الأحذية العسكرية على رؤوسهم (هم أنفسهم الذين تلحّفوا بعلم السعودية في ما بعد، عقب التنازل عن تيران وصنافير). أسّس السيسي عشرات الشركات بحسب المعلومات المتاحة على الإنترنت (الوطنية للثروة السمكية، للبطاريات، للتبريدات والتوريدات، للرخام والغرانيت، للزراعات المحمية، لاستكشاف وتنمية البترول، للمعارض والمؤتمرات الدولية، وغيرها). لقد جرى استدعاء الضباط (منذ عام 1979 وحتى الآن)، من مهمة قداسة حماية الوطن إلى العمل في مشاريع ربحية تنافس القطاعين العام والخاص، حتى كادا أن يختفيا بسبب التسهيلات الممنوحة للشركات المنافسة التابعة للجهاز. لم يعد الضابط المصري في دولة كامب ديفيد، يحمل سلاحه دفاعاً عن المواطنين، وفق الإرث القديم الباقي في مخيلة المصريين من أفلام، مثل بورسعيد ورد قلبي وغروب وشروق، بل صار يتابع أخبار البورصة ويتحسّس طريقه على هدى الإنجازات المالية لا العسكرية. لقد حوّلت كامب ديفيد الجيش المصري إلى شركة شبه عائلية، تديرها مجموعة من الجنرالات العجائز. أيّ قبحٍ هذا.

صراع المماليك
حافظ حسني مبارك، طوال نحو 30 عاماً، على التوازن بين الحياة المدنية والعسكرية. كان متبلّداً مذعوراً ولم يجرؤ على المغامرة، كانت جلّ أحلامه أن يصير سفيراً في إنكلترا «بلد الاكسلانسات»، على حدّ تعبيره. لكنه فجأة وجد نفسه رئيساً، فبدأ في ممارسة مَهامه برتابة أضجرت مؤيديه قبل المعارضين. ربما لو امتلك جرأة رفض الانصياع لرغبة الهانم في توريث نجله الأصغر حامل لواء الليبرالية الجديدة، وسلّم السلطة مبكراً لأحد الجنرالات، لكان الآن رئيساً سابقاً يحمل على صدره نياشين برّاقة، مثل السادات، ويحضر المناسبات الرسمية على محفّة في مشهد مهيب، كأنه خارج من إحدى روايات ماركيز عن جمهوريات الموز اللاتينية، بدلاً من الظهور على المحفّة نفسها في المحاكم بتهمة اللصوصية وقتل المتظاهرين، مع ما يثيره ذلك المشهد من الخجل والأسف على من يصرّون أنه قائد الضربة الجوية. لكنّ السيسي يختلف عن مبارك، هو جسور بشكل ما، يعاني من أعراض متقدمة للبارانويا، لا يتورّع عن تبكيت شعب كامل كلّما ظهر تلفزيونياً، أو يتحدّث بيقين صوفي قلّما يحوزه إنسان عمّا يعتبره «تعرية كتف وظهر البلاد». رجل يثق بشدة في ما يقول مهما حمل ما يقوله من هراء، والمأساة أنه يحمل مسدساً أيضاً لإرهاب معارضيه، وقد يُطلق النار بلا سبب على سبيل الاحتياط. إنّ الأمة المصرية تواجه أصعب امتحان في تاريخها المعاصر، يحكمها عبد الفتاح السيسي وطغمة من المماليك المتحاربين على الغنائم. المصريون الآن يعيشون كابوسيّة كلمات يونس القاضي، التي ترنّم بها فنان الشعب سيد درويش قبل قرن من زمان إبان الاحتلال الإنكليزي: «ليلة نمت فيها... صحيت ملقتش بلدي». إنّ هذا الشعور أصعب من العيش في رواية لكافكا.

آخر المماليك
أخطأ الجنرالات في اختيار السيسي لحكم مصر، وقد أدركوا ذلك أخيراً بسبب المصائب التي لا تكفّ عن السقوط فوق رؤوسهم، ورأس الشعب المصري على التوالي. لم يكن أشدّ المتشائمين يتوقع أن تصل الأمور إلى الدرجة الحالية من السوء وعدم الاستماع إلى الطرف الآخر، والطرف الآخر هنا ليس المعارضة، بل العساكر من السلالة ذاتها التي خرج منها السيسي. السيسي يفهم في كل شيء، ويدرك مواطن الخلل، ويسبر غور الأشخاص ويحدّد من منهم مخلص وشريف ومن لص ومتسلّق، السيسي لا يستمع إلى أحد لأنه «طبيب الفلاسفة». حتى حلفاؤه في عام 2013، ألقى بهم جميعاً من النافذة، أين حمدين صباحي الآن، ومعه كل قيادات جبهة الإنقاذ؟ لم يبقَ مع السيسي إلا الشيخ علي جمعة وفريدة الشوباشي، وللأسف الدكتور عبد الحليم قنديل وبضع ربّات منازل يعملن كلجان إلكترونية لإهانة وسب النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
المحصلة، أن السيسي صار عبئاً حتى على الجنرالات، لقد شوّه في سنوات قليلة ميراثاً طويلاً وبطولياً من تضحيات الجيش المصري. المواطن البسيط، الآن، يحمّل كل الأخطاء الحاصلة على عاتق الجيش، لأن السيسي يتكئ عليه في كل قراراته وهفواته. لقد استولى السيسي على السلطة، ليؤسّس من جديد دولة الجنرالات التي تهاوت أمام صيحة الشعب الثورية في 25 كانون الثاني / يناير، لكنّه برعونة شديدة ــ وخير فعل ــ سيكون الجنرال الأخير من سلالة كامب ديفيد، ومع سقوطه ستسقط كل الدعاوى المتهافتة القائمة حالياً، وسيبدأ الشعب في مراجعة اتفاقية الاستسلام المهينة، بعد تخلّصه من سدنتها. ولن يبقَ حينها إلا العار الذي جلبه المماليك لدولة عظيمة، لا يليق بها سوى جنرالات من مثل عبد المنعم رياض وحسب، يقاتل ويموت دون البلاد، دون الطمع في الوثب إلى سلطة زائلة.
وقتها سيسعد محمود صالح في رقاده الأبدي.
عم مساء يا محمود حتى ذاك اليوم القريب.

* كاتب مصري