بتوقيت متزامن، هناك شبه إجماع في بلدان عربية عديدة على ضرورات التوجه إلى حكومات «اختصاصيين» و«كفاءات» لا تنتمي إلى أي حزب، أو جماعة سياسية، بدواعي الإنقاذ من أزمات مستحكمة. الأصل في النُّظم الديمقراطية أن تكون حكوماتها سياسية، لها توجهات وبرامج معلنة تزكّيها عند الرأي العام عبر صناديق الاقتراع. والتعارض بين ما هو سياسي وما هو اختصاصي، لا محل له عندما تستوفي النظم استقرارها على قواعد دستورية حديثة.

الدعوات المتزامنة إلى حكومات «اختصاصيين»، التي سادت الموجة الثانية من الحراك العربي في السودان ولبنان والعراق والجزائر، تكتسب شرعيتها من الغضب على حجم الفساد المستشري، وهدر المال العام، وانسداد القنوات السياسية والاجتماعية. وهذه الدعوات محكومة بأوضاع مؤقتة، بينما يعتبر أيّ تصوّر آخر مصادرة للديمقراطية وإلغاء لأي أمل في الالتحاق بالعصر.
في ما هو مؤقت وانتقالي، قرّرت «قوى الحرية والتغيير»، الرافعة السياسية للحراك الشعبي السوداني، استبعاد نفسها من حكومة الكفاءات التي ترأسها عبدالله حمدوك، خشية أن تدخل في منازعات داخلية تجهض الثورة الوليدة قبل أن تحقّق أهدافها في السلام والتنمية والانتقال إلى نظام ديمقراطي وفق دستور جديد.
بصورة أو أخرى، قد تتشكّل في الجزائر «حكومة كفاءات»، بعيداً عن الطبقة السياسية المتهمة بالفساد، والتي استدعت موجات غضب أطاحت ببعض أركان النظام، من دون بعضها الآخر. هذا الاحتمال يزكّيه انتخاب رئيس جديد، هو عبد المجيد تبون، الذي يقول إنه يتبنّى مطالب الحراك ويدعو للحوار معه. ومن ضرورات الاستقرار في الجزائر، تشكيل مثل هذه الحكومة لتخفيض الاحتقان السياسي وبناء قاعدة ثقة بين الحكم والحراك تسمح بتأسيس دولة دستورية حديثة.
في لبنان، بدت الدعوة نفسها مخرجاً من أزمة اقتصادية منذرة بانهيار وسط انقسام سياسي متفاقم. وارتفاع نبرة الخطاب الطائفي مجدداً، يقلق كل الذين راهنوا على الحراك الشعبي في إحداث قطيعة مع دولة المحاصصة الطائفية والانتقال إلى نظام جديد يلتحق بالقيم الحديثة في حقوق المواطنة.

في العراق لا يبدو الطريق سالكاً لـ«حكومة اختصاصيين» فالتنازع على المستقبل تحكمه اعتبارات وتدخّلات معلنة ومكتومة وشبكات مصالح تستبيح الدماء


في العراق، لا يبدو الطريق سالكاً لـ«حكومة اختصاصيين»، على ما تدعو الجماهير الغاضبة، فالتنازع على المستقبل تحكمه اعتبارات وتدخلات معلنة ومكتومة دولية وإقليمية وشبكات مصالح تستبيح الدماء. حتى تونس الأكثر استقراراً ديمقراطياً بالقياس إلى تجارب أخرى، بدأت تطرح على نفسها خيار «حكومة كفاءات» للخروج من مأزق التنازع بين اللوائح والأحزاب السياسية على طبيعتها وبرامجها والوزارات الحاكمة فيها. هذه كلّها أوضاع انتقالية، أو مؤقتة، تستدعيها أوضاع معقّدة خشية أن تفلت الحسابات والتفاعلات من كل قيد.
من حيث المبدأ العام، لا يصح قياس ظروف على أخرى إذا اختلفت وتباينت كما هو الحال في مصر، التي شهدت تعديلاً وزارياً أدخل ستة وزراء جدد، وغيّر في طبيعة مَهام 4 آخرين، بعد حوالى عام ونصف عام من إسناد رئاسة الحكومة إلى الدكتور مصطفى مدبولي.
الحكومة المعدّلة لا توصف بأنها «سياسية»، فلا هي اختيرت بمواصفات السياسة ولا بترشيحات الأحزاب والقوى السياسية، ولا الذين اختيروا للمناصب الوزارية من أهل السياسة والأفكار الكبرى. هذه الحقيقة تكاد أن تكون سمة رئيسية، مع بعض الاستثناءات، لحكومات ما بعد «ثورة يوليو» 1952.
لسنوات طويلة، طُرحت ثنائية «أهل الثقة» و«أهل الخبرة»، أيّهما أجدر بالتمثيل في التشكيلات الحكومية. الثقة تستدعي ــ بالطبيعة ــ شيئاً من الالتزام السياسي، والخبرة تستدعي ــ بالضرورة ــ شيئاً من الاختصاص الفني. اصطناع التناقض بين الخيارين ثبت تعسفه، فالسياسي قد يكون اختصاصياً، كما أن الاختصاصي قد يكون سياسياً. في ما بعد 30 حزيران / يونيو 2013، وُلدت أول حكومة شبه سياسية في مصر المعاصرة ترأسها الدكتور حازم الببلاوي، وقد ضمّت تسعة وزراء ينتمون إلى أحزاب تنضوي في «جبهة الإنقاذ الوطني»، التي ناهضت حكم جماعة «الإخوان المسلمين»، قبل أن تتفكك من دون سبب مقنع. لم يتسنّ للتجربة أن تأخذ وقتها في النضج حتى يستقر خيار الحكومة السياسية. تراجعت الحياة الحزبية بصورة حرمت البلد من أي حيوية سياسية، وافتقدت الحياة النيابية إلى أية أدوار يكفلها الدستور في الرقابة على السلطة التنفيذية.
في الأوضاع الشبه المستقرة، الحكومة السياسية خيار إجباري بقوة الدستور. بالالتزام الدستوري، أول اختصاصات الحكومة «الاشتراك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها». هذا دور سياسي يتطلّب وزراء سياسيين لهم خبرة في وضع السياسات العامة والقدرة على المبادرة في إطارها. بعد حكومة الببلاوي، جاءت حكومة المهندس إبراهيم محلب، التي تميّزت بنزولها إلى الشارع والمتابعة الميدانية للمشاريع الجارية، والاستماع إلى هموم المواطنين وشكاويهم، وقد اكتسبت شعبية كبيرة بالقياس إلى أية حكومة معاصرة أخرى. لم تكن حكومة سياسية في تكوينها وطبيعتها، بالمعنى المتعارف عليه، غير أن النزول إلى الشارع من طبائع العمل السياسي بأوضح مفاهيمه. وقد ارتكز اختيار خليفته شريف إسماعيل، ثم مصطفى مدبولي، على نظرة واحدة.
كلاهما اختصاصي في مجاله وناجح فيه، أولهما في البترول والثاني في الإسكان. وكلاهما بلا خلفية سياسية معروفة ولم يعهد عنه عناية كبيرة بميادينها. وفيما تطوّر أداء الأول من الناحية السياسية والإعلامية، ظلّ الثاني شبه مجهولٍ أمام الرأي العام، باستثناء تصريحات مقتضبة على فترات طويلة نسبياً.

بصورة أو أخرى قد تتشكّل في الجزائر «حكومة كفاءات» بعيداً عن الطبقة السياسية المتّهمة بالفساد


إذا لم تكن حكومة مدبولي سياسية، فهل يصح وصفها بأنها اختصاصية؟ أية إجابة موضوعية تستدعي معرفة الأسس والمعايير التي على أساسها يجري اختيار الوزراء. لماذا خرج من خرج في التعديل الأخير؟ ولماذا بقي من بقي؟ وما الفلسفة التي حكمت دمج وزارات وإلحاق أخرى برئيس الحكومة، مثل الاستثمار والإصلاح الإداري ونقل وزراء من مَهام إلى أخرى، من دون تفسير أو شرح أو اعتراف أنهم لم يكونوا في موقعهم الصحيح الذي يناسب خبراتهم؟ ما الحكمة في دمج وزارتَي السياحة والآثار، وليس الثقافة والآثار، كما كان جارياً على مدى عقود؟
أكثر ما استدعى الاهتمام العام، عودة منصب وزير الإعلام من دون صلاحيات، أو مَهام معروفة، ومن دون حقيبة أو موظفين يخضعون لسلطاته. لا يشكّ عاقل واحد في أن الإعلام المصري قد تدهور بصورة تدعو للأسى والشفقة، بغلبة الصراخ والتفلّت من دون اعتبار لقانون أو ميثاق شرف. هناك من يعتقد أن عودة وزارة الإعلام تساعد على ضبط الأداء وتضخ دماء الحيوية في شرايين الفضائيات والصحف، وهو استنتاج يحتاج إلى مراجعة، ذلك أن أي مَهام مفترضة للوزير ــ أيّاً كان شخصه ودرجة كفاءته ــ أُحيلت إلى هيئات مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري وموازنتها مستقلّة وفق الدستور.
جوهر مشكلة النظام الإعلامي، هي في تعطيل المؤسسات الدستورية ــ وأهمّها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ــ عن الاضطلاع بأدوارها الحقيقية، التي تتصدرها مسؤولية «ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدّديتها وتنوعها».
إنها أزمة بيئة عامة تسمح بالتنوع والحوار والانفتاح على الرؤى والتصورات والأفكار المختلفة، من دون تعريض بأية اجتهادات وأصحابها. القضية تستحق حواراً حقيقياً بين أهل المهنة، الذين هم في هذه الحالة «أهل الاختصاص». إذا كنّا نطلب حقاً إصلاح الأوضاع الإعلامية المتدهورة، لا يوجد سبيل سوى احترام الالتزامات الدستورية وإنفاذها وصيانة الحريات العامة حتى يتنفّس البلد بحرية. مثل هذه الأجواء تساعد باليقين على الانتقال الطبيعي والضروري مستقبلاً من حكومات شبه اختصاصية إلى حكومات سياسية، تلبّي احتياجات مجتمعاتها.
*كاتب وصحافي مصري