مع اقتراب النهاية، بدا العقيد الليبي معمر القذافي شبه معزول، يحاربه خليط من ثوّار تحرّكهم المثل العليا، وجماعات عنف وإرهاب طلباً لدولة إسلامية مغرقة في تشدّدها، وانتهازيون سياسيون بدوافع متباينة، وكلاب صيد خرجت لتصفية حسابات قديمة مع ما انتهجه من مواقف أضرّت بمصالح كبرى. تولّت قوات حلف «الناتو» مهمّة الحسم العسكري. لم يكن هناك جيش ليبي بأيّ معنى كلاسيكي يعرفه العالم، رغم خزائن السلاح التي استُخدمت بعد الإطاحة بالقذافي في تسليح الميليشيات المتنازعة، أو هربت عبر الحدود إلى مصر وعبر تركيا إلى سوريا. كانت تلك مأساة ساعدت جماعات العنف والإرهاب، كأنّها هدايا مقصودة لتحطيم ليبيا. هكذا تأسّست على أنقاض نظام القذافي، حربٌ أهلية تصارعت فوق مسارحها قوى وأطراف دولية وإقليمية على النفط والنفوذ.

هناك، الآن، ما يؤذِن بتطوّر نوعيّ في الحرب الأهلية الطويلة، ينقلها من طور إلى آخر. نحن أمام حالة انتقال محتمل إلى حرب إقليمية مُعلنة فوق الأراضي الليبية، يتصادم فيها سلاح وتتناقض استراتيجيات. لم تعُد القضية تتعلّق بحجم التدخّل بالإسناد، تدريباً وتسليحاً ودعماً لوجستياً للأطراف المتنازعة وفق المصالح المتناقضة، بقدر ما أصبحت تبعات صدامات السلاح على معادلات القوة والنفوذ والمصالح في أكثر أقاليم العالم اشتعالاً بالأزمات والنيران.
بحسب تصريحات متواترة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإنّه مستعدّ لنقل قوات عسكرية إلى الأراضي الليبية، إذا ما طلبت ذلك حكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج، استناداً إلى مذكرتَي تفاهم وقعاها بشأن التعاون الأمني والعسكري والاستخباري وتعيين الحدود البحرية في شرق المتوسط. وإذا ما أقدم أردوغان على تلك الخطوة، بكلّ حمولات التهوّر فيها، فإنّه لا يمكن استبعاد تدخّلٍ مصريٍّ مقابلٍ، رغم التحوّط في التصريحات الرسمية بالتفرقة بين الدعم والتدخل. فبحسب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، «حكومة السراج أسيرة للميليشيات»، وما يحدث في ليبيا يدخل مباشرة في الأمن القومي المصري، وهو ما لا يمكن التساهل معه.
الانزلاق إلى حرب إقليمية مُعلنة، احتمال وارد، غير أنّ الحسابات الدولية تضع قيوداً يصعب تجاوزها بلا كلفة باهظة. بالحسابات الاستراتيجية، لا تحتمل تركيا الدخول في ثلاث مواجهات مفتوحة في الوقت نفسه؛ الأولى في الشمال السوري بالاحتلال العسكري، والثانية في شرق المتوسط بالتحرّش العسكري تنقيباً عن الغاز وإرسالاً لقوات بحرية وطائرات مسيرة مسلحة إلى الشطر التركي من قبرص، والثالثة في المستنقع الليبي حيث يصعب الخروج منه، من دون عواقب كارثية. وبالحسابات العسكرية، يكاد يستحيل التعويل على القدرات الحالية للجيش التركي في توسيع نطاق المواجهات، بالنظر إلى حجم التصفيات التي جرت داخله إثر الانقلاب الفاشل وطالت نحو ثلثي نخبته من كبار جنرالاته وقياداته، وفق تقارير دولية متداولة.
في التدخّل، مقامرة تركية بعلاقاتها ومصالحها الدولية. تصعيدٌ مؤكّد مع الاتّحاد الأوروبي، وفرنسا في مقدمته. تأزيمٌ منتظر للعلاقات مع الولايات المتّحدة رغم اضطراب مواقف إدارتها. وصدامٌ مرجّح مع روسيا يضرّ باستراتيجيتها في سوريا، إذ لا يُعقل أن يكون هناك تنسيق في بلد وصدام في بلد آخر. يعوّل أردوغان على تعديل الموقف الروسي المؤيّد لحفتر تسليحاً وتدريباً، بمقايضات الغاز، كأنّه يعرض تمرير خط نقل الغاز الروسي عبر تركيا إلى أوروبا، مقابل تعديل الموقف الروسي من الأزمة الليبية. لعبة الابتزاز نفسها اتّبعها الرئيس التركي مع الولايات المتّحدة، إذ يلوّح بإغلاق قاعدة «أنجرليك» الجوية، بالغة الأهمية في استراتيجية حلف «الناتو»، والتي تحوي نحو (50) قنبلة نووية ويتمركز فيها نحو (1500) من القوات الأميركية، وذلك كإجراء ممكن في مواجهة أيّة عقوبات اقتصادية قد تُفرض على خلفية التوترات المتصاعدة في أكثر من ملف.
من جهة أخرى، فإنّ مثل هذه الألعاب تسودها سيولة كبيرة في التصرّفات والتحولات. إذ يصعب تصوّر أن يقدم أدروغان على نقل قوات عسكرية تركية داخل ليبيا، من دون ضوء أخضر أميركي، كالذي وفّرته قبل توقيع مذكرتَي التفاهم، بدعوتها حفتر إلى وقف هجومه على طرابلس. التنازع على الشرعية يدخل في صلب الصراع، فيما الحقيقة أن الكلام كلّه في غير موضعه وفيه انتهاك للمعاني وحرمتها. بقوة الحقائق، لم يعد متبقياً من اتّفاق «الصخيرات» ــ المدينة المغربية التي شهدت توقيع اتّفاق سياسي شامل وتفصيلي بين الطرفَين المتنازعَين في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015 قبل أربعة أعوام ــ سوى بعض الأطلال والذكريات. لا تؤسّس الشرعيات على ادّعاءات وتأويلات، كالتي سوّغ بها الرئيس التركي مذكرتَي التفاهم مع حكومة لا يخوّلها اتّفاق «الصخيرات» حقّ التوقيع عليها.
ليست هناك في ليبيا حكومة تستحق أن توصف بـ«التوافق الوطني»، لا سيادة على الأراضي ولا سيطرة على مؤسّسات الدولة، حتى يُقال إن في انتقاد مذكرتَي التفاهم اعتداء على السيادة! اعتبارات الأمر الواقع بقوة السلاح، هو ما يحكم الموقف الآن حتى يسترد الليبيون حقهم في صناعة مستقبلهم بإرادتهم الحرة.
بالقطع، لا يريد أحد أن يتورّط في حرب إقليمية مفتوحة، لا مصر ولا تركيا ولا أيّ لاعب آخر أيّاً كان حجم دوره وتدخّله في الملف الملتهب، غير أنّ الأمور قد تنزلق إلى هذا السيناريو، بالاندفاع التركي ومقامراته التي تفوق قدراته العسكرية. التدخل العسكري التركي المباشر، أيّاً كان حجمه ودرجته، يستهدف بالدرجة الأولى منع حسم معركة طرابلس، وتغيير خرائط القوة في الأزمة الليبية على نحو جوهري. في أيّة ترجمة سياسية، فإنّ سيناريو الحسم يفُضي إلى إلحاق هزيمة سياسية موجعة بسياسات أردوغان في شرق المتوسط تنال من مكانة تركيا في معادلات القوة في الإقليم، خصوصاً في الأزمة السورية.
هناك، الآن، مساران كبيران متوقّعان لحركة الحوادث المتسارعة:
ــ الأوّل، أن تنجح قوات خليفة حفتر في الحسم العسكري، قبل مؤتمر برلين المقرّر عقده مطلع العام المقبل بإشراف أممي، بما يضع كلّ الأطراف أمام معادلات قوة جديدة وحصص مختلفة لحسابات المصالح والنفوذ. بحسب رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، فإنّه يتعيّن على المنظّمة الدولية سحب اعترافها بحكومة السراج وتشكيل حكومة جديدة، وإجراء انتخابات نيابية وفق دستور يؤسّس لشرعية مستدامة. هذا أقرب إلى جدول أعمال يرتهن بالقدرة على الحسم العسكري قبل مؤتمر برلين.
ــ الثاني، أن يحدث تدخّل دوليّ يُفضي إلى وقف إطلاق النار في طرابلس، لكّنه قرار مؤجّل مؤقتاً حتى تتّضح الحقائق في ميادين القتال. بأيّ نظر موضوعي في معادلات القوّة في الأزمة الليبية، فإنّ المقامرات التركية يكاد يستحيل كسبها.

*كاتب وصحافي مصري