أثّرت العقوبات الأميركية المفروضة على إيران بشكل ملحوظ في مجمل الصادرات الإيرانية، وخصوصاً في الصادرات النفطية التي تُشكّل نسبة 33% من مجموع صادرات البلاد. كما انعكست سلباً على التبادل التجاري بين إيران والدول الأوروبية، إذ تُشير الأرقام الجديدة الصادرة عن المفوضية الأوروبية إلى أنّ التجارة الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وإيران قد انخفضت إلى مستوى الربع خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2019، حين بلغ حجم التجارة خلال هذه الفترة 2.558 مليار يورو.

نتيجةً لانخفاض العائدات النفطية، ومن أجل زيادة قدرة الدولة على تحمّل الحظر المالي والاقتصادي، اعتمدت الحكومة استراتيجية دعم وتنمية الصادرات غير النفطية لتلافي الاعتماد في الميزانية السنوية على عائدات الصادرات النفطية. هنا، أكّدت الحكومة أنّ ميزانية الدولة للسنة الجديدة ستنفصل كلياً عن عائدات الصادرات النفطية، بحيث إنّ هذه العائدات ستخصّص في خطط الحكومة لإنجاز المشاريع التنموية. تجدر الإشارة إلى أنّه مُنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، كانت ميزانية الحكومات الإيرانية تعتمد عموماً على صادرات النفط ومشتقاته بنسبة تبلغ 90 %، وبلغت هذه النسبة في ولاية الرئيس السابق أحمدي نجاد ــ قبل فرض العقوبات ــ نحو 70%. أما الميزانية الأخيرة خلال فترة 3/2019 إلی 3/2020، فقد وصل الاعتماد فيها على الصادرات النفطية إلى ما يقارب 27%.
ومن أجل الالتفاف على الحظر الاقتصادي والمالي، اتخذت إيران مسار التحوّل الاقتصادي نحو التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري مع دول الجوار بهدف تنمية وتطوير الصادرات غير النفطية، حيث بلغت هذه الصادرات 24.5 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة الإيرانية، أي خلال فترة 21 آذار/ مارس 21 تشرين الأول / أكتوبر من العام الحالي، التي كانت إلى أبرز هذه الدول: 6.1 مليار إلى الصين، 5.2 مليارات دولار إلى العراق، 2.8 مليار دولار إلى الإمارات، 2.7 مليار دولار إلى تركيا، 1.2 مليار إلى أفغانستان.
لذلك، انضمت إيران إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في 15 تشرين الثاني / نوفمبر من هذا العام، بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرّة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي على مدى ثلاث سنوات، تشمل المجالات الزراعية والصناعية، والطاقة الكهربائية. ويُعد ذلك تحقيقاً لأحد أهم أهداف السياسات العامة للبلاد، عبر تطبيق نموذج الاقتصاد المقاوم.
وسيؤدي انضمام إيران إلى هذا الاتحاد إلى قفزة نوعية في صادراتها غير النفطية، من خلال تبادل التجارب والخبرات، وتنشيط وزيادة حجم التبادل التجاري، إذ بلغ حجم التبادل التجاري مع الاتحاد الأوراسي 2.6 مليار دولار في عام 2018، ومن المتوقّع أن يبلغ 15مليار دولار في عام 2020.

سيؤدي انضمام إيران إلى هذا الاتحاد إلى قفزة نوعية في صادراتها غير النفطية


يضمّ الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (Eurasian Economic Union)، الذي تأسّس في عام 2015، كلاً من روسيا، بلاروسيا، كازاخستان، قرغيزستان وأرمينيا. وتبلغ مساحة هذه الدول أكثر من 20 مليون كيلومتر مربع، كما يبلغ عدد سكانها أكثر من 180مليون نسمةـ ما يجعله سوقاً جيداً للنشاطات التجارية الإيرانية وبقية الدول الأعضاء. ويحتل الاتحاد الأوراسي الاقتصادي المرتبة الأولى في استخراج النفط بنسبة 14.5 في المئة في العالم، والمركز الأول في العالم أيضاً في إنتاج الغاز بنسبة 20.2 في المئة، كما يتصدر المركز الرابع في إنتاج الحديد بـ4.7 في المئة، ويأتي خامساً في إنتاج الفولاذ بنسبة 5 في المئة. كذلك، يبلغ إجمالي حجم المبادلات التجارية الخارجية لدول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي 753 مليار دولار سنوياً. ويمكن لهذا الاتحاد أن يغطي بنسبة 65% من حاجته الاقتصادية، من خلال المبادلات التجارية بين الدول الأعضاء. تُشير الأرقام الصادرة عن مركز التجارة الدولية إلى أنّ حجم التبادل التجاري بين دول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بلغ 42 مليار دولار في عام 2015، و57 مليار دولار في عام 2018.
وتتضمن هذه الاتفاقية جدولاً بالسلع التي سيشملها خفض أو حذف الرسوم الجمركية على 864 سلعة تجارية بين إيران ودول الاتحاد الأوراسي، مشمولة بالتجارة التفضيلية منها، 503 سلع تصدرها إيران إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. أهم هذه السّلع هي: المنتجات الزراعية، السجاد، المواد الغذائية، الأدوات المنزلية، الأدوية والتجهيزات الطبية، الإسمنت والنحاس وبعض أنواع المعادن. كذلك، إنّ أهم السلع التي تستوردها إيران من الاتحاد: المعدّات الصناعية، الأخشاب، المنتجات الورقية، الشعير، الذرة، الزيت الخام، الصوف والقطن واللحوم. إضافة إلى ذلك، سيتم التعاون بين الاتحاد الأوراسي وإيران في مجال الطاقة الكهربائية، وأيضاً في مجال النفط والغاز.
ومن أجل توسيع وتسهيل التبادل التجاري بين إيران والاتحاد الأوراسي، أعلن رئيس البنك المركزي الإيراني عن ارتباط مصرفي بين البنوك الإيرانية ونظيرتها الروسية، بعيداً عن جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك «سويفت».
إنّ انضمام إيران إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، يُعتبر فرصة ثمينة لها لكي تستغل طاقاتها في جميع المجالات لتنمية البلاد، وتحريك عجلة الاقتصاد، عبر زيادة الصادرات غير النفطية، كما يعدّ خطوة جيدة لمواجهة الحظر المالي والاقتصادي على الاقتصاد الإيراني.

* باحث في شؤون الإدارة المالية