أتاح لنا فادي شهوان، المحاور في قناة «أم تي في»، الفرصة لما يشبه الإنصات إلى غرفة لقاء وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مع أصدقائه اللبنانيين، خلال زيارته لبنان في الثاني والعشرين من آذار / مارس الماضي. بعد أربعة أيام من تلك الزيارة، تحدث شهوان إلى ضيفه الكاتب الصحافي سام منسّى، الذي يمثل صوت الوضوح بدلاً من فارس سعيد المتواري عن الأنظار. توجه بالسؤال قائلاً : «جاء مبعوثون أميركيون قبل بومبيو وكانوا يحاولون تشكيل جبهة سياسية ضد حزب الله، اليوم بومبيو قال إنه يجب مواجهة حزب الله، كيف وبأي طريقة؟»، السؤال مهم بحدّ ذاته، الأميركي يحدد الواجبات، هل هي واجبات أخلاقية أم نفعية تبادلية؟ لم يوضح بطبيعة الحال، لكن ما أوضحه هو أن ثمة من يحدد الواجبات، من دون إغفال حق اللبنانيين في مناقشة ذلك الواجب وتطوير تطبيقاته.

منسّى سيدخل من هذه النافذة ليجادل: «هل باستطاعة اللبنانيين أن يقولوا اخرجو من الحكومة يا وزراء حزب الله؟ هل نستطيع المطالبة ببحث سلاح حزب الله؟ وقد جرت سابقاً محاولة أقل بألف مرة ممّا يطالب به الجانب الأميركي وأشعلت السابع من أيار. المشكلة ليست لبنان، المشكلة لها مصدر واحد هو إيران، فلتذهب الولايات المتحدة وتعالج مشاكلها مع إيران». النقاش ناضج هنا، ثمة تقاذف للمسؤوليات بين الإمبراطورية ورعاياها، لكن على أسس براغماتية، الرعية تقول للإمبراطور: إذهب لحل أساس المشكلة.
أخذ فادي شهوان الدور: «كان هناك تعويل على الأميركي، لكن الأميركيين تقاعسوا في السابع من أيار، فانقلبت المقاييس، اليوم الأميركي بعد اثني عشر عاماً يقول لك عليك أن تواجه حزب الله». نعم هناك تقاعس عن القيام بالواجب، واجب الخلاص من السلاح الوحيد الذي يحمي لبنان.
يكتشف سام منسّى الحل. ربما لم يرد الإفصاح عنه في البداية، لكنه سيقودنا إلى طرف الخيط في خطة بومبيو: «هناك مساحة وفرصة، جاء الأميركي وقال لنا ينبغي عليكم أن تقفوا بوجه هذا التمدد، أين الصعوبة في أن تتشكل هيئة، مجموعة، جبهة، موحدة خارج الحكومة، لا تشارك في الحكومة التي تؤمّن تغطية لحزب الله، وتشكل جبهة سلمية تتحدث بلغة واحدة وبمشروع واحد لا يتلهّى بالكهرباء والماء والفساد والنفايات، هذه كلها نتائج لوضع وليست أسباب»، فكل القضايا الحياتية ستقف عائقاً أمام مواجهة المقاومة، لأن كل شلة أصدقاء بومبيو متورطون في الفساد وتخريب الحياة اللبنانية.
هناك مشكلة موازين قوى إذن، لكن الضغط الأميركي يريد تعديل الوضع بطريقة ما، وقد اعتبر مايكل يونغ، من مركز كارنيغي الأميركي للدراسات، في مقالة بعنوان «حزب الله يحاصر نفسه»، بتاريخ الثلاثين من تشرين الأول / أكتوبر، أن «حزب الله سيظل عالقاً إذا رفض إظهار المرونة تجاه حكومة جديدة. بمحاولة الحفاظ على النظام الخبيث القائم وحماية حلفائه ومصالحهم، فإن الحزب يسرع فقط في زوال النظام»، بهذه البساطة يعتبر المشغل الأميركي أن النتائج أصبحت قريبة المتناول، وأن حزب الله غير قادر على تشكيل حكومة بديلة لأنها ستتعرض للحصار، وغير قادر على قبول حكومة تقصيه وحلفاءه نهائياً عن الإدارة السياسية للبلاد.
لكن أين المشكلة في خروج الحزب من الحكومة، وهو يمتلك القدرة على الدفاع عن النفس، بل إن البعض يرى أن الحرب الأهلية غير ممكنة، لأن ما سيجري، في حال الصدام المباشر، هو عملية جراحية عاجلة لأي بؤرة تقرر المواجهة المباشرة مع المقاومة. سؤال طرحه رولان خاطر في صحيفة «الجمهورية»، في مقال صدر في توقيت مقالة يونغ، قائلاً: «إذا كانت مشكلة الحزب تنطلق من طبيعة معنوية، لعدم قدرته على التبرير أمام بيئته خروجه من الحكم بموافقته على حكومة تكنوقراط، فأمر مبرر، لكن أن يعتبرها مؤامرة، فأمر مستغرب، فيما هو يمتلك من عناصر القوة ما تخوّله إحباط أيّ مؤامرة»، لكنه يجيب في المقال ذاته على إشكاليته، بالقول: «أيّ انتخابات مبكرة، قد تُفقد الثنائي الشيعي ما يمتلكه اليوم من غالبية في مجلس النواب»، فالصلاحيات الاستثنائية للحكومة تعني المجيء بقانون انتخاب يعطي الأغلبية لأصدقاء بومبيو، وما الدولة المدنية وإلغاء الطائفية إلا جسر للعبور إلى قانون يتم تفصيله بحسب قياس الأميركيين.
لتقييم أي مشروع لا بد من مقارنة شعاراته بنتائجه، فلا بد أن نعود إلى كلام بومبيو خلال زيارته لبنان، حيث كان واضحاً في نقاط أساسية، أولاها إخراج وزراء حزب الله من الحكومة، «ستستمر الولايات المتحدة في استخدام جميع الوسائل السلمية ــ كل شيء تحت تصرفنا ــ للتغلّب على سوء استخدام المواقف الحكومية والتأثير الذي يغذي العمليات الإرهابية لحزب الله»، وثانيها شكل الهجوم العابر للطوائف «ليس لحزب الله الحق في التسبب بالمزيد من المعاناة للشعب اللبناني، يُنظر إلى بيروت بحق على أنها رمز للنهوض من الرماد؛ التعايش خارج الانفصال؛ بين المساجد والكنائس والمعابد اليهودية التي أعيد بناؤها جنباً إلى جنب فيما كان في ما مضى خطاً أخضر مريراً قسم الأسرة... »، والثالث هو حصار حلفاء المقاومة «لن نتردد في تسمية من يدعمون بنشاط وبشكل سلبي هذه الأنشطة وخيانة ثقة وآمال الشعب اللبناني»، والرابع هو محورية القضية الاقتصادية في بناء الهجوم، وقد ركز عليها بالتكرار «لا يريد رعاة حزب الله الإيرانيون تغيير الوضع الراهن في لبنان. إنهم يرون أن السلام والازدهار والاستقلال في لبنان تهديد أساسي لمصالحهم السياسية وطموحاتهم المهيمنة»، وأخيراً إن الفرصة ستكون متاحة للجمهور اللبناني لتلقّي الدعم الأميركي إذا قرر المشاركة في محاصرة المقاومة «أريد أن يعرف كل الشعب اللبناني أن الولايات المتحدة ستستمر في الوقوف مع الشعب اللبناني، لأنه يغتنم الفرص التي يستحقها بشدة، للعيش كشعب حر».

لا يملك جمهور قوى بومبيو ما يلزمه من مقومات الصمود في لعبة شد الحبال الطويلة الأمد


الخطة متكاملة إذن، رغم أن سام منسّى يعبّر عن إدراك أصدقاء بومبيو لصعوبة المهمة، لكن تشكيل جبهة سلمية سيفي بالغرض. المشكلة الأولى هي سلاح المقاومة وقدراتها التي تطورت بقوة بعد حرب سوريا، وينبغي أن تواجه بسلمية التحرك. المشكلة الثانية وهي أن المقاومة وحلفاءها تمتلك أغلبية برلمانية، يتم حلّها من خلال الانسحاب من الحكومة والخروج من اللعبة القائمة. المشكلة الثالثة، وهي امتلاك فريق المقاومة وحلفائها لشعبية عارمة عبّرت عن نفسها في الانتخابات الأخيرة، يتم حلّها من خلال فتح ملفات معيشية وحياتية، وخصوصاً ملفات الفساد وعجز حزب الله عن الوصول في معركته لمكافحة الفساد إلى نتائج ملموسة، وتحريك الجمهور نحو الاحتجاج الجماهيري الواسع، ومن ثم إسقاط التركيبة السياسية القائمة. من هنا، يعود أصدقاء بومبيو إلى تشكيل أغلبية من خلال السيطرة على حكومة تكنوقراط تمتلك صلاحيات تشريعية لإقرار قانون انتخابات مهندس بشكل يطيح الأغلبية النيابية الحالية، ونسير بعدها إلى الحل البعيد المدى عبر توطين النازحين السوريين وتغيير التوازن الديموغرافي في لبنان لعقود طويلة مقبلة.
الطابع الاقتصادي والمعيشي للهجوم كان الملاذ الأخير. من هنا، وجد الأميركي الثغرة المتاحة؛ فعلى المستوى السياسي، هناك أغلبية نيابية ورئاسة جمهورية في المواجهة، وعلى مستوى القوة الصلبة هناك التفوق العسكري للمقاومة. من ناحية ثانية، الملف الاقتصادي مخوّل للخروج من قائمة الثغرات، فإن وصلت يد لبنان إلى النفط، فلن يعود هناك ثغرات ذات وزن للتأثير على قوة المقاومة في لبنان. ولذلك لم يتساهل الأميركي في التوقيت، لا بد من القيام بعملية استراتيجية تغير التوازن السياسي القائم، من دون أن نغفل كذلك الأزمة السعودية في اليمن، وأزمة الدولة في الكيان الصهيوني، وحاجة الأميركي إلى إيجاد توازن.
الثغرة المركزية في هذه الخطة هي أن اتجاه الهجوم وهو يفتح قضية الفساد ومحاكمة الفاسدين، سيصيب بطبيعة الحال كل أصدقاء بومبيو الملوثين بالفساد حتى النخاع. وتغيير خط الهجوم نحو المسألة السياسية، على طريقة 14 آذار 2005، سيؤدي إلى الصدام غير المتكافئ وغير المجدي. هنا أخطأ سام منسّى، الذي حاول الالتفاف على القضايا المعيشية لصالح الاتجاه السياسي في المواجهة.
إذا كان وكلاء الهجوم فاسدين، فينبغي إيجاد حاضنة شعبية عبر تكتل عابر للطوائف يخترق البيئة الحاضنة للمقاومة وحلفائها، مع إبقاء الوكلاء من قوى 14 آذار خلف الكواليس، فلا يتصدون للمواجهة بشكل مباشر، وبهذا يحمون أنفسهم من الصدام مع قوة متفوقة سياسياً بالأغلبية وأمنياً بقوتها الذاتية. بدلاً من الوكلاء السياسيين، يتولى الإعلام قيادة الهجوم، مدعوماً بتشكيلات ميدانية من طحالب وطفيليات المجتمع المدني الأميركي، ويتكفل الإعلام بتلقّي السهام بدلاً من الوكلاء الحقيقيين، الذين يشاركون ببعض جمهورهم في الاحتجاجات من دون أن يكون لهم حضور رسمي. ومضافاً إلى هذا التشكيل، ستدخل بطبيعة قوى تحاول الاستفادة من الظرف، إما لتحدي قوى الفساد، وإما لنيل مقعد في السباق.
هكذا تتكامل الخطة، وتمضي نحو أهدافها التي بدأ يونغ وكثيرون غيره يهلّلون لنجاحها، متناسين أن هناك ثغرات قاتلة في الخطة برمتها، حاول الأميركي من خلال الإجراءات التفصيلية والضبط الدقيق والمنسّق لحركة الماكينة أن يخفيها ويجعلها بعيدة عن التناول، لكنها ثغرات عميقة وتكمن في بنية الوكلاء.
الثغرة الأولى ذات وجهين؛ الأول هو أن المستهدف الأساسي في خطة بومبيو تحت شعار الحرب على الفساد، هو طرف منيع جداً تجاه هذا الهجوم بحصانته ومصداقيته كجهة سياسية لم تدخل في الفساد يوماً. الوجه الثاني، هو أن الهجوم ضد الفساد سيؤدي حتماً إلى إصابة حلفاء أميركا، مهما استتروا خلف كواليسهم. فحلّ أي مشكلة اقتصادية أو معيشية سيطال أيديهم المسيطرة على موارد البلاد المختلفة. مع عجز الهجوم عن الحصول على حشد فعلي داخل البيئة المؤيدة للمقاومة وحلفائها، فإن هذا الهجوم سيكون بمنزلة انتحار سياسي مع مرور الوقت، والتهديد الذي يشكله مشروع بومبيو لن يعدو كونه فرصة، حاول الأميركي إلباسه ثوب التهديد الهجومي، مخطئاً بشكل حاسم في تقدير المزاج العام لبيئة المقاومة وحلفائها، بعدما كان يؤمل جر (كل الشعب اللبناني) إلى تنفيذ عملية تغيير التوازن الحكومي.
الثغرة الثانية، وهي ضعف البيئات الحاضنة لأحزاب بومبيو عن تحمّل ضغوط برنامج الضغط المعيشي، بالمقارنة مع البيئة الحاضنة للمقاومة. ما دام جمهور المقاومة لم يسهم في تغذية الأزمة واستمرارها، فإنه يدرك أن جزءاً كبيراً من الأزمة المتفاقمة سببه موقف قوى 14 آذار التي تريد السيطرة على البلاد وإلغاء الشراكة بأي ثمن. انكشاف الخطة في أيامها الأولى بفعل خطاب الأمين العام لحزب الله، اضطر الطرف الآخر إلى تغيير صيغة الواجب الذي فرضه بومبيو، والعودة، وإن بشكل صامت، إلى فكرة تشكيل جبهة مواجهة، لكنها مواجهة قلقة وخائفة من الإعلان عن نفسها لضعفها وفسادها.
جمهور قوى بومبيو لا يمتلك ما يلزمه من مقومات الصمود في لعبة شد الحبال الطويلة الأمد، ولا هو مضطر إلى القيام بواجب من دون أي مقابل. فهو لا يتعرّض لتهديد وجودي من قبل عدو متربص يدفعه إلى التصلب والثبات، كما أنه يعرف مدى ثراء وفساد قياداته المترفة، ولم يعايش تجربة التضحيات التي خاضها جمهور المقاومة منذ نشأتها، مضافاً إلى افتقاده نسبياً الصلة المباشرة بسوريا، المعبر البري الوحيد للبنان.
الوقت يمر لصالح قوى المقاومة، وفي مساحة المناورة هذه تكون الأهداف متاحة في الميدان؛ فالمعركة على الفساد مفتوحة والفرصة جاهزة لإضعاف كارتيلات الفاسدين، من دون كسرهم ربما، ولكن يمكن تحقيق نقطة استراتيجية في معركة مكافحة الفساد. رفع حزب الله سقف تلك المواجهة عالياً منذ أيلول / سبتمبر الماضي، من دون تحقيق نتائج ملموسة. في ذكرى عاشوراء الأخيرة، قال الأمين العام للحزب: «يجب استرداد الأموال المنهوبة كأولوية في الخيارات المطروحة لمعالجة الوضع الاقتصادي في لبنان»، ربما لا يتحقق هذا الهدف الآن بطبيعة الحال ونظراً إلى الظروف، لكن تحقيق إنجازات تكسر قدسية الفاسدين سيفتح الباب بالتدريج.
التفت فيلتمان بشكل مبكر إلى هذه الثغرات؛ فلحماية الثغرة الأخيرة الناشئة من العجز الاقتصادي الأميركي وأسلوب دونالد ترامب الجبائي، استخدم بدقة عبارة «الازدهار المحتمل». فحتى النفط لن يكون باباً للازدهار على ما يبدو، وذلك ربما تحسّباً لردّ فعل مستقبليّ تجاه الأميركيين في حال إمساكهم بنفط لبنان. وفي خصوص الثغرتين الأولى والثانية، واللتين تنذران بإمكانية تعرّض وكلاء أميركا لأزمة سياسية قاتلة، لفت نظر أعضاء الكونغرس في بداية شهادته أمامهم بتاريخ التاسع عشر من تشرين الثاني / نوفمبر، إلى التهديد المحتمل وانقلاب العملية برمتها: «أود أن أؤكد في البداية أن الاحتجاجات الحالية في لبنان لا تتعلق بالولايات المتحدة، ويجب أن نتجنب أي شيء قد يغيّر التركيز إلى الولايات المتحدة. لكن نتائج الاحتجاجات قد تؤثر على المصالح الأميركية بشكل إيجابي أو سلبي. لهذا السبب أرحّب بشدة باهتمام الكونغرس بلبنان في لحظة يمكن أن تكون لحظة محورية في تاريخ البلاد». فالانقلاب على التسوية القائمة منذ الانتخابات، وتحويل البلاد إلى معسكرين متصارعين، مع فقدان إمكانية الاختراق في بيئة المقاومة وحلفائها، سيعنيان فقدان الطرف الأميركي للزخم الهجومي، وانتقاله إلى الدفاع، نظراً إلى عدم امتلاكه القوة الكافية للصمود الطويل ولا للمواجهة المباشرة. ربما يكون حلفاء أميركا الفاسدون قد مشوا إلى الحفرة التي حفروها بأيديهم، وربما يكون ما حصل في قضية كارتيل النفط أول الغيث.

*باحث لبناني