إن القراءة السياسية للحدث اللبناني تتطلّب التأني والدقة والحذر، وبالتحديد العوامل المؤثرة في تكوين الموقف السياسي وتقاطع حدود الداخل والخارج في هذه المسألة. في طبيعة الحال، وبالنظر إلى التعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية الحاصلة في المنطقة، واستكمالاً في لبنان ــ الذي يعيش اليوم «حالة تاريخية»، بطبيعتها، وأيضاً بما سينتج عنها ــ يجعل محاذير الاستنتاجات كثيرة ومتعددة. فهذا الحدث، الذي فرض نفسه على مختلف الساحات، الداخلية منها والخارجية، بقواها ومشاريعها وتأثيراتها، لن يكون، مطلقاً، بمعزل عن تداعيات مفترضة، والتي يمكنها أن تتخطى بنتائجها الساحة اللبنانية بهمومها وآمالها وقواها.

(هيثم الموسوي)

وعلى هذه الأرضية، يجب أن نقارب الأمور، لا أن نبسّطها إلى حدّ «التسخيف»، الذي قد يُضعف التحليل، وتلقائياً، الموقف السياسي المتخذ. هذا من جانب، ومن جانب آخر، عدم مقاربة التحليل من زاوية «أخلاقية» أو حسن النيّات، أي إظهاره كما لو أنه صراع بين قوى شر وقوى خير، وفي هذا أيضاً تسطيح، ربما يكون مقصوداً هنا، بهدف الابتعاد عن ملامسة أصل المشاكل الموجودة والنحو بها في اتجاهات مختلفة، للوصول إلى أهداف ربما تكون مشتبهاً فيها.
عند نقاش الحالة السياسية المُعاشة اليوم والمسبّبة للأزمة الحالية، يجب النظر وبجدية، إلى التقاطع الداخلي والخارجي للقوى المؤثرة فيها، ولإظهار المصالح المتباينة أو المتوافقة لأطرافها. فتحديات الداخل لا ينقصها تأثيرات الخارج، ما قد يجعلهما معاً، في تموضع واحد ومشترك أحياناً وعلى طرفي نقيض في أحيان كثيرة. وعليه، لا يمكننا هنا تبسيط الأمر على أنه نظرية مؤامرة صافية آتية من الخارج وبمشاريع مختلفة، كما لا نستطيع، في المقابل، حصر المشكلة كما لو أنها محض داخلية وحلّها لن يكون إلّا من الداخل، فبهذا أيضاً يوجد الكثير من السذاجة؛ فعملية القطع المفهومي الواضح والصريح للمقاربة في هذا المجال ستكون قاصرة ويلزمها تدقيق. فأي حدث بحاجة إلى تجريد بقصد فهم طبيعته، وكذلك إلى تدقيق لدراسة مختلف الظروف المحيطة به، وذلك لكشف أدوار مستترة أو معلنة أو مفترضة، لقوى أو دول أو جهات أو مصالح، وعلى نتائج ذلك الكشف سيسهل الفهم، وكيفية التعاطي وأخذ المواقف المطلوبة.
إن الخاسر من الخلطة المهجّنة بين المبدئية والوصولية سيكون خيار المواجهة للمشاريع الإمبريالية


فالخارج، يقارب الحدث اللبناني من زاويتين، الأولى هي مصالحه، وهذا مؤكد ومعلن منذ زمن، والثانية هي موقع لبنان وارتباطه بمشاكل المنطقة، وهذا بدوره ليس موضع نقاش أو جدال أو تشكيك؛ فعنوان المكتوب في هذا المجال جليّ ومقروء. ومن هاتين الزاويتين، وبالاستناد إليهما سيكوّن ذلك الخارج موقفه السياسي ممّا يجري ويحدد سلوكه اتجاهه، مع الإشارة إلى أن هذا الأمر معمول به في لبنان بطبيعة الحال منذ قيامه ككيان مستقل، وعلى ذلك الأساس كانت التدخلات والوصايات والتبدلات التي حصلت، كما كانت الحروب والتوترات والمشاكل. أمّا الداخل، فهو يقارب الموضوع من زاوية مصالح أفرقائه، حتى ولو تناقضت؛ يتفقون على المتفق عليه في ما بينهم، ويتركون المختلف عليه إلى مناسبات أخرى يمكن أن تكون ظروفها أكثر ملاءمة. في حالة اليوم، هم متفقون على رفض ما تطالب به أكثرية الساحات في لبنان، كمثل تغيير السياسات المتبعة وبخاصة الاقتصادية، تغيير طبيعة النظام السياسي إلى آخر أكثر عدالة وتمثيلاً، فكّ التبعية للخارج والارتهان لسياساته، تشجيع الاقتصاد المنتج مع تأمين كل المستلزمات الضرورية لتطويره ولو ناقضوا بذلك كل تاريخ ولاءاتهم، كسر منظومات الفساد والمحسوبية والزبائنية... إلى آخر تلك المطالب، وغيرها المرتبطة بمطالب قطاعية مزمنة أو بحقوق أُهدرت بسبب المحاصصة الطائفية والمذهبية والمحسوبيات... على هذا الأساس، وبناءً على ما تقدم، تصبح القضايا المتبقية، المختلف عليها داخلياً، سواء أكان الاختلاف جزئياً أم كلياً، هي ما يمكنها أن تحدد التقاطع الداخلي والخارجي وتشكله، والذي بمعظمه سيكون على قضايا خلافية. وبذلك تصبح المقاربة أكثر منطقية وأكثر وضوحاً وجوهرية، ما قد يجعل عملية التموضع السياسي، لأطراف السلطة، أكثر صعوبة أو يلزمها توليفة مختلفة. ومن أهم تلك القضايا:
• الوظيفة السياسية والاقتصادية والمالية للنظام اللبناني ومنظومته، بارتهانها وتبعيتها.
• دور لبنان في الصراعات الدائرة في المنطقة، وكيفية توظيف الساحة اللبنانية ودورها فيها، وما المتوجب فعله من الأطراف المرتبطة بأكثريتها بولاءات خارجية.
• العدو الصهيوني وأطماعه الدائمة في الأراضي اللبنانية والثروات، في ظل تآكل دوره الوظيفي في المنطقة بفضل هزائمه مع قوى المقاومة، ولو بنسب مختلفة.
• القضية الفلسطينية، وسوريا والدور اللبناني المطلوب في مسألتي، اللاجئين والتوطين، ومسألة حصار سوريا وإعمارها.
• المقاومة، كخيار للشعب اللبناني، في وجه الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية المحتلة، وكدور لعبته وستلعبه في تحرير الأرض وردع الكيان المحتل.
• القواعد العسكرية الغربية، وبالتحديد الأميركية في لبنان، ووظيفتها ودورها في إطار تعقيدات الأوضاع في المنطقة، الأمنية والعسكرية، وفي ظل المشاريع الإمبريالية وامتداداتها.
• التطورات الجيوسياسية في المنطقة، والتي قد ينتج منها إعادة فتح طريق الحرير البرية من حدود الصين الشرقية إلى البحر المتوسط، أي ربط دول محورية في المنطقة وتقريب المسافات، بالإضافة إلى الثروات المكتشفة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط.
هذه بعض القضايا وغيرها الكثير أيضاً، إضافة إلى ملحقاتها الاقتصادية، هي من تحدد اليوم الموقف الخارجي من الصراع الداخلي في لبنان، أو في بقية دول الجوار، كسوريا، العراق... وإذا أسقطنا مفاعيل تلك القضايا على القوى السياسية اللبنانية لتبيان مواقفها منها وفهمه، سنجد التناقض واضحاً وجليّاً بينها، وإن جمعهم إطار الحكومة نفسها، أو النظام السياسي نفسه. فلا المنطلقات ولا المواقف ولا السلوكيات، الناتجة من تلك القضايا، يمكنها أن تشكّل أرضية سياسية متّفقاً عليها بين أفرقاء السلطة اللبنانية، ليس اليوم فقط، بل، أقله منذ الطائف. وعليه، ولو بنظرة سريعة إلى تلك الحقبة (حقبة ما بعد الطائف)، فإننا نجد بأن التوافق الدولي بين متناقضين هو من أرسى نظاماً سياسياً في لبنان مرعياً من خارج، نظّم العلاقة بين أطراف السلطة وفق حسبة متفق عليها، أمّنت مصلحة أفرقائها والرعاة الإقليميين والدوليين؛ وعند أول اختلال جرى في تلك المظلة نتيجة تبدلات كانت قد طرأت، سقطت الصيغة وعادت التموضوعات وعاد الانقسام، وهذا ما شهدناه مع القرار 1559 وما تلاه من أحداث في لبنان.
السؤال اليوم: أي منطلق من تلك المنطلقات الخارجية أو الداخلية يمكنه أن يشكل قاعدة اتفاق بين قوى السلطة؟ لا أحسب أن أي فريق من أفرقاء معادلة التسوية الأخيرة، والتي أنتجت، رئاسة ومجلساً نيابياً ومجلس وزراء، قادر على الحسم في هذا الجواب. فجميعهم يملكون نظرتين: واحدة، من زاوية التركيبة الداخلية للنظام السياسي، وهنا، بالنسبة إليهم، الرؤية أكثر وضوحاً؛ فهناك مصالح مشتركة يمكن أن تشكل قاعدة أمان لحكم، أطرافه راضون عنه وعلى ذلك هم فريق واحد. وثانية، من زاوية القضايا الكبرى المذكور بعضها أعلاه، وهنا الرؤية تبدو مغشاة حدّ العمى؛ إذ لا مصالح تجمع ولا مجالس تصنع. وبذلك تكوّن ذلك الانفصام الخطير، وأحياناً القاتل، في الخطاب السياسي لتلك المنظومة السياسية والاقتصادية ــ المالية المعمول بها اليوم، في مواجهة انتفاضة الشعب اللبناني المتواصلة.
فبين التحذير، من قبل بعض أطراف السلطة، من التدخلات الغربية على خط الانتفاضة ومن خلال قوى سلطوية، وبين النقاش في الشأن الداخلي الدائر اليوم حول كيفية إعادة إنتاج التسوية التي كانت قائمة، بهدف إعادة تثبيت السلطة، يكمن التناقض الأساس، وتكمن فرادة هذا النظام وقدرة أطرافه وحيويتهم على الفصل بين المنطلقات، وبأريحية واضحة، ما جعل خطة التشويش على الشيء الإيجابي المحقّق اليوم في الشارع، تكون باتباع خطاب سياسي مشترك بينهم يشكك ويخوّن ويقمع الساحات من جهة، ويستدرج التوتر المذهبي والطائفي والمناطقي مجدداً، ولو أُطيحت بذلك حالة الهدوء المصطنعة والكامنة تحت رماد تركيبة هذا النظام، أو التعايش مع حالة الرتابة الاقتصادية المفتعلة التي اعتادها الشعب اللبناني وتأقلم معها، من جهة أخرى. فالتشكيك والتخوين والمصلحة تصبح هنا ثلاثية مميزة ومطلوبة لقوى، لها قدرة الاتفاق والافتراق في الوقت نفسه، وكذلك المساكنة السياسية، وتحت مسميات متعددة وليس أقلها، الشراكة والعيش المشترك.

مصلحة لبنان وشعبه هي في وطن منيع بكرامة وبقدرات كافية للتصدي للعدوان


إن الخاسر الأساس من تلك الخلطة المهجّنة بين المبدئية والوصولية لن يكون بطبيعة الواقع، إلّا خيار المواجهة الحقيقية للمشاريع الإمبريالية في المنطقة وعلى رأسها المشروع الأميركي ــ الصهيوني، وأيضاً خسارة فرصة قيام نظام سياسي وطني يحقق قدرة على تثبيت الموقع والموقف السياسي الرافض لسياسات الهيمنة والتبعية، الذي يُكسب عملية المواجهة المباشرة شرعية شعبية بأكثريتها الساحقة المؤمنة بهذا الخيار. إن الوقوع في فخ ازدواجية الموقف، ومحاولة التوفيق بين حالات تناقض بنيوية في المنطلقات بين المكونات المعنية في السلطة، تصبح في هذه الحالة موضع تساؤل ورفض؛ فالمعلن غير المعمول به، والخطاب السياسي لأطراف المعادلة عالي النبرة لكنه يستبطن الأهداف نفسها. وعلى ذلك الحال، يصبح العامل الأجنبي صاحب تأثير كبير؛ فمن جهة سيدفع باتجاه الضغط على أطراف المعادلة لتحسين شروط مصالحه أو الاستمرار في نهج الاستئثار لمرحلة مقبلة، أو العمل باتجاه الحصول على تنازل ما في مكان ما، ربما يكون بعيداً بعض الشيء من مسرح الأحداث، من جهة أخرى.
إن المحقّق في هذه الحالة، هو إعادة إنتاج صيغة مهجنة جينياً، تمتلك، ربما وجوهاً جديدة، لكن الجوهر سيبقى واحداً؛ نظام سياسي غرس جذوره عميقاً في أرضية، دعائمها ضاربةً عميقاً في تربة الطوائف والمذاهب، وكل مساحيق التجميل والتنظيف ستقف عاجزة عن محاولة تلميعه أو تنظيفه. والمحقّق أيضاً، إعطاء شرعية مرة أخرى، لخارج كي يزيد أعمدة تدخله في الشأن الداخلي مع تقوية أوراق ابتزازه لكل الأطراف، ما قد يعزز، في مرات لاحقة، ركائز تدخلاته، وربما سيصل بذلك إلى قلب المعادلة وأساسها. والمحقّق أيضاً أنّ طموح من سكن الشوارع كل هذه المدّة، سيعود أدراجه إلى يومياته الرتيبة، يحصي خيباته ويراكمها، بانتظار أمل آخر، في ما لو قرر العودة في المستقبل للتذكير بمطالبه.
هذه الازدواجية المعلنة بين الأساسي والثانوي هي حصان طروادة التدخلات الخارجية، لا بل هي من تؤمّن لها الحجة المطلوبة؛ فكيف لمن يُعلن ويمارس ويجاهر بعدائه المطلق لذلك التدخل، أن يتهم ويهدد ويلجأ إلى القمع وإلى النهي عن التظاهر، بحجة منع التسرّب الأجنبي عبر بعض أطراف الانتفاضة، إلى الداخل كما يقول. بينما، هو نفسه، من يفاوض ويضغط لإعادة إنتاج صيغة أثبتت، وفي مراحل متعددة، ضعفها وضعف مناعتها الداخلية وهشاشة قواها وقدراتها، وأيضاً جهوزية العديد من أطرافها للفرار من المركب إلى الضفة المقابلة، وقد فعلوها ومارسوها، والماضي لمتابعه قريب وواضح وجلي، فعندما طُلب رأس المقاومة سارعوا إلى المساهمة في ذلك، وكانوا يومذاك على الطاولة نفسها يحكمون سوية.
لنقلع، ولو لمرة واحدة فقط، عن النظر بعين واحدة ومن زاوية محددة، نحو نظرة مختلفة: مصلحة لبنان وشعبه هي في وطن منيع بكرامة وبقدرات كافية للتصدي للعدوان، ونظام سياسي يعكس مشاريع سياسية يختارها الشعب اللبناني بكل حرية ومسؤولية، واقتصاد منتج يؤمّن للشعب اللبناني مقومات الصمود لتحصين مواجهته، وحياة اجتماعية بكرامة وعزّة تشبهان كرامة وعزّة من لم يتوانَ عن دفع دمه عندما تطلبت المرحلة ذلك... هذه أهداف أقل ما يُقال فيها بأنها منطقية. فلماذا لا يكون الفرز بين قوى السلطة على أساسها مثلاً؟ أو لماذا لا يكون الفرز على أساسها مع الشارع؟ وعلى أساس الجواب المفترض للحالة الأولى، بأن ثمّة اختلافاً مع «الشركاء»، ومنذ عام 2005 وحتى اليوم، هو واضح وقد شهد محطات كادت تشعل الحرب الأهلية. وللحالة الثانية، ستكون الأكثرية الساحقة من المنتفضين في الشارع وغير المنتفضين إلى جانبها. أليس هذا مدعاة لإعادة النظر في المقاربة إذن؟ هو سؤال موجّه إلى بعض القوى الحريصة، فيما لو كان الهدف المعلن من خطابها هو الحقيقي والمعتمد! ولماذا الإصرار، بالتالي، على إعادة إنتاج نظام سياسي أثبت بالوقائع والأدلة الدامغة بأن العديد من أركانه هم في الضفة المقابلة؟
لن تنتظر جموع المجتمعين في الساحات، وبأكثريتها، ولن تكترث لجواب أو تلميحات أو تمنيات. فهي بخياراتها الواضحة والصريحة صامدة وصابرة ومقتنعة وستُكمل ما بدأته مهما اشتدت العواصف من حولها؛ وفحص الوطنية لا يجب أن يكون موجهاً إليها، بل إلى من يجاهر في مواقفه ويمارس كيديته وعداءه لأي عمل مقاوم، وهو للأسف، من «الشركاء في الوطن»، فلماذا ذلك؟ إنه فعلاً لَأمر يدعو إلى التبصّر فيه قبل الإجابة!

*عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني