في ضوء الانتفاضة الشعبية العفوية الراهنة العابرة للطوائف والمناطق والطبقات الاجتماعية والنقابات والأحزاب، ولكلّ مكونات المجتمع اللبناني، لا يمكنُ تجاهل أوجه الشبه والاختلاف بينها وبين الانتفاضة الشعبية الشاملة في أيلول من عام 1952، والمقارنة بين موقف المسؤولين في الانتفاضتين، وإبداء بعض الملاحظات بشأن القوى الحزبية والنظام الطائفي والمجتمع اللبناني ككل، بإيجاز كلّي:

1- إنّ الأسباب والمطالب المحقّة التي حرّكت الانتفاضة الشعبية الحالية، ليست جديدة. ولعلّ المثل الأقرب لهذه الانتفاضة الشعبية والإجماع شبه التام على أحقيّة مطالبها، هو مثل الانتفاضة الشعبية في أيلول عام 1952 التي جاءت احتجاجاً على مفاسد ومظالم وجرائم عهد الرئيس بشارة الخوري، الذي رسَّخ ثقافة الفساد والإفساد في مفاصل الدولة كلّها. لكن الفارق بين الانتفاضتين يكمُن ــ حتى الآن ــ في نقطتين أساسيتين:
(أ) انتفاضة عام 1952، بدأت عندما عيلَ صبر رئيس الوزراء آنذاك، سامي الصلح، المشهود له بالوطنية والنزاهة، من تدخُّلات رئيس الجمهورية وعائلته وحاشيته ومحازبيه واستنـزافهم المال العام، والتعدّي على الحريات، والتدخُّل في شؤون القضاء، والإثراء الفاحش غير المشروع من جهة، وحالة المواطنين العاديين المزرية من جهة أخرى. فما عاد ضميرُه يحتمل ما يجري في البلاد، فقدّم استقالته بخطاب تاريخي في مجلس النواب، ولم يقدّمها إلى رئيس الجمهورية. ولم يتوقّف عن متابعة خطابه، رغم جلبة واحتجاج النواب الموالين لرئيس الجمهورية، بينما كانت أكثرية المجلس موالية، لأن الانتخابات التي أتت بهم كانت مزوّرة لا تعبّر عن الإرادة الشعبية. أما في الانتفاضة الحالية، فإنّ رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لم يستقل إلّا في 29/10/2019، بعد مضيّ أكثر من إثني عشر يوماً على ابتدائها في 17 تشرين الأول / أكتوبر.
(ب) نقطة الاختلاف الكبرى الثانية بين انتفاضة عام 1952 والانتفاضة الحالية، هي أنه بعدَ تقديم رئيس مجلس الوزراء استقالته في 28 آب 1952 تعذَّر على رئيس الجمهورية تشكيل حكومة جديدة. فتحرّك الشارع، وتحتَ ضغط إضراب عام بدأ في 15 أيلول / سبتمبر، واستمر حتى 18 منه من عام 1952، قدّم رئيس الجمهورية بشارة الخوري استقالته، بعدما تسلّم رئاسة الحكومة قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، ودعا المجلس إلى انتخاب رئيس جديد للبلاد، فتمّ في غضون خمسة أيام انتخاب الرئيس كميل شمعون خلفاً لبشارة الخوري في 23 أيلول / سبتمبر 1952. أما في الانتفاضة الحالية، فإن رئيس الجمهورية متمسِّك بموقعه تعضده قوى سياسية تتمتع بولاء شعبي لا يستهان به، رغم إقرار هذه القوى بصحة وعدالة المطالب الحياتية التي ينادي بها المنتفضون، بما قي ذلك ضرورة محاسبة الفاسدين.
2- ومن أوجه الشبه بين انتفاضة عام 1952 والانتفاضة الحالية، الهوّة الهائلة القائمة بين من يُفترض بهم أن يكونوا ممثلي الشعب الناطقين باسمه والحاملين لهمومه والعاملين على خدمة مصالحة، وبين الشعب بالذات الذي ثار على المنظومة الحاكمة لأنه لمسَ أنها لا تعبّر عن مطامحه وأحلامه في بناء دولة راقية يسودها القانون وتخيّم عليها العدالة، ولا تؤمّن له أبسط حقوقه في العيش الكريم. والواقع الأليم هو أن المواطن اللبناني مُستعبد ومسحوق، لأنه لا يأمل الحصول على حقوقه إلّا باستعطاف «زعيم» أو «مسؤول»، وبتقديم آيات التعظيم والتبجيل لـ«الأصنام» البشرية الجديدة. والمعروف أن عمل المؤسسات الدستورية، وفق القيم والأعراف الراقية، وإجراء العدالة في المجتمع، وبالأخص عبر سلطة قضائية مستقلة، هو البديل الوحيد للثورة أو الفوضى أو الانهيار.
3- في مطلع القرن العشرين، كان لبنان بشهادة المؤرّخ المرحوم كمال الصليبي، المنطقة الأكثر تقدّماً في الإمبراطورية العثمانية. وفي عام 1925، لدى وضع الدستور اللبناني، تطلّع المثقفون المستنيرون إلى حلم إقامة نظام يقوم على مبدأي الحرية والمساواة لجميع أبناء الشعب اللبناني، من دون أي تمييز. لكن الطائفية، التي هي مرضٌ مخجل، تسلّلت إلى الدستور وأرست النظام التمثيلي الطائفي، عبر المادة 95 منه، بضغط من المؤسّسات الدينية. بيدَ أن واضعيها كان لديهم بعض الحياء فنصّوا فيها على أنها مؤقّتة واشترطوا أن لا يخالف التمثيل الطائفي المصلحة الوطنية. مع ذلك، فإن القوى الطائفية، ومن خلال التنظيمات الحزبية و«الزعامات» الطائفية، اغتالت هذا الحلم. ودستور الطائف، على عكس ما يُشاع، لم يلغِ الطائفية السياسية بل كرّسها بشكل نهائي، لا مؤقت، في المادة 22 من الدستور، التي تنصّ على إنشاء مجلس شيوخ «تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية»، فضلاً عن أن قانون إنشاء المجلس الدستوري يعطي رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً حق مراجعته «في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني»، أي في أكثر القضايا أهمية بالنسبة إلى حياة الفرد الشخصية وحريته في الفكر والاعتقاد. وما قانون الانتخاب الأخير، الأسوأ بين قوانين الانتخاب في العالم، إلّا بمثابة مؤامرة من هذه القوى والتنظيمات الحزبية الطائفية، غرضُها إحكام قبضتها الفولاذية على البلاد، ومصادرة الإرادة الشعبية واستبعاد الأصوات المناوئة لها، والقضاء على الرأي العام المستقل وتسييسه وتطييفه بالقوة، قوة القانون. وتجدر الإشارة في هذا المجال، إلى أن الحكم بواسطة القانون شيء، وحكم القانون شيء آخر. ذلك أن أبشع الديكتاتوريات تسنّ القوانين لتحكم بواسطتها. أما حكم القانون بمعناه الصحيح، فيفترض وجود قانون عادل يخدم المصلحة الوطنية العليا لا المصالح الفئوية والحزبية الضيّقة. ولا بدّ من التأكيد في هذا المجال أيضاً، أنه لا يمكن أن يؤمَل من القوى الحزبية الطائفية الحالية أن تقوم بتغيير النظام الطائفي واعتماد نظام بديل يستبعد الطائفية والنظام الطائفي، ما لم تقم أولاً بمراجعة نقدية ذاتية للإيديولوجيات الجوهرية التي تقوم على أساسها لازدواجية خطابها السياسي، ولتنظيماتها الحزبية التي لا تأتلف مع المبادئ الديموقراطية وتقيّد حرية ضمير الفرد المنتمي إليها بقيود الولاء للحزب ورئيسه، وتتهدّده بالفصل وبمجالس تأديبية إن خالف توجُّهاتها. كما على الأحزاب والقوى الحزبية الحالية، أن تقوم بنظرة نقدية شجاعة تواجه بها الأخطاء، أو ربما الجرائم، التي اقترفها بعضها بحق البعض الآخر، وبحق الوطن وأحلام شعبه وطموحاته. فالمراجعة الذاتية التاريخية، والإقرار بالأخطاء المرتكبة، شرطان أساسيان للتحرّر منها، وتجنّب معاودتها.
4- في انتفاضة 1952، كما في الانتفاضة الشعبية الحالية، تعالت أصوات مطالبة بقوة بمحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة. لكنّ المحاسبة لم تتحقّق، لأن القوى الطائفية المُحكمة قبضتها على النظام والعباد منعَت ذلك. ولا يُشرِّف هذه الطائفة أو تلك عدم محاسبة من تولّوا المناصب المكرّسة لها، بل يشرّفها ويرفعها أن لا تقبل بالفساد إذا جاء بالأخص ممّن تعتبره ممثلاً لها. فمنعُ محاسبته يجعلها شريكة له في الفساد والإفساد. فهل تنجح انتفاضة عام 2019 في استمرار الضغط باتجاه المحاسبة، أم ستفشل كما فشلت انتفاضة عام 1952؟ سؤال يجيب عنه المستقبل.
5- لقد وصل الوضع إلى ما وصل إليه لانتفاء العدالة في لبنان، إذ من دون عدالة لا حرية ولا كرامة للمواطن، ولا حقوق مضمونة له. إنّ انعدام العدالة هو الذي جعل الفساد يستشري في الإدارات كلها وفي المجتمع كذلك. فالجريمة، أياً كان مرتكبها، لا تكتمل إلا إذا غطّاها القضاء. وبالتالي، فالقاضي الذي يمالئ المعتدي المجرم أياً كان، ولأي سببٍ كان، هو مشترك في الجريمة، بل إن جريمته أفظع. ولا محيد عن القول إن القضاة الشرفاء في لبنان ما انفكّوا، منذ الأربعينيات، يطالبون ويلحّون في طلب ضمان استقلالية القضاء. ومطالبة هؤلاء القضاة هو الدليل الدامغ على عدم تمتّعهم بالاستقلالية الواجبة والضمانات التي توفّرها.
6- إن الحرمان وانسداد أفق المستقبل، واحتضار الأمل لدى الناس، ويأسهم من إمكانية الخروج من الأزمة المعيشية الخانقة على يد الطبقة السياسية الحاكمة، كانت العناصر الأساسية الدافعة إلى الانتفاضة الشعبية العفوية. وباختصار كلّي، إن الثقة الشعبية منعدمة في الحكومة الحالية، بصرف النظر عمّا إذا كانت تضم عناصر مخلصين أو لا. وبالتالي، فإن الاستجابة للانتفاضة الشعبية المحقّة لا تكون إلا باستقالة الحكومة الحالية فوراً، وبتشكيل حكومة جديدة تضم شخصيات جديدة يشهد لها تاريخها وثقافتها وخبرتها بالكفاءة والنزاهة. فقد أدرك الناس العاديون ببداهة وعفوية أن مسؤولية الوزارة هي مسؤولية تضامنية مجتمعة، فسحبوا الثقة منها وهو ما يمكن لممثليهم في مجلس النواب فعله. إن الحد الأدنى لاحترام مطالب ومشاعر الناس العاديين الذين انتفضوا، لا يكون إلّا بذلك، وهذا وحده الكفيل بإقناع الناس بالعودة إلى استئناف حياتهم العادية، بانتظار البدء، من دون إبطاء، بتحقيق إصلاحات جذرية يكون أولها إصلاح قطاع الكهرباء والابتعاد عن الحلول الحالية، لأنها لا تتّفق مع أبسط قواعد المنطق السليم، والتي تطرح علامات استفهام كثيرة على أسباب استمرارها.
7- أخيراً، أظهرت انتفاضة 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019، أهمية ممارسة الشعب لدوره في الرقابة على أعمال من يتولّون المناصب والوظائف العامة للعمل باسمه ولخدمته، لا لقهره والإثراء غير المشروع على حسابه، واغتيال حقه في العيش الكريم في بلده. وعلى المثقفين وقادة الرأي العام أن يتحلّوا بالصدق والإخلاص ونكران الذات من أجل خلق رأي عام مستنير يرتكز على معايير الحق والعدالة والحرية والمساواة لجميع المواطنين من دون أي تمييز بينهم. وهذا الرأي العام المستنير لا يمكن تحقيقه، وإن تحقّق فلا يمكن ضمان استمراره في الخطاب الطائفي، الذي هو عامل تفتيتي للمجتمع وللرأي العام الإنساني الوطني الراقي.
*محاميان