بلغ الحراك الشعبي المعارض والمتفاوت لجهة ثورية الخطابات درجات يمكن تقسيمها بين فريقين:

ــــ فريق سقوف الإصلاحات الجذرية في مواجهة الفساد في إدارة الموارد الاقتصادية، وما ينجم عنها من تفاقم للبطالة والدين العام. وخطابات هذا الفريق لا ترفض التدرّج الفعلي في تعديل تركيبة السلطة الشرعية القائمة والإدارة، القادرتين على تحقيق الإصلاحات الجذرية.
ــــ فريق سقوف التغيير الجذري لأطراف أكثرية بقيت في الحكم، في مواجهة أقلية سبق لها أن تجذّرت عقوداً فيه، وخرحت اليوم من التحالفات داخل ما يسمى حكومات الوحدة الوطنية عندما افتقدت، مجتمعة في الانتخابات النيابية الأخيرة، شرعية الأكثرية في البرلمان كما في تشكيل الحكومات. ولم يبقَ أمام هذه الأقلية الطائفية سوى التحريك السياسي لأحزابها ولقواعدها التقليدية والزبائنية ودفعها إلى تجاوز التحسسات الطائفية المزمنة والإسراع ظرفياً للتنسيق الثوري التشاركي مع المعارضات الجذرية الأوسع والأكثر تحرّراً داخل الفريق الأول. وفي تقديرنا أن توسع هذا التوحيد اليومي النفسي الثقافي لأحلام الشباب اللبناني، سيكون توحيداً يُخرج الكثير منهم من سطوة التعبئات الطائفية الزبائنية المزمنة لدى الفريق الثاني، ويُدخلهم في موضوعية وصدقية خطاب الفريق الأول المُشار إليه أعلاه.
أجل، لقد بلغ الحراك الشعبي المعارض والمتفاوت لجهة ثورية الخطابات، مديات في مختلف المناطق لم يصل إليها من قبل. وبلغت فيه الإبداعات مديات في إكفاء «الرغبات» وفي تنويع فنون التعبير المُرفّهة عن نفوس الصغار والكبار، إلى درجة بتنا نظن معها أن هذه الإبداعات هي التي وفّرت شروط الصمود المتوسع للحراك، وهي التي خفّفت من قلق نفوس الفئات الشعبية التي تكتشف كل يوم أن زعماء الطوائف الخارجين على «الحكومة الوطنية» التي كانوا فيها، باتوا قلقين من صعوبات قطفهم لثمار الحراك.
وإذا كان من الطبيعي أن ينفجر التراكم المزمن لإحباط الفئات الشعبية اللبنانية، إلا أن فرادة هذا الانفجار تعود إلى أنه لم يكن وليد أُطر حزبية موثوقة في معارضتها لنظام الحكم الطوائفي التحاصصي. وإن لتفجر الحراك، الفريد بجمالية توسعه ووطنية وعلمانية أماني غالبية جمهراته، أسباباً كامنة لدى قوى سلطوية تتموّه في المعارضة الشعبية، لكنها هي الأقدر على توقيت تحريكها وإعادة قواعدها الطائفية إلى التكيُّف مهمّشة في البيوت.
وهنا، لا بد من التذكير بأن انفجار الحراك الشعبي وتوسعه، إنما بدآ واستداما في الواقع لأسباب كان في طليعتها:
ــــ أولاً، عجز من بقي من زعماء الطوائف داخل ما توافقوا على تسميته «حكومة الوحدة الوطنية»، بخلاف ما يقلدونه من الأنظمة البرلمانية في الدول التي لا تقوم على توافق العصبيات الطائفية وغير الدينية. ونحن لا نرى في عجز زعماء الطوائف تقصيراً ذهنياً عن المساومة، أو عن تعديل التوافق السياسي بينهم لمصلحة الدولة والناس. ولكننا ندرك أنهم أعجز من أن يجعلوا من نظام الجنرال غورو الاستعماري الطوائفي، نظاماً ليبرالياً كما في البلدان المتطورة، يقوم فيه التنافس في الوصول إلى البرلمان، والحكم على تنافس البرامج السياسية الاقتصادية والاجتماعية. ونُدرك أن دول المستعمرات، التي كنّا منها وسنبقى في أزمات تكوّنها، يستعصي عليها أن تنتقل من عصبية القبيلة أو الطائفة إلى ديموقراطية القانون والمواطنة. كذلك، ندرك أن زعماء الطوائف في لبنان يبدعون في استثمار تخلف عصبيات قواعد طوائفهم، ولا مصلحة لهم في التفكير الإبداعي المُعارض لإخراج المجتمع اللبناني من ربقة التبعية وتجارها، الذين أبدعوا في تحويله من مجتمع زراعي صناعي، سياحي ــــ اغترابي، يصدِّر فوائض وارداته من هذه القطاعات، ومن مجتمع تتوفر فيه فرص تمايز وساطاته وخدماته للمجتمعات المشرقية. وندرك كيف حوّلوه إلى مجتمع يستورد حوالى 80% من حاجاته، بعدما حرّروا أسواقه وأغرقوا موازناته بعجوزات متزايدة في موازينه التجارية والمالية.

بلغ الحراك الشعبي المعارض والمتفاوت لجهة ثورية الخطابات، مديات في مختلف المناطق لم يصل إليها من قبل


ــــ ثانياً، ساهم في تفجُّر الحراك وتوسُّعه، الاختيار الحكيم لقيادة الجيش بعدم التعرّض لفئات شعبية محبطة تحلم بلبنان وبدولة لا تقوم على توافق العصبيات التابعة، ولا تلجأ غالبيتها إلى الأزمات توافقاً مع الخارج. دولة تعمل من أجل خلق دور للاقتصاد اللبناني في المنطقة والعالم، ولا تُبقي أمام شبابه غير الهجرة. أجل، كانت قيادة الجيش حكيمة في نأيها عن مخاطر صدّ عفويات تظاهرات الناس وقطع الطرق. وبهذا، نجحت في إبعاد وحدة الجيش عن مخاطر الانقسامات التي عرفتها في أحداث عام 1958. مخاطر كان وما زال يمكن أن تجره إليها التوترات السياسية «للمعارضات» الطوائفية، مموّهة حرصها المزمن على التمييز والتفريق المذهبي بين قواعد الطوائف المغلوبة على أمرها، بدل أن تعمل معها وبشفافية على ترسيخ مبدأ «التفاعل التشاركي» Interactionisme بين مناطقها ومواردها البشرية. تفاعل يُحسّن الوعي التنموي المطلبي والنقابي والحزبي خاصة. إن استبعاد قواعد الطوائف عن هذا النهج يترك فقراءها المهمشين أتباعاً لزعامات طوائفهم ضمن أطر العلاقات الزبائنية المحلية الضيقة، كما يبعدهم عن نهج الفهم البنيوي لتهميش مناطقهم النازفة. هذا النهج البنيوي الماكروي الذي يتكامل بالضرورة التنموية المُخططة مع النهج المرتكز على الأسس الميكروية المحلية التي تقوم عليها داخل المجتمعات والدول. وإن مثل هذا النهج التفاعلي ــــ التشاركي أثبت نفاذيته التحليلية داخل الجماعات المحلية المندمجة، سواء في المجتمعات الصناعية الغنية القائمة على الفردانية المواطنية. كما داخل الجماعات المحلية في المجتمعات الفقيرة القائمة على العصبية. وتوسع اعتماده في الدراسات السوسيو ــــ أنثروبولوجية، والدراسات النفسانية الاجتماعية، في ما يُسمى علم اجتماع الجندرة في أميركا وأوروبا، حيث اعتُمد لإبراز ما يُسميه الباحثون «العوامل البيواجتماعية» ليس فقط للفروقات بين الجنسين وغيرها من الأبحاث المتعلقة بالتأثرات المتبادلة بين الأفراد داخل الجماعات.
ــــ ثالثاً، لا بد من التوقف طويلاً أمام إسهام الإعلام المرئي في التوسع التفجيري للحراك، ودوره في نشر ما يمكن أن نسميه «العدوى التثويرية» للحراك في الساحات على طول البلاد وعرضها، متكاملاً مع وسائل تواصل الجماهير، يخلق الحراكات العفوية والمنظّمة ويجذب الناس من كل الأعمار في الطبقات الوسطى خاصة، ولأهداف متعددة، لترسيخ الهوية الوطنية الأكبر على حساب الهويات الطائفية والمحلية الأصغر. إنه الإعلام الغاوي الذي يُحرك لدى كل الأعمار، عزائم التحول من كآبة الإحباط عند الشابات والشباب إلى همرجة الآمال والتوهم بجرأة التطاول على الكبار، ومنهم خاصة رجالات الدولة. كذلك، ويحرك أمنيات الظهور على الشاشات ولدقائق ما حلموا بها من قبل، يطلّون خلالها على من يريدون صارخين على من بقي في الحكم في موقع مسؤوليته. ويكرّرون ما يوحي لهم به مراسل القناة، الذي يستنطقهم فيردّون عليه بأجمل ما يُنتظر منهم حتى لا يقطع استنطاقهم.
لقد ساهم الإعلام، خاصة، في تحريك حضور النساء، وحثّهن على المشاركة في نقاشات الخيم. ولا نبالغ إذا ما اعتبرنا أن مجرد توصيل الإعلام الحراكي للمرأة كما الشباب، إلى هذا المستوى من التجرّؤ على التفاعل التشاركي يُشكل في تقديرنا تقدماً اجتماعياً قد يكون أكثر قابلية للتحقق من إنجاز أي تغييرات سياسية «سوّقت لها» قنوات الإعلام.

* باحث لبناني