أقدّس خصوصيّتي حدّ الهوس، أو أكاد، فلا حسابات لي على وسائل التواصل، ورقم هاتفي لا يعرفه إلّا قلّة مقرّبون. لكنّني اخترت أن أتخلّى عن شيء من خصوصيّتي لأحدّثكم. وما دمت مترجمةً وباحثةً في مجال الدراسات الإسلاميّة، فسيكون مقالي هذا مطعّمًا بما أعرفه. يخبرنا الجاحظ (ت. ٢٥٥/٨٦٨) في كتابه البيان والتبيين أنّ عامر بن الظَّرِب العدواني حَكَم العرب في الجاهلية، فلمّا أسنّ وانتابه النسيان، أمر ابنته أن تقرع بالعصا إن هو فهّ عن الحُكْم وجار عن القصد. أمّا أنا، فمن يعرفني يعرف عصاي. ذات ألوان؛ ترف صغير زاهٍ سمحت لنفسي به في ظلّ واقع كئيب. بالحديث عن الواقع، سأطرح عليكم عدّة سيناريوات خيالية، فعندما يكون المرء معوّقاً في لبنان، يصير الخيال متنفّساً لا بدّ منه. لا داعي لأن تعيدوا النظر، قلت الكلمة المحظورة التي تبدأ بحرف الميم فعلاً.

لفتني حديث دار على «تويتر» بين ناشطَين (أطّلع على النقاشات من غير أن يكون لي حساب خاص بي). قالت إحداهنّ إنّ تعامل دولتنا مع الشخص المعاق سيئة، ليردّ عليها أحدهم: «ما حدا معاق غير للي علّمِك تقولي معاق!» نيّته كانت طيبة، لكن الكلمة ليست سُبّة. من الناحية اللغوية، إنّ كلمة «معاق» هي صيغة اسم المفعول من الفعل أعاق، وهو اسم مشتق يدلّ على من وقع عليه فعل الفاعل. بمعنى آخر، لا تدلّ الكلمة على عيب في الشخص الذي تصفه. بيئته تعيقه، الصوَر النمطية تعيقه، المباني غير المجهّزة تعيقه، حرمانه من حقوقه الكاملة يعيقه، فهو إذاً معوّق. ولا بأس بمصطلح «الأشخاص ذوي الإعاقة» اعتماداً على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، شرط استعماله بصيغته الصحيحة في حالة المفرد، فلا يصير الواحد منّا «ذوي إعاقة» كما حدث مع مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصّة («هي ذوي احتياجات خاصة»). أشعر أنّ في الخطأ اللغوي إمعاناً في الإهانة، لكنّني لم أهتدِ بعد إلى تحديد السبب.
تخيّلوا لو أنّ حقّكم في المياه الصالحة للشرب، ما دمتم غير قادرين على استخراجها من باطن الأرض بأيديكم، بات يُسمَّى احتياجاً خاصّاً، كأنّه ترف ثانوي أو منّة تتفضّل بها الدولة عليكم. ألن تشعروا بالإهانة؟ هذا وقد أثبتت دراسة بعنوانSpecial Needs is an Ineffective Euphemism أنّ عبارة «الاحتياجات الخاصة» تعود بنتائج سلبية على الشخص الذي تصفه. فالكلمة مبهمة، توسّع الهوّة بين الأشخاص المعوّقين وغير المعوّقين، وتوحي بضرورة عزل المعوّقين في أماكن «خاصّة» بهم. شخصيّاً، لا احتياجات خاصة لي إلّا أن يتركني الناس وشأني، ما خلا قريباً أحبّه، أو صديقاً أودّه، أو هرّاً آلَفه. احتياجاتي بسيطة حقّاً. لا أريد من الناس أن يقولوا لي إنّني مصدر إلهام لهم إن كانوا لا يعرفون عنّي شيئاً سوى أنّي معاقة، لأنّ ذلك اختزاليّ ومهين، ولا أريدهم أن يحاولوا سبر غور ذلك اللغز العميق ــ بنظرهم ــ الذي هو أنا. لا يحقّ لهم أن يسألوني عن اسمي حتّى إن كان ذلك لغير سبب وجيه. قد تبدو حساسيّتي مفرطةً لكم، لكن تخيّلوا أن يسألكم الناس عن اسمكم بالنبرة نفسها التي يتحدّثون فيها مع الأطفال. سرعان ما يصبح الأمر مزعجاً ومملّاً.
ننصرف الآن إلى آخر المصطلحات المبتدعة: «ذوو الإرادة الصلبة». عن نفسي، ليست إرادتي صلبةً (ولا غير ذلك من حالات المادّة: ليست إرادتي سائلةً، ولا غازيّةً، ولا هيوليّةً). إرادتي، في أحسن الأحوال، نزِقة؛ تشتدّ حيناً وتضعف حيناً، شأني شأن غيري من الناس. لم أعمد إلى الدراسة والعمل لأنّ إرادتي صلبة، بل لأنّني أريد أن أعيش، ولا أطلب لفعل ذلك إذناً أو توصيفاً من أحد. إنّ احتقارنا لأنّنا معوّقون أو رفعنا إلى مصاف الأبطال أو الملائكة كلاهما مهينان.
كتب المؤرّخ ابن فهد (ت. ٩٥٤/۱٥٤٧) كتاباً أثار ضجّةً في عصره هو النكت الظراف في من ابتُلي بالعاهات من الأشراف، وذكر الصلعان من أشراف مكّة في كتابه؛ أي إنّه عدّ الصلعان من ذوي العاهات. أوجّه سؤالي إلى الصلعان من القرّاء الكرام: تخيّلوا لو قال أحدهم إنّ إراداتكم صلبة لأنّكم لم تخجلوا من الخروج من منازلكم. أليس ذلك مهيناً؟ قالتها سيلفانا اللقيس من قبل: «توقّفوا عن نعتنا بصفات وألقاب تسلبنا هويتنا وإنسانيتنا. لو كنتم فعلاً تهتمّون، اذهبوا وتناولوا البيئة المعيقة». المضحك أنّ مصطلح «الإرادة الصلبة» وُلِدَ في ورشة عمل في مجلس النواب تحت عنوان «ذوو الإرادة الصلبة»، في حين أنّ القانون ٢٢۰/۲۰۰۰ لحقوق المعوّقين لم يُطبَّق بمعظمه بعد عشرين عاماً على صدوره. كذلك، لم يصادق لبنان على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بسبب المناكفات السياسية. لكن ما همّنا إن كانت إرادتنا صلبةً!
ربّما أبدو لكم شَكِسةً، متهكّمةً، صعبة الإرضاء، أدقّق في صغائر الأمور. لكنّني أركّز على طريقة الكلام لأنّها تغيّر طريقة التفكير. إنّ التحسّس من كلمة معوّق نابع من استعمال غير المعوّقين لها على أنّها سبّة، فإن تكلّم سياسي لا يعجبهم قالوا: «ليك هالمعاق!» وإن أصيب شيء من أشيائهم بعطل قالوا: «هالغَرَض صاير معاق». انزعوا التابو عن الكلمة عبر الكفّ عن استعمالها وكأنّها سبّة. من شأن استعمال الكلمة في موقعها الصحيح توجيه الأنظار إلى مكامن الخلل: البيئة المعيقة، الصوَر النمطية المعيقة، المباني المعيقة. المسألة مسألة حقوق. لا أخفيكم أنّ الكلمة كانت تربكني أيضاً، لكنّها تحلو مع التكرار: معاقة، معاقة، معاقة.
ما أذكره تالياً ليس مثالاً خيالياً آخر، بل اقتباس من القانون 220 الذي يضمن «الحقّ بالخدمات الصحية وإعادة التأهيل وخدمات الدعم، والحق ببيئة مؤهَّلة، والحق بالتنقّل والمواقف ورخص السوق، والحق في السكن، والحق بالتعليم والرياضة، والحق في العمل والتوظيف والتقديمات الاجتماعية» وكلّها حقوق مكفولة بالتفصيل.
أنتم، يا إخوتي، تسعَون اليوم إلى بناء دولة جديدة، على صورتكم ومثالكم، جميلة. وضمان حقوق المعوّقين جزء لا يتجزّأ من العدالة الاجتماعية. أثبتّم، في قوّتكم، أنّ السلطة الحاكمة لا تستجيب إلّا تحت الضغط وبهزّ العصا: أعيركم عصاي إن لزم الأمر، لكن طالبوا بحقوق المعوّقين، وأصرّوا على كلمة معوّقين لكونها نابعةً من المنظور الحقوقي. أنتم تسترجعون أماكننا العامة، لكن إن لم تكن هذه الأماكن العامة مؤهّلةً لاستقبال المعوّقين، ستبقى محرّمةً على كثيرين. إن لم أنل حقوقي، سأبقى منفيةً في قلب وطني، باحثةً أبداً عن وطن، ولو في الخيال. يحدّثنا إدوار سعيد عن المنفى فيقول: «المنفى هو الشرخ الذي يفرض نفسه، ولا يلتئم، بين الكائن البشري وموطنه الأصلي، بين الذات وملاذها الحقيقي. إنّ الكَمَد الناتج عن المنفى كَمَد غائر لا ينقضي أبدًا». كان إلقاء العصا عند العرب كناية عن الإقامة وترك السفر، وأنا لا أريد إلّا وطناً ألقي فيه عصاي وأتوكّأ عليها في آن معاً.
في النهاية، أترككم مع أبيات لمحمود درويش، لأنّ الشعر حلو في الأوقات الصعبة:
«أحلم أحياناً
وأرتجل
حلماً يعانق حلماً كي يوسِّعَهُ

فلا أكون سوى حلمي...
ولي جبل
ملقًى على الغيم ، يدعوني لأرفعَهُ

أعلى من الغيم إشراقاً
وبي أمل
يأتي ويذهب...
لكن لن أودّعَهُ».